من وحي حق المعرفة

  في مقال للدكتور محمد غسان طيارة “من وحي حجب المواقع الالكترونية…الفائدة والضرر“،  محاولة غير موفقة لتبرير نوايا القائمين على حجب المواقع الالكترونية في سوريا. فالمقال كان واضحاً في النقاط السبعة التي اقترحها في نهايته بأنه إلى حد ما ضد سياسة الاعتقالات وضد حجب المواقع وضد المحاكم الاستثنائية وقانون الطوارئ والأحكام العرفية. إلا أن العلة الأساسية للمقال تكمن في أن الاقتراحات المذكورة منفصلة عن سير المحاكمة المنطقية التي اتبعها منذ البداية، أي أن كاتبه كان مضمراً لتلك الاقتراحات بشكل مسبق وحاول إيجاد بعض التبريرات التي يمكنه من خلالها طرح تلك الاقتراحات دون المساس بصلب سياسة النظام الحاكم. أي أنه يحاول نقد بعض تصرفات النظام من خلال فكر النظام نفسه وهذا جيد شكلاً، لكن كان من الأجدى والأنفع للجميع، ومن بينهم النظام نفسه، أن يناقش فكر النظام من وجهة نظر مقبولة لدى الجميع والتي لا يستطيع أحد أن ينكرها وهي حق الإنسان في الحياة والعيش بكرامة وعدم تجاوز الحرية الشخصية إلا بأمر قضائي. كما أن المقال كان براغماتياً بكثافة، حيث أنه ناقش جدوى الوسائل ونجاعتها بالنسبة لسمعة النظام، وحسب ادعائه لمصلحة المواطن بسذاجته التي صوره بها، وليس بالنسبة لشرعيتها وأخلاقيتها.

فيما يلي أسير خطوة خطوة مع هذا المقال لنكتشف معاً أماكن الخلل، من وجهة نظري على الأقل.

  • لم أفهم ما الغاية من ذكر المقال لعدم تحديد القانون للأسس الناظمة للنشر الإلكتروني. فهل كان يقصد تبرير الحجب بعدم وجود قانون منظم؟ أم أنه كان يطالب بتعديل القانون ليشمل النشر الالكتروني؟ فإن كان قصده الأول، فهذا حجة على القائمين على الحجب وليس على أصحاب المواقع، فبحسب الدستور لا جريمة ولا عقاب من دون نص قانوني، وبالتالي هو تقصير من المشرع وليس من ناشري المقالات. ولا يجوز بأي شكل من الأشكال الحد من أي نوع من أنواع الحريات لأي شخص كان دون الاعتماد على نص قانوني فما بالكم بعدم وجود النص بالأساس. أما إن كان ما يقصده كاتب المقال هو المطالبة بتعديل القانون ليشمل النشر الالكتروني، فياحبذا لو أنه أوضح ذلك. وحتى لو كان هذا ما أراده من هذه الفقرة فكان من الأجدى أن يتطرق إلى قانون الإعلام الموجود حالياً والذي لا يحترم الدستور في أكثر من مادة وأخص بالذكر المادة الثامنة والثلاثون التي اعتمد المقال عليها، ولن أذهب بعيداً وسوف آخذ مثالاً طرحه الكاتب نفسه في عدم احترام القانون للدستور عندما حاول نشر مقال في نهاية عام 2000 باسم “خطاب القسم…والمثقفون” حيث كانت التعليمات قد صدرت (لا نعلم من أين) إلى إدراة التحرير بعدم نشر أي موضوع بهذا الخصوص.

  • ذكر كاتب المقال جهود الحكومة في حجب المواقع الإباحية، وهذا فعلاً ما لاحظنا تراجعه في الآونة الأخيرة. لكن أود هنا توجيه ملاحظة تقنية إلى وزارة الاتصالات وهي استحالة حجب المواقع الاباحية بسبب العدد الهائل لها ولتبديل عناوينها كما ذكر كاتب المقال، إلا أنه كان من الأجدى بدل تشتيت الجهود على محاولة حجبها أن ينظموا برامج توعية تقودها الحكومة وتصرف لها الموازنات المناسبة وموجهة إلى الأهل بشكل أساسي بهدف التقليل من الآثار السلبية إلى الحد الأدنى لتلك المواقع.

  • ذكر كاتب المقال أهم الفوائد التي تريدها الجهات الحكومية من حجب المواقع. ومن الواضح أنه يحاول إضفاء حسن النية على تلك التصرفات. واكتفى بأن يذكر أنه من المستحيل تحقيق هذا الهدف من خلال هذه الوسيلة. أي أنه معترض على الوسيلة فقط ليس لأنها وسيلة خاطئة بل لاستحالة استخدامها. وهنا سوف أناقش وباختصار الهدف أولاً من عدة زوايا ومن ثم أناقش الوسيلة. ما معنى الدعاية المغرضة والأفكار المسممة والأكاذيب المضللة؟ مناقشة هذه النقطة كانت هي السبب في قولي في بداية المقال بأنه كان على الكاتب أن يناقش فكر النظام وليس فقط التصرفات. إن الأنا الاستئثارية والاستبعادية هي فقط التي تظن أن كل قول مخالف لها هو محض أكاذيب وبأنه معاد لها. كما أعلن بوش قبل احتلال العراق بأن من ليس معنا فهو ضدنا. أليس هذا نفس المنطق؟ الاعتراف بالآخر وحقه بالاختلاف ضرورة وواجب وحق في آن معاً. ضرورة لأنه يساهم في إعادة إنتاج الفكر وتنقيحه من خلال النقد (وهنا أعلم تماماً أنهم سوف يردون بأنهم مع النقد البناء، لكن لا أعلم بالضبط ما معنى النقد البناء لديهم. فأي أفكار تنتقد فكر النظام إما أن تؤدي بصاحبها إلى السجن أو لا يسمح لها بالظهور أساساً. فيرجى منهم أن يعلمونا معنى النقد البناء، فأنا شخصياً أفهم النقد الهدام بأنه كل نقد يشخصن الموضوع ويتوه في دهاليز الذاتيه المحضة، وغير ذلك فإنه بناء بشكل أو بآخر). ومن الطبيعي أن إعادة الإنتاج تلك عملية اصطفائية بمعنى أن الأفكار الجيدة في سياقها التاريخي هي التي سوف تعيش بالضرورة وما تطور الحضارة الإنسانية إلا خير دليل على ذلك، بالرغم من الأفكار الهدامة كالفكر المتطرف يعيش لفترة ما، إلا أنه لا يدوم. ولا يمكننا أن نتجاهل الثورة الحضارية التي أنتجها الغرب خلال القرنين الماضيين، وذلك بسبب الاعتراف بالآخر والحرية والديمقراطية (أعلم أيضاً أن أحداً سوف يعترض ويقول أن الغرب لا يعترف بالآخر ويعامله بدونية. وبالتالي فإن الذي أنتجه إلى الآن لا يمكن وصفه بالتحضر. وأقول أنا: صحيح أن الغرب يتعامل مع الآخر كوسيلة لتحقيق المصالح، إلا أن هذه هي طبيعة السياسات الخارجية للدول إلى الآن، وهذا ما يجب تطويره وتغييرة على مستوى منظومة القيم الأخلاقية في العلاقات الدولية، لا أن نستسلم له في بعض الأحيان و نأخذه حجة لتسفيه حضارة الغرب في أحيان أخرى). لا يمكن لأحد أن ينكر أن المواطن الغربي بشكل عام يحترم المواطن الآخر بما هو إنسان، ولم يأت ذلك من فراغ بل من الطبيعة الجدلية للفكر بما يؤدي إلى إعادة إنتاجه، أي وبقول بسيط، من خلال تراكم أعمال فكرية على مدى سنين طويلة. والاعتراف بالآخر واجب أيضاً، لأن عدم الاعتراف بالآخر هو انتقاص أو نفي لإنسانيته، وهذا ليس من حقنا، بل يجب علينا أن ننظر إليه بوصفه إنساناً له جميع الحقوق التي لنا وهذه الحقوق متساوية بالقوة، وليس من حق أحد سلب تلك الحقوق، فمن ولد سوبر إنسان أو إنسان خارق للطبيعة فليواجهني. ولا أنسى هنا أن استعباد فكر الآخر هو استعباد وعدم اعتراف به، لأن الفكر والعقل هو ما يميز الإنسان عن الحيوان، واستبعاد فكر الآخر هو إنكار لإنسانيته. وأخيراً، الإعتراف بالآخر هو حق للأنا وليس فقط لهذا الآخر، لأنه وكما قلت بأن استبعاد فكر الآخر أو عدم الاعتراف به وبالتالي هو إنكار لإنسانيته. وبما أن الأنا متساوية بالقوة مع الآخر فإنكار إنسانية الآخر هي إنكار لإنسانية الأنا بالضرورة. وبالتالي حق للأنا أن تتسق مع فكرة إنسانيتها من خلال الاعتراف بالآخر. هذا من بالنسبة للهدف، أما بالنسبة للوسيلة، فمن الجيد أن هناك بعض الوعي بأنه من المستحيل حجب المعرفة، حتى ولو بحرق غاليليو، كوسيلة لتحقيق أي هدف كان، لكن هذا لا يكفي. بل يجب أن نتعلم أيضاً أن المعرفة وبكافة مجالاتها وأشكال تداولها حق للجميع وليس لأي كان، شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً، أن يمنع نشرها وانتشارها. وحتى لو افترضنا جدلاً أن الهدف مشروع ونبيل فالوسيلة ليست مشروعة ولا تنم عن احترامٍ للقيم الإنسانية التي ناضل، ومازال، الإنسان آلالف السنين من أجلها. وسرد لنا الكاتب العديد من الأمثلة عن عدم جدوى الحجب من الناحية العملية، كما أنه لم يكن الكاتب موفقاً حتى باختيار أحد أمثلته والذي دار حول الحملة التي شنتها بعض وسائل الإعلام السعودية على نائب الرئيس فاروق الشرع، فمع الاعتراف أن الكثير منها كان قد شخصن الموضوع وحول النقد إلى شخص نائب الرئيس، إلا أن العديد منها، أو بعضها على الأقل، قام بنقد تصريحاته وليس شخصه، وهنا الفرق كبير. فبغض النظر إن كنا متفقين أم لا مع التصريحات التي كانت سبباً في الحملة، فلا يجب أن نقول أن نقدها كان هدفه تشويه صورة نائب الرئيس وبأنها فشلت في ذلك. فنحن في هذه الحالة نتبع نفس الأسلوب الذي اتبعته الوسائل التي شخصنت التصريحات، فقام الكاتب بشخصنة نقد التصريحات، وكلا الأمرين مذموم أكاديمياً، وحتى أخلاقياً برأيي.

  • أعتقد أنه كان على كاتب المقال بصفته وزيراً سابقاً أن يوجه كلامه حول تربية المواطن السوري إلى النظام ودون إظهارها للعلن، لأنه هنا يفضح ممارسات النظام الحاكم وبشكل علني بطريقة تدجينه للمواطن السوري ابتداءً من اللحظة الأولى لدخولة المدرسة. فالمواطن السوري يربى على إنشاد نشيد البعث عند أداء تحية العلم الصباحية بالترافق مع النشيد الوطني السوري (هذا ما أذكره ولا أعلم إن كان ما يزال مستمراً)، و تستمر عملية تقديس الحزب الحاكم خلال مراحل الدراسة عن طريق الشبيبة واتحاد الطلبة، وبالتالي اختزال الوطن في حزب واحد. وهذا واضح أيضاً من خلال سيطرة الدولةالحزب على النقابات المهنية والمنظمات الشعبية التي قال عنها الكاتب نفسه أنها تتابع (وهي تلتطيف لكلمة تتبع) التوجيهات السياسية للقيادة السورية، وهذا ما يخالف أبسط مبادئ حكم الشعب. وهذا ما يعلنه الكاتب بصراحة ودون مواربة. حتى أنه يذهب أبعد من ذلك ويعلن عن النتيجة التي كانت متوخاة بالأساس من عملية التربية هذه، وهي دفاع إنتاج “مواطن” مدافع عن النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في سوريا والذي يمثله حزب البعث الحاكم كونه المربي الأول لعامة الشعب. نلاحظ هنا النظرة النخبوية والفوقية إلى باقي فئات المواطنين حيث ينظر إليهم على أنهم رعايا. ولكن ما لم أفهمه من الكاتب هنا قوله “وفي حال عدم الثقة في أمثاله من الرجال، فأننا نجد من الضروري إعادة النظر في البرامج السياسية التي اتبعتها القيادة السياسية خلال الفترة السابقة غير القصيرة”. فما معنى عدم الثقة؟ هل كل من لا يوافق النظام في توجهاته غير موثوق به؟ وبالتالي من السهل إلصاق تهمة الخيانه به! وهل المقصود بإعادة النظر في البرامج السياسية هو إعادة النظر في برامج التربية كي تنتج “رجلاً” يمكن الوثوق به أكثر، أم أن المقصود هو إعادة النظر بالسياسة نفسها لتكون معبرة عن هموم المواطن الحقيقة؟ وشتان بين الأمرين.

  • مرة أخرى يطلعنا الكاتب على الفكر النخبوي لدى الحزب الحاكم عندما كان يحتكر لنفسه حق الاطلاع على ما تنشره وسائل الإعلام “المعادية”، من خلال تجميعها من قبل وكالة سانا وتوزيعها على شكل نشرات إخبارية لأعضاء القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي. ومن الجدير التنويه له هنا أن كلمة سانا هي اللفظ العربي لكلمة SANA وهي اختصار لـ Syrian Arab News Agency أي الوكالة العربية السورية للأنباء، وليس وكالة حزب البعث العربي الاشتراكي للأنباء!

  • لن أخوض في تفاصيل جواب كاتب المقال على سؤاله “عن من نحجب هذه المواقع”. لدي فقط سؤال وملاحظة. والسؤال هو: من أين هذه الإحصائيات؟ فأنا أجدها بعيدة جداً عن الواقع وهي مجرد تخمينات لا أكثر ولا أقل. أما الملاحظة فهي: إن التخمينات لا تنتج سوى التخمينات وخاصة عندما يكون لدى الكاتب حكم مسبق عن استجابة القراء للمقالات الناقدة لسياسة النظام السوري، بعد أن يكون مطمئناً للتربية المحكمة التي خضع لها هذا القارئ السوري، وهذا ما جعل الكاتب يخلص إلى أن خمسة آلاف قارئ يقرأوون المواضيع على المواقع المحجوبة وأن نصفهم من “المعترضين” أنفسهم. ولاحظت أن الكاتب في كل مقاله لا يريد التنازل وتسمية أولئك “المعترضين” بالمعارضة، حتى إطلاق الأسماء احتكرها لنفسه، ولا أعتقد أن هذا من الموضوعية بشيء. فإن كنا نقوم ببحث ما حول ظاهرة إنسانية ما، فمن واجبنا أن نطلق الأسماء على مدلولاتها كما هي متعينة في الظاهرة لا كما نحن نريد.

  • لم يكن الكاتب موفقاً حتى في براغماتيته عندما تساءل: هل من المعقول أن نضيع جهود ونفقات ليست قليلة من أجل هذا العدد الضئيل من بين القراء الذين يدخلون يومياً إلى الانترنت؟ نعم لم يكن موفقاً، فلو أردنا أن نفكر بطريقة براغماتية ومن وجهة نظر مصلحة النظام وبأخذ عدد قراء المواقع المحجوبة كعامل وحيد، فالنتيجة المنطقية في هذه الحالة وباستخدام هذا المنطق هو نعم من المعقول بل ومن الضروري أيضاً. لأن هذا العدد سوف يزداد يوماً بعد يوم إن لم يوضع حاجز بين القارئ وتلك المواضيع “المعترضة”، حسب تعبير الكاتب نفسه، وهذا ما يشكل خطراً على وجود النظام. وبما أني لست براغماتياً في فلسفتي، بل أنطلق من وجهة نظر الحق عند مناقشة مثل هذه الأمور، فأجد أن السؤال بحد ذاته يتضمن مغالطات حقوقية بالغة الخطورة. وسوف أكتفي بإعادة صياغة السؤال من وجهة نظر المواطنة، وأقول: هل من المعقول أن نضيع جهود ونفقات ليست بالقليلة على انتهاك حق المواطن في المعرفة بدل أن نضعها في مكانها الصحيح، حيث يمكن الاستفادة منها في تطوير التعليم والحس النقدي والتحليلي لدى المواطن؟

  • لخص كاتب المقال المواضيع المحجوبة في أربع نقاط فقط. وقبل الخوض في تلك النقاط أود أن أذكره بنقطة خامسة غاية في الأهمية وهي المطالبة بالتداول السلمي للسطلة. وأختصر موقفي هنا تجنباً للإطالة بأنه ليس لأحد احتكار السلطة لنفسه والادعاء بأنه يمثل عشرين مليون مواطناً دون الخضوع لامتحان الانتخابات. أما بالنسبة للنقاط الأربع:

  • إني مقتنع أن المعارضة لم تلعب دورها المطلوب في نقد النهج الاقتصادي أو بالأحرى ما نراه من تخبط في القرار الاقتصادي في البلد وذلك لأسباب عديدة سوف آتي على ذكرها لاحقاً في مقال مخصص لنقد المعارضة السورية. أما أن يدعي كاتب المقال بأن الاعتراض هو فقط على بعض القرارات الاقتصادية فهذا بعيد عن الواقع. لأن المشكلة ليست في مدى صحة أم خطأ بعض القرارات الاقتصادية، بل في النهج الاقتصادي ككل. والملاحظ في السنوات الأخيرة بعض المفارقات ذات النتائج المستقبلية الخطيرة جداً على المستقبل الاقتصادي والاجتماعي بل والأمني في البلد. من هذه الملاحظات على سبيل المثال لا الحصر، معدل النمو الاقتصادي في تزايد خلال السنوات القليلة الماضية حتى كاد أن يصل إلى 6% إلا أن المستوى المعيشي للغالبية الساحقة للمواطنين السوريين في انخفاض مستمر، وما أدل على ذلك من ارتفاع مستوى الدخل من 10-50% خلال الخمس سنوات الأخيرة مع تضخم في الأسعار تراوح بين 100- إلى أكثر من 200% للمواد الاستهلاكية وقفز إلى ما فوق 300% بالنسبة لقطاع العقارات في العديد من المناطق. ومن الواضح إذاً أن النمو والتضخم ذهبت نتائجه إلى طبقة معينة وصغيرة جداً في المجتمع السوري، ولن أكون قد غامرت إذا قلت بأن نسبة ليست بالقليلة من المواطنين السوريين تراجعت إلى ما تحت خط الفقر خلال هذه الفترة. ونلاحظ أيضاً أن السيد الدردي نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية قد أعلن أن متوسط إنفاق الأسرة السورية وصل إلى ست وعشرين ألف ليرة سورياً شهرياً، فإن علمنا أن قطاعات كبيرة من الأسر السورية لا يتجاوز دخلها الشهري العشرة آلالف ليرة بل وفي أحيان كثيرة لا يتجاوز الخمسة آلالاف، ناهيك عن معدل البطالة المرتفع، فنستنتج أن هناك شريحة صغيرة من المجتمع السوري تحتكر الإنفاق إيضاً (ومن أين الإنفاق إن لم نربطه بالدخل؟) وهي السبب في رفع هذا المعدل. وفي كل المؤشرات الاقتصادية التي تعتمدها الحكومة لتسويق قراراتها لا تلحظ سوى المتوسطات دون أي أدنى ذكر لما يسمى في علم الإحصاء بالانحراف المعياري، و لما أسميه أنا بخريطة توزع كثافة الدخل. وهذا نتيجته كما نلاحظه على أرض الواقع كل يوم، انحصار الثروة في طبقة صغير، وزيادة فقر الطبقة الفقيرة، وانحسار الطبقة المتوسطة ودخولها في مجال الطبقة الفقيرة. هذا غيض من فيض، فهل هذه مجرد اعتراضات على بعض القرارات الاقتصادية؟ أم أنه نقد لمنهج اقتصادي لا يلحظ سوى مصالح بعض التجار و “رجال الأعمال” وخاصة المستحدثين منهم!

  • بما أن الكاتب يقول بأن الفاسدين والمفسدين معروفين لدى المواطن دون الحاجة لمعرفتهم عن طريق المواقع المحجوبة، وكونه من أعضاء الحكومة السابقين، فسوف أكتفي بسؤالين: لماذا لم تحاسبوهم كونهم معروفين لدى المواطن وبالتالي من باب أولى أن يكونوا معروفين لدى الحكومة ولن أقول لدى مجلس الشعب هنا؟ وما هي الظروف والأسباب التي أدت إلى تهادن المواطن مع أولئك الفاسدين والمفسدين الذي يطلق عليهم الآن رجال أعمال؟

  • يعود الكاتب مرة أخرى لفلسفته البراغماتية عندما يناقش قانون الطوارئ والأحكام العرفية، فيتابع الأثر السلبي الذي تتركه هذه القوانين على سمعة النظام الحاكم دون أدنى مناقشة لحقوق الإنسان في هذا المجال. ويكتفي في النهاية بطلب تعديل هذه القوانين، بينما المطلوب هو إلغاؤها لأنها تتعارض بشكل صارخ مع الدستور السوري ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقعت عليه سوريا.

  • أما بالنسبة للاعتقالات، فهي ياسيدي الكاتب ليست مجرد استدعاءات أمنية قد يعقبها التوقيف لفترة زمنية ما، بل هي استعدعات مهينة قد يعقبها التوقيف لفترة لا أحد يعرف كم تطول، ساعات أم سنوات. ولن أدخل في التفاصيل التي ناقشها الكاتب حول هذه النقطة، لأنها بعيدة كل البعد عن منطق البحث والموضوعية من خلال التعابير التي استخدمها من مثل القومي العربي المدعي والاسلامي المتطرف واليساري المتجمد، لأني أرفض الدخول في مثل هذه المهاترات الكلامية. لكن ما لم أفهمه هو ما دخل الخلطة الفيزيائية بالمبادئ الأساسية لعلوم الكيمياء بحجب المواقع؟! وأين النقاش الهادئ هنا؟ لكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا هي التعايش مع فكرة رفض الآخر وعدم قدرة كاتب المقال على التخيل بأن أطرافاً مختلفة فكرياً يمكن أن تجتمع لتحقيق هدف مشترك، فإما أنا أو أنت على الساحة، ولا يمكن أن نوجد معاً.

  • اقترح الدكتور محمد غسان طيارة سبع نقاط لسحب سلاح انتهاك الحريات ومعارضة حقوق الإنسان من أيدي الأعداء، وفيما يلي مناقشتي لها:

  • أتفق تماماً مع النقاط الأولى والرابعة والخامسة والسادسة وأؤكد على المحاكم المدنية في النقطة الرابعة.

  • أتفق أيضاً مع النقطة السابعة أيضاً. وفعلاً صنعت تلك المحاكمات من بعض الأشخاص أبطالاً بعد أن كانوا تجار سلاح ومشبوهين وما هم الآن سوى مهزومين خونة. وأود أن أنبه أني لا أطلق التهم جزافاً على أحد، بل يمكن للقارئ مراجعة مقالي “في المعارضة السورية” لمعرفة سبب موقفي هذا من هؤلاء البعض.

  • ناقشت النقطة الثانية سابقاً.

  • أما النقطة الثالثة فلا يجب أن يكون الشرط عدم تعريض أمن الدولة للخطر، لأنه شرط غائم كلياً ويمكن تأويله بطرق شتى حسب المصلحة الآنية. بل يجب أن يكون الاجتماع سلمي أولاً، وأن يلتزم المجتمعون بمبدأ المواطنة على أساس المساواة وعدم التعدي على حقوق الآخرين. ويندرج تحت هذا الشرط على سبيل المثال لا الحصر، عدم إصدار بيانات ذات مضمون تحريضي ديني أو طائفي أو عرقي أو قومي أو جنسي (بمعنى الجندرية هنا).

وفي الختام، أعتقد أن هناك من سوف يعترض على هذه الخلطة الحقوقية والسياسية والاقتصادية في هذا المقال. لكن ذلك لسببين: الأول هو أن هذا المقال هو تفنيد لمحتوى مقال آخر، فلا يجب أن أتجاهل النقاط التي اعتبرتها أساسية وحساسة. والثاني، أن هذا المقال يشكل أيضاً رداً ليس على المضمون فقط بل وعلى الشكل أيضاً، أي على أسلوب المحاكمة المنطقية المتبعة في مقال الكاتب، وبالتالي وجب الخوص في عدة تفاصيل يمكن أن تبدو أنها غير منسجمة في سياق واحد.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *