نحو ثقافة قانونية: قانون العمل الجديد-اتحاد العمال يتحفَّظ ووزارة الشؤون تستأنف

بقلم: شذا المداد

تعدُّ مسودّة قانون العمل الجديد من أهم القضايا الإشكالية بين اتحاد غرف الصناعة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من جهة واتحاد نقابات العمال من جهة أخرى، وذلك على خلفية اعتراض اتحاد العمال على بعض البنود التي رأى فيها إجحافاً في حقوق عمال القطاع الخاص, الأمر الذي أخَّر إصدار القانون ما يزيد على عامين.
وبعدما أعلن رئيس مجلس الوزراء عن قرب صدور قانون العمل الجديد، بعد أن أوصى بوجوب إدخال التعديلات عليه بما يخدم المصلحة العامة، عاد الخلاف إلى الواجهة، على أثر تحفُّظ اتحاد العمال على بنود القانون، ولم يجرِ الاتفاق حتى اللحظة.
الخلاف موجود والاتفاق لم يتم بعد، والسؤال يبقى مطروحاً: هل تسمع وزارة العمل نداء اتحاد العمال، أم سيتنازل الاتحاد عن تحفظاته؟
نقدِّم مزايا لم يقدِّمها القانون النافذ..
في محاولة لمعرفة أهم ما جاء في قانون العمل المقترح وأهم المزايا التي يقدِّمها للعمال في القطاع الخاص، على اعتبار أنّ واضعي القانون الجديد يحاولون فيه معالجة المشاكل والعقبات التي تواجه هؤلاء العمال في القطاع الخاص.
يقول راكان إبراهيممدير العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية: “إنَّ مشروع قانون العمل جاء ملبِّياً لحاجات السوق، إنه يحترم الاتفاقات الموقَّعة بين سورية ومنظمات العمل الدولية.
المشروع يعكس الرؤى والنظرة الغربية في تنظيم العقود، وإعادة تنظيم علاقات العمل لتوفير بيئة سليمة للعمل، ويراعي قانون إحداث منظمة التجارة العالمية، والتطورات الديمغرافية والسكانية التي يقصِّر القانون النافذ في مراعاتها“.
ويضيف في معرض الحديث عن الأهمية التي ينبثق منها القانون:
قبل البدء بالحديث عن القانون الجديد، يجب تسليط الضوء على الثغرات في قانون العمل النافذ الذي يعود صدوره إلى عام 1959، حيث صدر برقم 91، والذي صدر بـ231 مادة موزَّعة على سبعة أبواب.
القانون النافذ عرّف العامل والتأهيل المهني وتنظيم عمل الأجانب، التدرج المهني، وعقد العمل الفردي والمشترك، كما تسمِّيها قوانين العمل في العالم.
وتضمَّن تنظيم العمل وتحديد ساعات العمل، وتشغيل النساء والأحداث وتحديد الأجور، وتحدَّث عن التنظيم النقابي، والتوفيق بين العمال وأرباب العمل والعقوبات والإجراءات التنفيذية.
إلا أنَّ هذا القانون صدر في ظروف اجتماعية واقتصادية معينة كان مناسباً لها، واليوم بعد مضي خمسين عاماً على صدوره لم يعد يلبِّي المتغيرات وروح العصر.
وأصبح في بعض أحكامه لا يلبِّي حاجات سوق العمل وحاجة الاستثمار، والتي ستنشأ في سورية وتبني سورية لسياسة اقتصاد السوق الاجتماعي.
القانون الجديد
الأستاذ ابراهيم رأى: “إنَّ القانون الجديد مستمدٌّ من القوانين العربية والأوروبية الحديثة والمتطورة، والتي تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرفين، القانون النافذ أغفل مصلحة ربّ العمل، ولم ينظر القانون النافذ إلى القطاع الخاص كشريك مهم في عملية التنمية.
وخلا من تأمين الحماية الاجتماعية والقانونية التي تبعث على الثقة في أجواء العمل، وعدم توثيقه لعقد العمل، وعدم فرضه عقوبات رادعة واقتصارها على تحقيق العدل، والتصدي لتعريف العمل الليلي والعمل الموسمي والجزئي تاركاًَ ذلك للاجتهاد الفقهي والقضائي.
فالقانون النافذ أصبح قانوناً أخلاقياً وليس قانوناً قضائياً، كما يعيب عليه عدم مواكبته أحكام الاتفاقات الصادرة بعد الـ1959، وأصبح علينا لزاماً تعديل التشريعات للتوافق مع المعاهدات التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية.
القانون المقترح يأخذ بعين الاعتبار المعطيات التي ستنصُّ عليها اتفاقية الشراكة السوريةـ الأوروبية، بما يضمن الارتقاء بقوانين وعلاقات العمل إلى واقع أفضل.
لا يجوز حماية العامل على حساب مصلحة العمل وليس العكس، لأنه ينصُّ على “العقد شريعة المتعاقدين“، الأمر الذي يسمح لربِّ العمل منح الحقوق للعامل، فعلى سبيل المثال يعطي إجازة سنوية مأجورة بمدة تفوق المدة التي ينصُّ عليها القانون النافذ، ويمنح تعويض التدفئة.
واحترام إرادة المتعاقدين، ووضع قواعد ملزمة للطرفين، والمشروع استبعد دور لجان قضايا تسريح العمال كلجنة ذات طابع قضائي، لأنَّ الاتجاه الحالي هو الاستغناء عن القضاء الاستثنائي واللجوء إلى قضاء عادل، ويفرض غرامات كبيرة على ربّ العمل في حال خالف بنود العمل.
يعالج مسألة الاستقالة التعسفية والتسريح، وسيعمل على إحداث اللجنة الوطنية للحدِّ الأدنى للأجور، ولجنة سلامة المهنية.
المفاهيم المبهمة
ويلفت مدير العمل في الوزارة إلى إنَّ القانون يوضح كثيراً من المفاهيم المبهمة، ويوصي بإحداث مكاتب خاصة لتوريد العمال وتشغيلهم، فتصبح العلاقة مع مكتب التشغيل وليس مع صاحب العمل.
فمشروع قانون العمل الجديد ينظر إلى استقدام العمالة إلى سورية عن طريق مكاتب غير مرخصة، ضبط سوق العمل والعاملين، وهو يوثق عقد العمل لدى وزارة الشؤون الاجتماعية.
ويلحظ عملية تدريب العمال وتأهيلهم، بما يسهم في عملية النهوض بواقع العمال، ويلزم أصحاب العمال بالتعامل مع مؤسسة التأمينات الاجتماعية، ويقيِّد أصحاب العمل أثناء تسريح العامل وإعطائه تعويضاً عن كلِّ سنة ثلاثة أشهر.
القانون يتجاهل حقَّ العمال..
إذاً، تؤمن وزارة الشؤون بأنّ ما قدَّمته في مسودة القانون لم يقدِّمه أحد غيرها، ولم تأتِ به القوانين النافذة، الأمر الذي يفرض على كافة الأطراف وجوب إعلان موافقتها على بنود الاتفاق، الذي تعيقه تحفظات اتحاد العمال وغرف الصناعة أو ما يسمَّى ” أرباب العمل“.
وزارة الشؤون الاجتماعية تعدُّ أنَّ القانون يقدِّم مزايا للعمال ويدرس وضعهم قانونياً، ويحلّ معظم مايعانيه العمال في القطاع الخاص، ويلحظ ما لم يلحظه القانون النافذ، والذي أغفل الكثير من القضايا، فتتساءل: لماذا هذه العرقلة من اتحاد العمال.
تحفظ على بعض النقاط
يجيب عن هذا التساؤل مدير قوى العمل في اتحاد العمال أحمد الحسن، فيقول:
لم نتَّفق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على مسودة القانون الجديد، ولم يصدر القانون إلا بعد موافقتنا، وهذا توجيه من السيد الرئيس.
اتحاد العمال أجرى تعديلاته على بنود القانون وتحفَّظ على بعض النقاط، وهذا من حقِّه، وجرت الكثير من الحوارات مع الوزارة ولم نتوصَّل بعد إلى صيغة نهائية“
لأنَّ القانون ينصُّ على إلغاء المرسوم 49 وتعديلاته، الأمر الذي يعني السماح بالتسريح التعسفي، عندما تحال لجنة قضايا التسريح، ويبدأ عمل القضاء العادل، فهذا يعني انتقاصاً لكرامة العامل.
كما أننا نتحفَّظ على تأسيس مكاتب التشغيل الخاصة، لأنَّ سورية مجتمع فتي، وكل يوم يزداد الوافدون إلى سوق العمل، إذا استوردنا عمالا ماذا نكون فعلنا بالنسبة إلى العامل، فالقول بعدم وجود عمالة تخصصية اعتداء على مهنية عمَّالنا“.
لايوجد داعٍ للقانون
اتحاد العمال يعدُّ مبدأ وزارة العمل “العقد شريعة المتعاقدين” مبدأ يعني أنه لايوجد داعٍ للقانون أصلاً، فما ينصُّ عليه العقد المتفق عليه بين ربِّ العمل والعامل، هو الأساس وليس القانون، فهو مجرد عقد إذعان، ومجحف بحقّ العمال.
نتحفَّظ على ثلاث نقاط: إلغاء العمل بالمرسوم 49 وتعديلاته، وتأسيس مكاتب تشغيل خاصة، ولجان خاصة بالتسريح.
ويضيف الحسن: “يجب أن يكون القرار عن طريق لجان النظر في قضايا التسريح، وليس عن طريق محكمة الصلح، كما هو القانون المقترح، أرباب العمل يعترضون على الغرامات وعلى أنها كبيرة ونحن نصرُّ عليها، نحن مختلفون مع أرباب العمل ووزارة العمل.
فعندما لايرغب أرباب العمل في توثيق العقد لدى وزارة العمل، ويعترضون على الغرامات المالية التي ستفرض، والتي تتراوح بين 100ألف ل.س ومافوق، يكون الخلاف مستمراً.
وتأتي تحفُّظات أرباب العمل مكمّلة لصورة الخلاف الحاصل، فممثلو غرفة صناعة دمشق يرون في الغرامات وتوثيق العقد عدم إنصاف لهم، الأمر الذي جعل الموقف صعباً على كافة الأطراف.
العقد شريعة المتعاقدين..
الآن الوزارة تضع ضوابط، ولا تقول إنَّ التسريح مزاجي, أي يحقُّ لأي كان أن يسرّح, لكن يجب أن يخضع للالتزامات تجاه هذا العامل.‏
العقد شريعة المتعاقدين, وربما يكون العامل في هذا الإطار هو الطرف الأضعف, كون ربّ العمل يبحث عن المؤهل والخبرة واللغة التي تحتاج إلى سنوات والعامل لا يمتلكها, كيف نستطيع تأهيل هذا العامل؟
تعول الوزارة على دور الدولة، بأن تساعد هذا العامل الفقير لتمكِّنه من إيجاد فرصة عمل، ويكون صاحب السلطة على رب العمل بدلاً من أن يكون العكس, ومن المعروف أنه مَن يمتلك المؤهلات هو الذي يفرض شروطه, لذلك دور الدولة ليس إحضار المزيد من المعامل لنضع فيها هؤلاء الناس غير المؤهلين وتكون إنتاجيتهم ضعيفة ولا يستطيع إعطاءهم دخلاً كافياً, والسؤال هل دور الدولة هنا تأهيل وتدريب الخبرات من أجل أن يكونوا مرغوبين في سوق العمل ويفرضوا شروطهم على صاحب العمل, وبرنامج التدريب من أجل التأهيل المضمون خير مثال.
في قوانين العمل توجد فترة اختبار للعامل وعلى أساسها يمنع التعاقد معه بشكل دائم, ما المعايير التي توضع لمعرفة كفاءة هذا العامل؟
يوجد فصل خاص للتعامل مع العامل غير السوري، وأصدرت الوزارة القرار 2040 لحالات الاستخدام لغير السوريين, وإذا كانت هناك اتفاقية مع دولة أخرى للتعامل بالمثل, فهذا يعني شريطة أن نطبِّق الحماية على العمالة الوطنية فهي الأهم، ثم يأتي باقي العمال من العرب والأجانب.‏
يرى أرباب العمل ممثلي غرفة صناعة دمشق، أن الغرامات المفروضة عليهم اكبر من أن يتحملوها ، وأن توثيق العقد لدى الوزارة يخالف المبدأ المتفق عليه.
أكَّد مروان حبال ” صناعي ” أنَّ قانون العمل الجديد يجب أن يتناسب مع القوانين الدولية بهدف العدالة بين الأطراف المعنية، من أرباب عمل وعمال، وفي نفس الوقت يجب أن يلحظ واقع المجتمع السوري الذي يعتمد في حلِّ الكثير من مشكلاته على التفاهم الودي.‏
وقد طالبنا أثناء مناقشة مواد القانون بالاستعانة بوجهات نظر علمية، أي نحن الأطراف الثلاثة نضع الأفكار والأسس ونطلب من جهة محايدة مشرعة وضع النص القانوني الذي يلائم خصوصيات مجتمعنا ويتناسب مع التوجه الدولي الجديد.. ولكن هذا لم يحدث ما أدَّى إلى وجود تناقض في بعض مواد القانون.‏
ما الحل؟
اليوم بعد أخذ وردّ..وبعد إحالة القانون إلى رئاسة مجلس الوزراء وبعد طلب الأخير الحوار بين الأطراف المتنازعة، ودون أن يتوصل هؤلاء بدورهم إلى صيغة تنصف الجميع.. لايزال الآلاف من العمال السوريين بانتظار من يوصلهم إلى حل يستطيعون من خلاله تلبية احتياجاتهم الأساسية، فما الحلّ؟

المصدر: صحيفة بلدنا 28/01/2009

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *