نحو ثقافة قانونية: الدستور (2)

إعداد: حسين غرير

أساليب نشأة الدستور وتطوره التاريخي

هناك عدة آراء لتتبع تاريخ تطور الدستور وأساليب نشأته، لكن يمكننا للتبسيط تمييز أسلوبين رئيسيين.

1-        الأسلوب الملكي: يمكن اعتبار وثيقة ماغنا كارتا التي صدرت عام 1215 والتي وقعها ملك بريطانيا أول دستور عرفه تاريخ البشرية حتى وإن لم يرقى إلى مفهوم الدستور في عصرنا هذا [1]. إن هذا الاعتبار أتى من الحدود التي وضعتها الوثيقة على صلاحيات الدولة بهدف حماية أصحاب الأراضي والاقطاعيات، كما أنها حوت على بعض حقوق المواطنين مثل حق الحصول على محاكمة عادلة وحماية من السجن الغير مشروع. ثم جاء إعلان الحقوق في المملكة المتحدة عام 1688 ليكون الملهم الحقيقي لواضعي الدساتير في أماكن أخرى من العالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. يدعى هذا الأسلوب في وضع الدساتير بالأسلوب الملكي التعاقدي، وهناك تقسيم آخر للأسلوب الملكي وهو أسلوب المنحة مثل الدستور الذي منحه لويس الثامن عشر عام 1814 للفرنسيين والدستور الياباني عام 1889 [2].

2-        الأسلوب الديمقراطي: مع تطور الفكر الديمقراطي واستقرار مفهوم سلطة الشعب في أدبيات الفلاسفة كان لا بد من طريقة تضمن حكم الشعب لنفسه. فكانت الأساليب الديمقراطية لوضع الدساتير في محاولة لتمكين الشعب لممارسة سلطته الحقيقية. ويمكننا تمييز أسلوبين في وضع الدستور [3]، الأول عن طريق جمعية تأسيسية والثاني عن طريق الاستفتاء التأسيسي المباشر.

الأساليب الديمقراطية في وضع الدستور

أولاً: أسلوب الجمعية التأسيسية

يلخص هذا الأسلوب فكرة الديمقراطية التمثيلية أو البرلمانية، حيث ينتخب الشعب جمعية تأسيسية مهمتها وضع الدستور ويصبح رسمياً ونافذاً بمجرد إصداره ولا يحتاج إلى أي خطوات إضافية. أول دستور ديمقراطي في العالم وضع باعتماد هذا الأسلوب، وهو الدستور الفيدرالي للولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787، ثم تلاه دستور جمهورة فرنسا الأولى عام 1791.

لكن هناك بعض السيئات لهذا الأسلوب وهي أن الشعب لا يملك السلطة بشكل مباشر، بل بالنيابة، أي أنه لا يوجد ضمانة أن تعكس الجمعية التأسيسية طموحات الشعب ورغباته في النص الدستوري. كما أنه وفي بعض الحالات كما في دساتير فرنسا لعام 1791 وعام 1848، وعلى خلاف الجميعة التاسيسية التي وضعت دستور الولايات المتحدة، فإن الجمعية التأسيسية لم يقتصر دورها على وضع الدستور، بل تعداها إلى ما بعد ذلك حيث تباشر اختصاص السلطة التشريعية والسطلة التنفيذية أيضاً في بعض الأحيان. وهذا النوع من الجميعات التأسيسية أدى إلى حكم ديكتاتوري الذي عرف في فرنسا إبان ثورة 1789.

ثانياً: أسلوب الاستفتاء التأسيسي

تتألف عملية وضع الدستور بهذا الأسلوب من مرحلتين، الأولى وضع الدستور من قبل الحاكم أو السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية القائمة أو بواسطة جميعة تأسيسية منتخبة من قبل الشعب. وبالتالي هناك كما في الأسلوب الأول من ينوب عن الشعب في وضع الدستور، إلا أنه لا يصبح نافذاً إلى بعد مروره بالمرحة الثانية وهي الاستفتاء الشعبي المباشر، اي يجب أن يوافق الشعب بنفسه على مسودة الدستور التي تم وضعها من قبل الجهات المختصة. ومن الدساتير التي وضعت بهذا الأسلوب دستور إسبانيا لعام 1920 ودستور النمسا 1920 ودستور روسيا الاتحادية 1993 ودستور الجمهورية الفرنسية الرابعة 1946 والجمهورية الخامسة 1958.

من الواضح أن هذا الأسلوب يعني ديمقراطية أكثر من خلال تمكن الشعب بشكل مباشر من حكم نفسه بنفسه، وخاصة عندما تمر المرحلة الأولى عبر جميعة تأسيسية منتخبة هي الأخرى.

الدستور والديمقراطية

لقد سمي أسلوب الجمعية التأسيسية والاستفتاء التأسيسي في وضع الدساتير بالأسلوب الديمقراطي، لأنه يفترض به أن يحقق مبدأ سلطة الشعب من خلال ممارسته حكمه لنفسه بشكل مباشرة أو بالنيابة. لكن في الحقيقة ومن خلال تجارب الكثير من الشعوب، فإن هذه الممارسة تبقى في الحدود النظرية فقط ، وبالتالي لا يشكل الدستور ضمانة كاملة لتحقيق مبدأ سيادة الشعب أو الأمة، لأنه وبالأساس هناك شكوك حول حرية واستقلالية قرار التصويت على الدستور أو الجمعية التأسيسية. وهذا ما نشاهد عادة في دول العالم الثالث التي غالباً ما يوضع دستورها عن طريق الاستفتاء المباشر، السلاح ذو الحدين، حيث غياب الوعي السياسي وانتشار الجهل والأمية وعدم تعمق الممارسات الديمقراطية في الحاية اليومية للناس وحيث الفقر وغياب حرية الرأي وحرية الصحافة والإعلام، فيكون هنا استخدام الأسلوب الديمقراطي في وضع الدستور هو “السبيل إلى مزيد من الحكم المطلق أو إلى مزيد من انتقاص الحريات العامة باسم الديمقراطية والإرادة الشعبية المزعومة”[3].

ولهذا فإن الفقه الدستوري في غالبيته متفق عى أن الاستفتاء حتى يكون بحق الأسلوب الديمقراطي الأمثل لوضع الدساتير فإنه من الضروري أن تتوافر له المقومات أو الضمانات التي تحقق له هذه الأفضلية على غيره من الأساليب المتبعة في وضع وإنشاء الدساتير، وهذه المقومات أو تلك الضمانات تتمثل في الآتي [3]:

–         أن يجري الاستفتاء في مجتمع سياسي يكون فيه الأفراد على درجة مناسبة من الوعي والنضج السياسي تسمح لهم بتفهم شؤونهم العامة والاشتراك الجدي في مباشرة السلطة التأسيسية، والمساهمة الفعالة والإيجابية في وضع قواعد نظام الحكم في الدولة. فليس من المقبول استفتاء شعب أمي لا يعرف حتى القراءة والكتابة وهي مفاتيح العلم المعتادة بين الناس، إذ إن الاستفتاء هو طلب الفتوى ولا يتصور أن تطلب الفتوى من جاهل لا علم له.

–         يجب أن يكون الاستفتاء مسبوقاً بمناقشات كافية لكل وجهات النظر من مختلف فئات الشعب وقطاعاته، وهذا يستلزم بطبيعة الحال أن لا يطلب من الشعب المشاركة في عملية الاستفتاء إلا بعد انقضاء فترة كافية على إعلان مشروع الدستور المقترح على الرأي العام بواسطة أجهزة الإعلام المختلفة، حتى تتاح الفرصة الكافية أما المواطنين للإطلاع على مشروع الدستور المقترح للوقوف على ما ينطوي عليه من مزايا وعيوب.

–         يجب أن يجرى الاستفتاء في جو من الديمقراطية السليمة، بحيث يتمتع فيه المواطنون بالقدر الكافي من الحريات العامة وخاصة حرية الرأي والتعبير والصحافة وحرية الاجتماع. وهذا يستلزم بطبيعة الحال إتاحة الفرصة أمام الجميع أفراداً وأحزاباً من الموالاة والمعارضة للتعبير عن آرائهم بحرية تامة، بعيداً عن أجواء الخوف والقمع.

–         وأخيراً، يجب لضمان نزاهة عملية الاستفتاء ذاتها، من حيث استعمال وسائل الدعاية والإعلام، وحرية وسرية التصويت، وأمانة فرز وحساب الأصوات، أن يجري الاستفتاء تحت إشراف ورقابة الهيئات القضائية في البلاد، أو على الأقل تحت إشراف جهات أو هيئات أخرى محلية أو غير محلية، تكون مستقلة ومحايدة.”

دستور الجمهورية العربية السورية

اتبع دستور الجمهورية العربية السورية أسلوب الاستفتاء التأسيسي حيث طلب الرئيس الراحل حافظ الأسد تشكيل لجنة برلمانية لوضع مشروع الدستور، وبعد مناقشات في البرلمان عرض المشروع على الاستفتاء العام بتاريخ 12 آذار عام 1973 وحصل على موافقة أكثر من 90% من أفراد الشعب ثم أصبح نافذاً بتاريخ 13 آذار 1973.

[1]. جريدة الجريدة

[2].موقع الإسلام

[3]. موقع المعرفة

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *