مهمتنا اليوم في الثورة السورية

لقد أحيت مأساة حلب روح القتال فينا مرة أخرى. لا أقول أن الجميع قد استسلم، بل مازال كثيرون يقاتلون كل ساعة من أجل الثورة السورية. لكن لا نستطيع أن نجادل بأن الجهد المذهل الذي رأيناه وعايشناه خلال الأيام القليلة الماضية كان مفقوداً منذ زمن طويل. لقد ابتعد كثيرون منا قسراً أو خطأً عن العمل الثوري الفاعل، واستمر عديدون أيضاً بأشكال مختلفة، أخطأ من أخطأ وأصاب من أصاب. أتحدث تحديداً عن الثوار الذين كان لعملهم الواعي تأثير حاسم في دفع الثورة إلى الأمام في شهورها الأولى.

مأساة حلب

المصدر: لا أعلم- حقوق النشر محفوظة للجميلين الذين يظهران فيها

كان هذا الفعل الواعي هو الخطر الأكبر الذي استشعره النظام منذ البداية فقام بتصفية أغلب هؤلاء قتلاً أو اعتقالاً ثم تهجيراً في مرحلة لاحقة. ثم استشعرت خطرهم العديد من التنظيمات المسلحة التي تحمل أجندات بعيدة عن مصالح الإنسان السوري، فتابعت مطاردتهم وقتلهم وخطفهم وتهجيرهم من المناطق التي سيطرت عليها. أولئك الثوار ليس بالضرورة هم الثوار السلميون الذين لم يحملوا السلاح، بل كل من كان فاعلاً بوعي مسبق لأهداف الثورة التي خرج الناس من أجلها، إن حمل السلاح لاحقاً أم لم يحمل.

هناك طاقة غضب وعمل هائلة يجب استثمارها ووضعها في إطار منظم ومستمر. المهمة الملحة اليوم على كل الثوار، أو من تبقى منهم، أن يبذلوا كل جهد في سبيل التنظيم الواعي لهذه الطاقة وفق مهام متخصصة من أجل تحقق الأهداف البعيدة، وكذلك الاستمرار في العمل، ليس فقط على شكل ردات فعل على المآسي. تقول الحكمة الصينية “كل أزمة تحمل فرصة”، ونحن أمام مآسٍ حبلى بفرص سوف يلعننا أبناؤنا إن لم نستثمرها في صالح الإنسان السوري.

إن كنا نريد أن نحلم ونضع الأهداف فلا نضع سقوفاً “واقعية”. لندع الحلم يأخذنا بعيداً، ولتكن أهدافنا لما بعد موتنا. وعندما نبدأ بالتنفيذ علينا رؤية الواقع جيداً بكل بشاعته. يسوق لنا أن السياسة هي فن الممكن، من أجل أن نستسلم لضعفنا الحالي. بينما السياسة هي فن خلق الممكنات وفن التمكين والتحول إلى القوة. سوف يعمل كثيرون لمنعنا من العمل وتحقيق أهدافنا، كما عملوا على ذلك منذ البداية. ليس النظام وحلفاؤه فقط، بل كثر ممن يدعون أنهم أصدقاء للثورة، بل وأولهم كثر ممن يدعون تمثيلهم للثورة لأن أجنحة طائر الفينيق سوف تحرق مصالحهم. فلنضع ذلك ضمن دائرة على رأس الصفحة التي نكتب عليها خطتنا.

يجب ألا تقودنا الأحلام لأوهام الإنجاز السريع، فهذا سوف يحطمنا سريعاً كما حدث عندما توهمنا سقوط النظام خلال بضعة أشهر. مستقبل سوريا أبعد من إسقاط النظام، ومهمتنا اليوم في تهيئة الأسس التي سوف تقوم عليها سوريا، وتمكين جيل أذكى منا وأكثر وعياً منا وأكثر قدرة على الفعل المنظم والمستمر، ليعبر على أجسادنا ويضع لبنات البناء. سوف نخطئ وقد يلعننا ذلك الجيل. لا يجب أن نطمح للمجد الشخصي فلن يحققه أحد منا، لنتركه للجيل القادم. كل ما يمكن أن نطمح له أن نبتسم عندما يلعننا الجيل القادم على أخطائنا ونقول: لقد مكنا جيلاً أكثر وعياً لا يقدسنا ولا يعبدنا.

علينا أن نعترف أننا خسرنا معركةً، لكن خصمنا لم ينتصر، ونحن لم نهزم وروح الثورة مازالت باقية بيننا. مهمتنا اليوم أن نعيد هذه الروح إلى جسدها: إلى الإنسان السوري.

منذ رمى الغرب جزرة توحد المعارضة أمام السياسيين، ومنذ أن نصبت الفصائل المسلحة نفسها سلطة الأمر الواقع في المناطق التي سيطرت عليها، ومنذ أن انتشرت منظمات المجتمع المدني، أصبح الإنسان السوري مجرد متلق لانعكاسات أفعال “القادة” السياسيين والعسكريين والمدنيين، شرها وخيرها. لم يفرز الحراك الثوري في حواضنه ممثلين عنه من تحت إلى فوق، بل فرض عليه الممثلين من فوق إلى تحت بقوة الاعتراف الدولي بالتمثيل السياسي وبقوة السلاح بالتمثيل العسكري وبقوة مال الممولين في تمثيل النشاط المدني. كان عنف النظام الوحشي السبب الرئيسي لهذا الفشل، وهذا ما سعى إليه دائماً، لكن هذا العنف كان أيضاً الشماعة التي علقت عليها وتعلق أخطاء وانحرافات الممثلين “الشرعيين”.

مهمتنا اليوم أن نعيد التمثيل الشرعي إلى أصحابه، أن نعيد السياسة إلى الإنسان السوري، فإن أول إنجازات الثورة كانت إعادة السياسة إلى الشارع السوري. يجب أن نعيد ذلك الإنجاز ممن سرقوه أو ضيعوه واضعين بعين الاعتبار أنه لا غنى عن السياسي والعسكري والمدني. لكننا يجب أن نقلب الطاولة على المقامرين. كفى قماراً بمصيرنا!

 

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *