نحو ثقافة قانونية: بعض من كوارث قانون الأحوال الشخصية الجديد

هنادي زحلوط

في كل مرة أعيد فيها قراءة قانون الأحوال الشخصية أكتشف مجموعة من التناقضات الصارخة التي لم أكن أتوقع وجودها مجتمعة في قانون واحد, فكيف إن كان هذا القانون قد استهلك سنتين من وقت اللجنة الموكلة بإنجازه قبل أن تخرج علينا بهذه المفاجأة!

ليس أغرب تلك التناقضات اعتبار القانون في المادة 97 منه أن:
5-
لكل من الزوجين ذمة مالية مستقلة، ويجوز لهما استثمار أموالها أثناء قيام الزوجية بموجب عقد شراكة بينهما يخضع للقواعد العامة، يوثق في عقد مستقل عن عقد الزواج.
فيما ينكر القانون في المادة 13 منه على سبيل المثال طائفة الزوجة محيلا إياها إلى المحكمة الروحية للزوج, كما وأنه في الفصل الثالث “الولاية في الزواج” لا تعتبر المرأة ولي أمر نفسها بأي حال من الأحوال, فوليها أبوها أو جدها أو أخوها, أو حتى ابنها, كما يجوز للولي فسخ عقد الزواج إذا ارتأى عدم كفاءة الزوج في المادة 53 من مشروع القانون, عدا عن أن الزوجة لا تستطيع إكمال تعليمها الجامعي في المادة 140 إذا وجد الزوج, بإرادته المنفردة, أن ذلك يتعارض مع “واجباتها الأسرية“, وأنها تفقد حقها في النفقة حسب المادة 143 إذا عملت خارج البيت دون إذن زوجها صراحة أو ضمنا!
فكيف يشدد القانون على أن المرأة حرة التصرف بأموالها فيما لا تملك شيئا من تقرير حياتها أو تعليمها أو عملها مع كل ما يرافق ذلك من امتهان لإنسانيتها؟

وإذا كان مشروع القانون قد أورد في المادة 97 ذاتها ضمن الحقوق المشتركة والمتبادلة للزوجين:
4-
العناية بالأولاد وإحسان تربيتهم وتوجيههم نحو الفضيلة والأخلاق القويمة كل بما هو مكلف به شرعاً من حضانة وولاية.
فكيف يتفق ذلك مع دفع مال مقابل إرضاع الأم لطفلها وتفصيل ذلك في الباب الرابع “المواد من 329 إلى 336″؟ وهل تنتفي الأمومة عن الأم بعد انتهاء العدة أو في عدة الوفاة مثلا كي “تستحق” أجرة لإرضاعها طفلها؟ وأية أمومة يصوّرها هذا القانون؟

أما المادة 272 والتي تفصّل حقوق الطفل فتورد أن للطفل الحق في حماية الحياة و تثبيت الهوية والنسب والحضانة والنفقة والإرضاع والتوجيه الديني السليم واجتناب العنف والتعليم, فكيف يسمح القانون ذاته, وفي المادة 45 منه, بحق الولي في تزويج ابنته أو ابنه الطفل, غير الراشد؟ ألا يعد ذلك اعتداء على حقه في التعليم والرعاية الصحية والحماية من العنف, وقبل كل ذلك, على حقه في تقرير مصيره كإنسان؟
وكيف يرى القانون أن الطفل “قاصر” قبل بلوغه سن الثامنة عشرة, ويسمح للقاصر بإبرام أهم عقد شراكة في حياته, والإقدام على الخطوة الأكثر أهمية وهو لا يعي خطورتها مطلقا سواء بإرادته أم مرغما بأمر وليه؟

يبدو واضحا أن الرؤية التي كانت وراء صياغة هذا القانون كانت ناقصة, ولم تستطع أن تلحظ إنسانية الطفل وحقوقه وان تدرك حقوق الزوجة كما يجب أن تكون ولا أن تعطي كل ذي حق حقه كما يجدر بالقوانين…
بانتظار إلغاء مشروع القانون, ولاشيء أقل من ذلك سيسهم في درء كوارثه أو التخفيف منها.

المصدر: نساء سوريا

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *