نحو الخروج من دائرة العلمنة واللبرلة

مازال الغموض يلف اثنين من أهم المفاهيم التي تحيط بنا في المجال الفكري والسياسي وعلى مستوى الممارسة. العلمانية والليبرالية. ولا أعتقد أن يوماً سيأتي ونشهد فيه حلاً لتلك القضية، أي الاتفاق على مدلولات هذين المفهومين من قبل المؤيدين والمعارضين لهما. والأشد سوءً من ذلك هو مطابقة الديمقراطية عند البعض مع هذين المفهومين. لا شك أن الديمقراطية تتلاقى مع العلمانية والليبرالية في عدة مستويات عند فحص هذه المفاهيم بدقة، ولكن تنفصل في نفس الوقت عنهما في مستويات أخرى.

هذا الغموض انعكس على طبيعة الصراع الذي تخوضه كافة القوى في مجتمعاتنا العربية، فبدل أن يتم توجيه القدرات والإمكانات الفكرية في سبيل حل الأزمات الكبرى والتخلص من الآفات التي نعاني منها من جهل وتخلف عن العودة مرة أخرى إلى السياق التاريخي الإنساني كأحد الأطراف المنتجة لمكونات الحضارة الإنسانية، وليس كمستهلكين فقط لنتاجها المادي. بدل ذلك كله، كرسنا أنفسنا للدفاع عن هذه المفاهيم أو الهجوم عليها أو الهجوم على الآخرين من خلالها وبسببها.

بعد فشل القوى العلمانوية، في منتصف القرن الماضي، في حل القضايا العربية وفي مقدمتها قضية التحرر والتنمية برزت أصوات القوى الإسلاموية، في العقدين الماضيين، تنادي بـ “الإسلام هو الحل” وبعد فشل هذه الأخيرة في صياغة مشروع قابل للحياة على أرض الواقع عاد مرة أخرى العلمانويون للظهور إلى السطح مدعومين من قبل قوى ليبرالوية بعد انتهاء الحرب الباردة وانحسار نفوذ الماركسيين. لكن بدا هذا الظهور ضعيفاً عن سابقه بسبب فشل المحاولات الأولى من جهة ونمو القوى الإسلاموية من جهة أخرى، ورافقه تغني تلك القوى بنفس أسطوانة الحل الإسلامي ولكن بصوت آخر: “العلمانية هي الحل” أو ” الليبرالية هي الحل”.

لكن، ألم يحن الوقت للخروج من دائرة الدفاع والهجوم والاختلاف حول هذه المفاهيم؟

تم تحويل العلمانية من إطار عام يحدد العلاقة بين الدين والدولة، وبالتالي نظرة القانون تجاه المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية، إلى دين بحد ذاته، أي أدلجة العلمانية وتحويلها إلى مفهوم جامد قادر بل يقوم بالفعل بالمزاحمة على طرح إجابات على الأسئلة الكونية الكبرى. تمت عملية التحويل تلك على أيدي العلمانويون والإسلامويون بشكل تبادلي، حيث قام هؤلاء بجعل العلمانية نفياً للدين، أي حولوها إلى دين له عصبياته الخاصة وربما طوائفه أيضاً. وبدأ العلمانويون يحاربون الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص في العلن في بعض الأحيان وفي الخفاء في أحيان كثيرة، وهاجم الإسلامويون بدورهم العلمانية نتيجة هذا الفهم ذاته وكونها مفهوم جاء من الغرب الكافر الذي يريد القضاء على الإسلام من خلال الغزو الثقافي والفكري الذي يمارسه لاستعمار العقول تمهيداً لإعادة استعمار البلاد.

ومن جهة أخرى، نجد بعض العلمانيين انزلقوا إلى تلك المعركة محاولين الدفاع عن العلمانية. إلا أنهم وفي رأيي أخطؤوا في الاتجاه، فقاموا بمحاولة تقديم الوجه الحسن للعلمانية وكأنها مفهوم جامد مرة أخرى لا يتحرك مع حركة المكان والزمان مبتعدين بذلك عن أي محاولة لنقده ووضعه في تصرف أدوات الدراسة والتحليل. ولم ينجو البعض القليل من الإسلاميين الذين آمنوا بالعلمانية كممارسة فصل الدين عن الدولة دون التخلي عن إسلامهم، لم ينجوا من هذا المنزلق فألبسوا العلمانية رداءً إسلامياً في محاولة لحل التناقض الذي صنعه المؤدلجون من كلا الطرفين من ناحية، ومن ناحية أخرى في محاولة لتسويق هذا المفهوم في الأوساط الإسلامية ولجعله مقبولاً لدى أوسع شريحة اجتماعية. وكان استنادهم الأساسي على حديث الرسول: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. من المنطقي إذاً أن تكون النتيجة هي فشل كل تلك المحاولات، لسببين: الأول كما ذكرنا ابتعادهم عن تحليل هذا المفهوم ونقده من خلال إيمانهم بصلاحيته لحل جميع الإشكالات المزمنة لمجتمعات العالم العربي، والثاني هو الضجيج الإعلامي الذي يخلقه كلاً من العلمانويون والإسلاميون الذي يطغى على كل حديث هادئ.

وبدورها تعرضت الليبرالية لنفس عمليات الأدلجة التي قام بها كلاً من الليبرالويون والإسلامويون مرة أخرى. ولكن بدرجة أقل، لأن الليبرالية واضحة المعالم بشكل أكبر، بما هي فلسفة للحرية. وأدى عدم فهم حركة الفلسفة الليبرالية عبر التاريخ والدول إلى مصادرتها من قبل البعض ومناداتهم بالحل الليبرالي. قدس هؤلاء الحرية الفردية بغض النظر عن أي اعتبار آخر واعتبروا أن المدخل لنيل هذه الحرية هو أولية الإصلاحات الاقتصادية وفتح الأسواق وتشجيع الاستثمارات، لتحقيق الرفاه المادي لمختلف شرائح المجتمع، وبعد ذلك تصبح الديمقراطية والحريات العامة والدينية والفردية تحصيل حاصل. ومما عزز موقف هؤلاء، بل وجهه أيضاً، هو دعم القوى الرأسمالية المستحدثة التي رأت في هذا التوجه تحقيقاً لمصالحها العليا المتمثلة في مراكمة رأس المال. ولتحقيق ذلك، أصبح من الضروري تعزيز التوجه الشعبي نحو تعظيم الاستهلاك المادي بما يعوض الجماهير عن عقدة النقص الحضاري تجاه الغرب من خلال تقليده في الملبس والمأكل وحتى في استخدام الكثير من مفرداته اللغوية ظناً منها أنها دليل الثقافة والحرية والتحرر. وإذا علمنا أن أصحاب رؤوس الأموال والمسيطرين فعلياً على مفاصل الحركة الاقتصادية في العالم العربي هم في الواقع من مفرزات النظام الحاكم أو حتى من مكوناته الأساسية، وأن استمرار الطبقةالدولة لا تكون إلا بتهميش دور المجتمع والإبقاء عليه متخلفاً غير واعٍ لمصالحه والحفاظ على السلطة القمعية في مواجهة مصالح الأغلبية الشعبية، لتيقنا أن الهدف الخفي، الواضح، هو زيادة إفقار جميع شرائح المجتمع من خلال هضم فائض قيمة العمل الحقيقة، وتعميم ثقافة الاستهلاك التي لن تنتج إلا أفراداً متناحرين يسرق كلاً منهم الآخر للحصول على آخر ما توصلت إليه منتجات الماركات العالمية حتى على مستوى الدجاج. وبما أن الهدف الأسمى للقوى الرأسمالية المستحدثة هو تحقيق الربح بأسرع وقت وأسهل الطرق، بالإضافة إلى فشلها في تطوير وسائل الإنتاج، نجد أن الاقتصاد الذي أنتجته هو اقتصاد ريعي لا يعتمد على إنتاج حاجات المجتمع بل على استيراد وإنتاج الكماليات مما يؤدي إلى امتصاص الموارد الطبيعية الوطنية لتأمين القطع الأجنبي اللازم لذلك، وهذا الاستنزاف للموارد يزيد بدوره مرة أخرى من فقر الدولة وتحميل أعباء إضافية على المواطنين لرفد خزينة الدولة بالموارد المالية اللازمة لإنجاز بعض الخدمات العامة التي لابد منها لتحقيق الحد الأدنى من البنية التحتية لهذا الاقتصاد الريعي. وبما أن قدرة المواطن محدودة ولا يمكن فرض أعباء إضافية عليه إلى ما لانهاية، فلا سبيل آخر سوى زيادة الدين العام، لننتهي إلى زيادة التدهور الاقتصادي وتعميق الهوة بين طبقة أقلية مسيطرة في المجتمع وبين باقي طبقات المجتمع، في الحقيقة لن يبقى في الطرف الآخر سوى الطبقة الفقيرة المسحوقة والمذلولة في سبيل تأمين لقمة العيش. وبالتالي نجد أنفسنا أمام رأسمالية محلية تابعة في مقابل رأسمالية غربية مسيطرة حتى على القرار السياسي بسبب ضعف القدرة الوطنية على مواجهة التحديات اعتماداً على جماهير مغلوب على أمرها، ولعدم توفر إرادة التصدي للهيمنة الغربية بالإضافة إلى الازدياد المضطرد للدَّين العام.

ما هي النتيجة إذاً؟ سقطنا مرة أخرى في فخ الشعارات الفارغة ووقعنا مرة أخرى فريسة تسلط واستبداد أقلية طبقية مع تغير في الوجوه والأساليب مثل استبدال العصا بالصاعق الكهربائي في السجون.

قاوم الإسلاموين ومازالوا، الفكر الليبرالي كما يطرحه الليبرالويون، وكما فهموه هم أنفسهم كمعطى جاهز قادم من الغرب للاستهلاك العربي. لم يجدوا في الليبرالية سوى الإباحية والتحلل الأخلاقي، لم يجدوا فيها سوى المايوه والكليبات الهابطة كنتيجة حتمية للغزو الثقافي الغربي. من الخطأ القول هنا أن فهم الليبرالويون لهذه الفلسفة وممارساتهم على أرض الواقع قد انعكس على شكل رد فعل سلبي تجاهها من قبل الإسلامويون. بل أخذ كل منهما موقعه على حلبة الصراع من خلال تشويه الليبرالية وتفصيلها على مقاساتهم لتحقيق مصالحهم الذاتية في النفوذ والسلطة.

في ظل تدهور أوضاع المواطن العربي المادية والروحية بعد فشل جميع القوى القوموية والعلمانوية والليبرالوية والإسلاموية في الخروج من مآزق المجتمعات نحو الحضارة الإنسانية، وتحت تأثير الضغط الغربي نحو تحقيق الديمقراطية في الوطن العربي واحترام حقوق الإنسان وترسيخ قيمة الحرية، اتجهت معظم إن لم نقل جميع القوى السياسية والنخب الثقافية العربية لإدراج الديمقراطية في خطابها وبرنامجها السياسي كهدف أسمى يجب النضال من أجله في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى كوسيلة تدعم النضال من أجل تحرر الوطن والمواطن والفكر. “لكن المهم في الموضوع هو إدراك أن الديمقراطية، وإن كانت جزءاً من مشروع اجتماعي، لا تشكل بذاتها هذا المشروع، ولا يمكن أن تكون بديلاً عنه، وهو ما بدأنا نخشاه اليوم نتيجة لتبني شعارها من قبل أحزاب أو قوى سياسية فرغت جعبتها السياسية والاجتماعية والأيديولوجية من أي مشروع مقنع فجعلت من الديمقراطية خشبة خلاص لها وللمتجمع بشكل عام”.(1)

وما نخشى منه أيضاً هو ظهور ما يمكن تسميتهم يوماً ما بالديمقراطويون، ونقع في نفس الخطأ للمرة الرابعة من خلال الإيمان بمقولة “الديمقراطية هي الحل”. فيجب أن ندرك “أن الديمقراطية هي نظام حكم، أي هي نظام ومؤسسة. وأنها تطمح كنظام أن تكون وسيلة لحل مسألة السلطة في المجتمع، بقدر ما ترتبط هذه السلطة بحياة هذا المجتمع في كل أوجهها. ولا يعني تقديم حل للسلطة تقديم حلول تلقائية للاستقلال الوطني وللتنمية وللعدالة الاجتماعية وللتوزيع. كما أن الديمقراطية ليست نظاماً معطى نستورده ونلبسه للدولة التي بنيناها على طريقتنا وللمجتمع الذي حطمنا هياكله كما شئنا فنحصل على نظام ديمقراطي. إن الديمقراطية معركة اجتماعية وسياسية من أجل إيجاد تعديلات بنيوية في طبيعة الدولة والمجتمع معاً”.(2)

لا يمكننا إذن من الناحية العملية الشروع في بناء ديمقراطية حقيقة ما لم نباشر فوراً، وفي نفس الوقت، بتأسيس حاضنة اجتماعية لها، قادرة على رعايتها وحمايتها من الانحراف عن غاياتها. تلك الحاضنة ليست سوى منظومة قيمية اجتماعية جديدة تنطلق من المواطن الفرد بوصفه إنساناً وكائناً اجتماعياً ضمن نظام علاقاتي من الحقوق والواجبات. إذن، نحن نتحدث هنا عن ثورة اجتماعية شاملة تمس مجموعة القيم والعادات والمفاهيم والأفكار والممارسات العملية، وتتناولها بأسلوب نقدي جدي يهدف إلى تنقيتها وتنقيحها بل واستبدالها في كثير من الأحيان. ولا يمكن لهذه المنظومة القيمية الجديدة أن تنجح في دعم الحلول للقضايا الكبرى إلا إذا تحققت ثلاثة شروط:

أولاً: يجب أن نبرهن بأن أصل المشكلة لا يكمن في أشخاص بعينهم ولا في سلوكيات إشكالية هنا وهناك، ولا حتى في سياسات حكومية خاطئة، بل يكمن في ما وراء ذلك، وهو النظام السياسي والفكري والاجتماعي القائم برمته. أي يجب أن نبرهن على الحاجة إلى التغيير الجذري في مختلف المجالات وعلى التوازي. هذه المهمة، ليست في الحقيقة، تحصيل حاصل أو نتيجة بديهية للشعور بوجود المشكلة أو لمعاينة المشاكل التي يعاني منها المجتمع من تدني في مستوى معيشة الفرد، والانحطاط الأخلاقي للإنسان العربي، وتدهور نظم التعليم، والتبعية الاقتصادية والسياسية المباشرة والغير مباشرة للدول الكبرى. فالجميع يعي كل ذلك ويلمسه بشكل يومي، ولكن كم من الناس يدركون الجذور؟ فلا تكفي معرفتنا بأن مشكلة عدم قدرتنا على الحركة هو ظلام الغرفة، بل يجب أن نعمق تلك المعرفة من خلال التحقق من سبب عدم وجود النور ومن ثم إيجاد الحل المناسب. في الواقع يحتاج مثل هذا البرهان إلى جهود جبارة لإقناع المجتمع بالحاجة إلى التغيير، لأن هذا التغيير لا يكون إلا بهم ولهم. وتكفي كل تلك السنين من الاستقالة الجماعية عن حمل المسؤولية والسير في الظل بانتظار القدر يرمي بنا حيث يشاء الآخرون.

ثانياً: يجب أن تكون قادرة على تعيين ذاتها على أرض الواقع، أي على الخروج من الدائرة النظرية إلى الممارسة العملية. وهذا لا يتحقق إلا إذا خرجت هي أساساً من صلب الواقع، أي من خلال دراسة وتحليل مختلف جوانب المشكلة وعرض كافة الأفكار والممارسات الحالية على أدوات النقد، لمعرفة ما نحن بحاجة إليه بشكل فعلي بما ينسجم مع الأساس الإنساني الذي نستند إليه.

ثالثاً: يجب أن تشكل القاعدة المشتركة والمعبرة عن مصالح مختلف الفئات الاجتماعية، والتي يمكن للجميع الالتفاف حولها وحمايتها، مثل مجموعة القيم المعبرة عن الحقوق الأساسية للإنسان كحق الحياة والعيش الكريم والتعلم والعمل دون أي اعتبارات لأي اختلاف من أي نوع كان. إذاً لا يجب أن تتجاهل تلك المنظومة الجديدة مصالح الغالبية المتدينة في المجتمع في الحفاظ على القيم الدينية، في نفس الوقت الذي يجب أن تعبر فيه أيضاً عن مصالح أولئك الغير متدينين.

ما زالت الأزمات تتلاحق وتزداد تعقيداً وتشابكاً في كل يوم نتأخر فيه عن التحرك والعمل لإيجاد الحلول للمسائل المصيرية المطروحة أمامنا اليوم. وفي المقابل هناك الكثير من الأمل لأن الشعوب تريد الحياة، وعندما تريدها فلا بد أن يستجيب القدر. وحتى نعبر عن تلك الإرادة يجب أولاً أن نسحب استقالتنا ونعود إلى العمل، ويجب أن يكون المثقفون أول من يبدأ تلك الحركة والنشاط والكف عن التكاسل والخوف حتى يستحقوا على الأقل الألقاب التي منحت لهم.

1) برهان غليون – بيان من أجل الديمقراطية – الطبعة الخامسة – ص 220

2) المرجع السابق – ص 221

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *