هكذا كانت ببساطة..ثورة تونس

شرعت صبيحة اليوم الأول من هذا العام بكتابة تدوينة تتحدث عن مظاهرات تونس التي بدأت شرارتها في سيدي بوزيد قبل ذلك بأقل من أسبوعين، عندما أحرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على الفقر والظلم. إلا أن التفجير الإرهابي لكنيسة القديسين في الإسكندرية ليلة رأس السنة أفقدني القدرة على الكلام، فلزمت الصمت، إذ أن اللجوء إلى النفس يكون حاجة قصوى في بعض الأحيان. لذلك اكتفيت بترك تعليق على صفحة مدونتي على الفيس بوك قلت فيها هكذا هي ثورة الجياع، تبدأ عادة برغيف خبز وتنتهي بإسقاط السلطة“.

ثورة تونسلا أدعي أني جزمت بسقوط نظام بن علي، إلا أن تعليقي هذا لم يكن مجرد أمنية، أو كلاماً من الفراغ وفي الفراغ. بل كان ناتجاً عن متابعة تفاصيل الأحداث في كافة وسائل الإعلام وبخاصة الإعلام الاجتماعي منه، مما جعلني أرجح وأتمنى هذا الاحتمال.

لعب الإعلام الاجتماعي وخاصة الفيس بوك ومواقع مشاركة الفيديو والمدونات دوراً كبيراً في امتداد الاحتجاجات من منطقة صغيرة مثل سيدي بوزيد إلى باقي المدون والبلدات. نشر التفاصيل والصور ومقاطع الفيديو عوض نقص التغطيات الإعلامية لما يجري من أحداث. وكان قادراً على إثارة الغضب عند المواطنين في المناطق الأخرى لدى رؤيتهم لمشاهد العنف ضد المتظاهرين، كما أثرت في اكتشاف المواطنين لنقاط القوة والشجاعة لديهم، من خلال نقل العدوى. وبكلمة أخرى، استطاع الإعلام الاجتماعي أن ينقل الأحداث مباشرة من المواطن إلى المواطن بمنتهى المصداقية ليقول لوسائل الإعلام المرتبطة بالنظام لقد تجاوزكم الزمن“.

وبطبيعة الحال لا يجب أن نحمل الإعلام الاجتماعي أكثر مما يحتمل. فقد أخذ الحماس البعض بعد إنجاز الشعب التونسي، وبدأ يعلن الثورة على صفحات الفيس بوك وهو جالس في منزله أو خلف مكتبه. صحيح أن للإعلام الاجتماعي دور فعال في تعبئة الرأي العام والترويج لقضية ما، لكننا يجب أن نفهم الأدوار المتكاملة بين هذه الوسائل وبين الحراك على الأرض، ولنميز أن الخبز هو من أشعل الثورة وليس الفيس بوك.

الخبز قضية فوق كل القضايا، مرتبط بعلاقة مباشرة بأعلى سلطة في بالبلاد ويمكنه زلزلة الأرض تحتها. ليس بالضرورة أن تكون هذه السلطة هي الرئيس أو الملك. بل أعلى سلطة مسؤولة عن هذا الرغيف. فربما يكون الرئيس أو الحكومة أو أعضاء البرلمان أو القانون أو حتى الأيديولوجيات والأديان، كلها معرضة للسقوط أمامه. لكنه ليس الخبز وحده، بل ذلك المركب السحري من الخبز والكرامة والقهر والظلم. ذلك المركب الذي تكون حصيلته سلب هذا الرغيف من يد المواطن بدم بارد. عندها يتحول إلى قضية إنسان مكتملة النصاب وجاهزة للانفجار، قضية وجود: إما أن أكون أو لا أكون. ويبدو أن محمد البوعزيزي كان مدركاً لذلك في وعيه أو في لاوعيه، فقرر أن يكونبطريقته الخاصة فأشعل تونس بكل عفوية.

وصلت أرقام النمو الإقتصادي بتونس إلى معدلات قياسية قبل الأزمة الأخيرة التي عصفت بالإقتصاد العالمي، فلماذا ثار الشعب إذاً؟ هل كان قليل الصبر تجاه أزمة ربما تكون عابرة؟ أطاحت الأزمةالاقتصادية العالمية بورقة التوت الباقية التي تستر عورة النظام السياسي/الاقتصادي في تونس. فالتماهي كان في أوجه بين السلطة والمال باستخدام الفساد كأداة لتحقيق ذلك. فلم يعد التونسي يميز بين رجلالسلطة ورجل الأعمال، وكلاهما يحمي الآخر ويشاركه على نهب ثروات البلد وتدميره. والاقتصاد الإنتاجي لا يخدم هذا الاتجاه، بل كان من الطبيعي التوجه إلى الاستثمارات السهلة ذات الدورة الرأسمالية القصيرة والتي لا تحتاج إلى المهارات العالية والإبداع اللذان يحتاجات بدورهما إلى الحرية كشرط لازم. فكان الاقتصاد خدمياً وريعياً يعتمد بشكل أساسي على السياحة والتجارة متخذاً الدول الأوروبية وخاصة فرنسا شريكاً أساسياً له وتحت مظلة حمايته. وهذا النوع من الاقتصاد لا يحتاج إلى عمالة كمية أو نوعية، فارتفعت معدلات البطالة وخاصة بين حملة الشهادات العليا، وتحققت المعادلة الساخرة: المردود المادي يتناسب عكساً مع التحصيل العلمي

بدأت الاحتجاجات، وتجاهلها بن علي في البداية كعادة كل ديكتاتور، واعتقد أنه سوف يقمعها بالقوة كما فعل سابقاً هو وإخوانه في الدكتاتورية. ثم شعر أنها تمددت، فاستنكرها واتهمها بالارتباط بقوى أجنبية لا تريد الخير لتونس (أي هو وعائلته ومن لف لفيفهم). لكنه اضطر أخيراً أن يتوسل للشعب أن يتركه في مكانه لثلاث سنوات أخريات. أما بعد؟ لقد هرب. يعتقد كل ديكتاتور أنه ممسك تماماً بزمام الأمور إلى الأبد، وأن الزمن توقف عنده، وأن كل شيء يدور في فلكه. وعلى الشعوب ألا تثق أبداً بأن حكامها سوف يتعلمون الدرس التونسي، بل كل أحد فيهم يظن أنه ثابت في مكانه. ولو كان هناك أي إمكانية للتعلم من الدروس، لكان التاريخ أكبر معلم لهم، ولما وجدنا طاغية على الأرض.

وأخيراً، حاول التونسيون بجد تحقيق الحلم ووصلوا غايتهم. وبذلك صنعوا أجمل ترجمة لمعنى الأمل.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *