من أجل عينيك..الثورة السورية مستمرة

المصدر: لا أعرف- حقوق النشر محفوظة للطفل الذي لا أعلم اسمه

المصدر: لا أعرف- حقوق النشر محفوظة للطفل الذي لا أعلم اسمه

لا أستطيع قراءة هاتين العينين حقيقة، ولا أجرؤ. لن أسلب هذا الطفل حقه في التعبير عما يجول في خاطره وعن شعوره في هذه اللحظة، ولن أنسج بالنيابة عنه كلاماً إنشائياً جميلاً حزيناً أو ثورياً، قد لا يفهمه أو لا يعنيه هو نفسه. لكن الجوع واضح على محياه، والشقاء أوضح من أن يوصف ببضع كلمات. هذا الطفل الذي أخرج قسراً من الأحياء الشرقية لمدينة حلب، هرباً من موت إلى حياة تشبه الموت.

لا أعتذر من أصدقائي الثوريين الذي يصابون بالتشنج  عندما لا نصف تلك الأحياء بـ “حلب المحررة”. فـ “على ما يبدو .. الحرية اللي حصلنا عليها في المناطق التي يحلو للبعض تسميتها ب  المحررة  .. هي حرية  لعن الأسد … و بس ..” هذا ما قاله الطبيب الجميل سليم أبو نصر!

ولا أعتذر من نفس الأصدقاء أيضاً ومن أصدقاء آخرين عندما لا أصف المجاهدين بالثوار. لسببين: الأول أنهم لا يصفون أنفسهم بالثوار، بل وينبذون هذه التسمية وقد تصل حد التكفير لمن يصف نفسه بالثائر. فلما نصر على تسميتهم بالثوار؟ الثاني، أن حصر تسمية الثوار بالمقاتلين إجحاف بحق كل من قام بوجه طغيان الدولة الأسدية ولم يحمل السلاح. ساهم هذا الحصر بتغول الثوار المسلحين ومن بعدهم المجاهدين على بقية الناس، ومن بينهم الثوار المدنيون. يجب دائماً تسمية الأمور بمسمياتها، واليوم أكثر من أي يوم مضى. فلا الثوار هم ثوار، بل مجاهدون، إلا قلة منهم. ولا الثوار هم فقط من حمل السلاح. ولا الأحياء الشرقية من حلب هي حلب المحررة!

مساء السبت، أكملت الدولة الأسدية وحلفاءها السيطرة على ٦٠٪ من الأحياء الشرقية لحلب. أما في صباح يوم الأحد، فقد هاجم تنظيم القاعدة في بلاد الشام، الذي كان يدعى جبهة النصرة واليوم يسمى بجبهة فتح الشام، بالتعاون مع كتائب أبو عمارة، التي توصف بالداعشية، مقرات لفصائل من الجيش الحر فيما تبقى من الأحياء الشرقية لحلب التي لمّا يصلها النظام بعد.

وقبل أقل من شهر خطف تنظيم القاعدة ذاته مقاتلين من داريا مع أسلحتهم في ريف إدلب. وقبل ذلك وتحديداً مع مطلع شهر تشرين الثاني، صدعوا رؤوسنا بكذبة ملحمة حلب الثانية وقبلها ملحمة حلب الأولى. والمطبلون لهم أكثر من أن يحصوا، ومنهم من يتذرع بانعدام الحيلة أمام سلطة الأمر الواقع.

تسقط اليوم الأحياء الشرقية من حلب أمام أعيننا، ونحن عاجزون عن القيام بأي فعل، لأننا لم نكن مستعدين يوماً للفعل، ولا حتى لرد الفعل. سقطت حمص القديمة والقصير ودراياً وخان الشيح. وحسب ما وردني من معلومات فإن جيش الإسلام كان يتحضر لتسليم الغوطة الشرقية ولا نعلم إن كان ما يزال يتحضر الآن، أم أنه تراجع تحت ضغط أهل دوما الذي أجبره هو وفيلق الرحمن على حل الخلاف بينهما، أو الإدعاء بذلك. على الأقل قال محمد علوش ممثل جيش الإسلام في الهيئة العليا للمفاوضات في شهر أيلول، أنه يجب التفكير بالانسحاب من المدن والتحول إلى استراتيجية الحرب خارج المدن.

قد تكون قليلة تلك المناطق التي سقطت بيد النظام لأسباب خارجة تماماً عن إرادة المقاتلين داخلها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: داريا. قاوم الثوار، كما يحبوا هم أن يكنون، حتى آخر رمق بانتظار دعم من بقية الفصائل. حافظوا على علاقة لا بأس بها مع الحاضنة الشعبية، أهلهم. كانوا جزءاً من مشروع ثوري، أكبر من تسلط مؤقت على رقاب الناس. كانت داريا منذ الأيام الأولى للثورة روحاً للثورة، تنتج مشروعات بديلة عن فكرة الأسدية بكافة تجلياتها. فك الله أسرك يا يحيى الشربجي ومن معك.

أما الكثير من المناطق الأخرى ومنها حلب، فإن سقوطها لم يكن فقط بسبب وحشية النظام وحلفائه، التي لم تكن مفاجئة، وليس فقط بسبب تخاذل ما يسمى بالمجتمع الدولي، الذي لم يكن مفاجئاً أيضاً، وليس فقط بسبب عقد الدول الإقليمية “الصديقة” الصفقات على حسابنا، الذي لم يكن مفاجئاً أيضاً. بل اجتمعت كل تلك الأسباب إلى تفكك الجبهة الداخلية في المدينة. ذلك التفكك كان بشكلين عسكري-مدني، وعسكري -عسكري.

تجلى البعد العسكري-المدني في تغول الثوار المسلحين، ومن ثم المجاهدين، وتدخلهم بمأكل وملبس وهيئة وأفكار الناس في المناطق التي يسيطرون عليها. والأهم هو منعهم لأي عمل مدني قد ينتج اجتماعاً سياسياً وتالياً مشروعاً سياسياً. أما العسكري-عسكري، فهو إما لتعارض مصالح القادة أو تعارض مصالح الدول الداعمة لهؤلاء القادة، ودائماً تعارض مصالح الاثنين مع مصلحة الشعب السوري بالتحرر من كل أشكال الطغيان. وتعمق هذا التفكك وأثر في آن على انفصال ماكان يفترض به أن يكون الجسم السياسي للثورة عن الثورة نفسها. أقصد هنا تحديداً الإئتلاف الوطني لقوى الثورة السورية.

قال الصديق المدون عبد السلام اسماعيل في بداية الثورة، أن أهم ما حققته الثورة هو استعادة الشأن العام إلى الشارع. لكن الشأن العام سلب من أيدينا مرة أخرى، كثيراً على يد النظام، وهذا من طبيعته على أية حال، وكثيراً، أقل، على أيدي الذي تنطعوا لتمثيل الثورة سياسياً وعلى أيدي ثوارها المسلحين أمس والمجاهدين اليوم. وهذه “الأقل” ليست نابعة من مبدء أخلاقي بقدر ما هي تعبير عن نسبية الحيلة مقارنة بالنظام. والحق يقال أنه ما زال هناك ثوار مسلحون ومدنيون مبدؤهم هو مبدأ الثورة الأول، وهو بناء سوريا حرة خالية من الطغيان. وكل تعميم باطل بطبيعة الحال.

أمس كانت داريا، واليوم حلب، وغداً؟ لم يعد هناك شك أن إدلب هي المحطة القادمة بعد أن قام النظام بتهجير كل المقاتلين من المناطق التي سيطر عليها، إلى هذه المنطقة. قد تسبق الغوطة الشرقية إدلب، لكن إدلب هي معركة الحسم العسكرية بالنسبة للنظام. وحتى لو حسم عسكرياً فلا يجب أن نتوقف، لأن ثورتنا ليست جغرافيا فقط ولا مجموع أفراد فقط، بل هي روح وفكرة، وهما لا تموتان. ولكن لا يجب الركون إلى المعطيات الحالية والتسليم بالحسم العسكري لصالح النظام لأن ذلك سوف يكلفنا كثيراً من الأرواح والسنوات.

الهزيمة قرار، ومن قرر أنه استنفذ طاقته أو أنه هزم فهذا شأنه، وليس من حق أحد مصادرة حرية قراره. العمل اليوم مطلوب أكثر من أي يوم مضى. وأول العمل هو مراجعة الذات على المستوى الشخصي والعام. إن ما وصلنا إليه اليوم لا يكشف فقط نفاق العالم وكذبه، ولا يكشف فقط كذبة الأمم المتحدة، بل يكشف أكثر حجم الأخطاء التي ارتكبناه منذ ست سنوات إلى الآن. وأكثر المسؤولين عن هذه الأخطاء هم الإئتلاف الوطني والفصائل المسلحة. لذلك فإن ثاني العمل يجب أن يكون في إبعاد السلاح عن الشأن المدني، وضبط العلاقة بين العسكري والسياسي، وتحقيق التغيير الجذري في العمل السياسي طبيعة وشكلاً. إننا بحاجة اليوم للفعل المبدع، وبحاجة لثورة لاستعادة ثورتنا.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *