منهجيات تفكيرٍ خارج الزمان والمكان

بالكاد سمعنا بعصر الأنوار في أوروبا حتى بدأ الغرب بالولوج في عصر ما بعد الحداثة. نجد أنفسنا لا نفعل شيئاً سوى تعريف أنفسنا بدلالة الغرب، إما عن طريق التقليد والإستيراد، أو عن طريق الرفض والتقوقع. دائماً نجدنا نتشظى بين التمسك بالماضي، والتمسك بمرحلة تاريخية غربية سابقة، أو محاولة القبض على آخر ما وصل إليه الغرب اليوم.

إننا شعوب المجال العربي نشعر بالانهزام أمام الغرب الذي استطاع أن يطور مشروعه الحضاري. تماماً كما نشعر بالانهزام أمام أجدادنا الذين أنتجوا حضاراتهم المتقدمة، إن كان في عصور ما قبل الميلاد أو في العصور الإسلامية الأقرب إلى زماننا. وكان ابن خلدون محقاً في ملاحظته حول تقليد المغلوب للغالب في تصريف شؤون حياته، بغض النظر عن الأسباب التي تدفع بهذا الاتجاه.

نحن نقلد الآخر الذي نشعر أمامه بالانهزام في المأكل والملبس والعادات، وحتى بالفكر ومؤسسات الحكم والاقتصاد. لذلك نلاحظ انقسامات اجتماعية حادة بين مقلد للغرب ومقلد للسلف، وما بينهما من خليط غير متجانس وغير منسجم في أغلب الأحيان، حتى على مستوى الفرد. هذا لا يعني أن طرفي النقيض كل منهما منسجم مع ذاته، بل يحمل كل منهما شيئاً من الطرف الآخر، ويعاني من التوتر بسبب هذا التناقض.

إن السلوك والعادات والفكر والمؤسسات التي ينتجها مجتمع ما، تتسم بالانسجام مع بعضها من جهة، ومع المجتمع من جهة أخرى (ومع التغير بطبيعة الحال)، وتتكامل فيما بينها في كل واحد دينامي. لأن كل عنصر منها يرتبط بعلاقة تأثير تبادلي مع العناصر الأخرى. إن الاستفادة من بعض عناصر الحضارات الأخرى يتطلب عملية توطين متكاملة في البيئة (المنظومة) المستقبِلة. أي أنها عملية إدماج واعية في سياق مشروع حضاري قيد التطوير. في المقابل، فإن المجتمعات التي تعاني من الجهل، لا تستطيع إدراك صيرورة تطوير المشروعات الحضارية. فتحاول استنساخ بعض مخرجات الحضارات المتقدمة، وإدماجها في بيئتها الخاصة بشكل عشوائي غير واعٍ، فلا تستطيع هذه العناصر المستورَدة أن تتكامل مع المنظومة المستقبِلة.

من المؤكد، أن ما يتم استنساخة عادة هو ما يظهر على السطح من تلك المنظومة المتكاملة للحضارة المتقدمة. وذلك يعود لثلاثة أسباب: الأول، أنه يستحيل استنساخ حوامل الحضارة، حيث أن الأفراد أنفسهم بتكوينهم النفسي والفكري والاجتماعي هم أحد هذه الحوامل. وبالتأكيد لا يمكن استنساخ البشر بهذا المعنى. أما الثاني، فإن افترضنا جدلاً أنه يمكن استنساخ حوامل الحضارة بما فيها البشر، فهل يمكن معرفة ماذا نريد أن نستنسخ؟ إن هذه المعرفة تستدعي إدراكاً وفهماً شاملاً وبأدق التفاصيل لهذه الحوامل بما فيها علاقاتها المعقدة والمتشابكة، وهذا أمر متعذر على المعرفة البشرية. وأخيراً، إن مجرد التفكير باستنساخ هذه المنظومة بحواملها يفترض أن لا وجود لحركة التاريخ، أي أن المنظومات الحضارية هي معطىً منجزاً زمانياً ومكانياً، يستبعد علاقاته مع الزمن السابق واللاحق، ويستبعد علاقاته الخاصة مع الآخرين، التي لا يمكن أن تتكرر. لذلك فإن عملية الاستنساخ هي شكلانية بامتياز، وهي مجرد تقليد مشوه للمظاهر الحضارية.

إذاً فالجهل والشعور بالانهزام مرتبطان على الدوام بالسلوك الشكلاني والتقليد. ويؤدي إلى عدم انسجام المجتمع مع ذاته، وظهور التناقضات في سلوك الأفراد، كما يؤدي كذلك إلى انقسامات حادة في المجتمع. وأبعد من ذلك، فإن هذا التقليد يتسم بالتشدد في الممارسة في كثير من الأحيان، ربما تعويضاً عن عدم قدرة المجتمع على أن يكون ذلك الذي يصبو إليه. وقد يكون ذلك عاملاً مفسراً هاماً، ولكن غير وحيد بطبيعة الحال، لانقسام المجتمع لكتلتين رئيسيتين متطرفتين: سلفية دينية، سنية وشيعية، وكتلة أخرى تعتقد نفسها تقدمية. بل وقد يكون هذا عاملاً مفسراً أيضاً للتطرف في الاستهلاك في المجتمعات غير المنتجة مقارنة بالمجتمعات المنتجة.
منهجيات الحلول الجاهزة

يعلم الجميع، إلا أولئك المنفصلين عن الواقع، أننا سكان المجال العربي لسنا بخير. لذلك فإن جهوداً عديدة تُبذل من أجل اللحاق بركب الحضارات المتقدمة القوية. وتتنازع هذه الجهود ثلاث منهجيات رئيسية، ولعل لقب “أخوة المنهج” في هذا السياق ينطبق ليس فقط على الإسلاميين:

أولاً: منهجية العودة إلى المقدمات من أجل الوصول إلى الخواتيم الماثلة أمامنا. وأقصد هنا مقدمات الحضارة الغربية. تبني هذه المنهجية فرضيتها على نظرية الحتمية التاريخية، أي أن تقليد المقدمات سيفضي إلى نفس النتائج. ويغلب على هذه المنهجية التوجه نحو تقليد الفكر والمعتقدات اقتداءً بفكر عصر الأنوار في أوروبا. حتى أن الذين يتبعون هذه المنهجية يسلكون دروب التفكير ذاتها عندما يحاولون التعامل مع أزمات الشأن العام ومع القضايا الفلسفية. إلا أنهم لا ينطلقون جميعهم من نفس المقدمات، حيث يمكن تمييز تيارين.

هناك من يفترض أن بداية تطور أوروبا كان مع احتجاج لوثر كينغ على سلطة الكنيسة واحتكارها للكتاب المقدس، أي مع ولادة العلمانية. وكاتب هذه السطور فكر قبل عشر سنوات بوضع ملصقات على أبواب الجوامع تحض على استعادة القرآن من المشايخ المحتكرين له، كما فعل لوثر نفسه. لذلك كانت العلمانية هي العصى السحرية عند أنصار هذا التيار. وانكشفت شكلانية التقليد عند الكثير من هؤلاء في لحظة الاختبار الحقيقي، فقد ارتد كثير منهم إلى منطقهم الطائفي في موقفهم من الثورة السورية، فتوزعوا بين معادٍ لها ومناصر لها على أساس هذا المنطق، مع الفارق في العدد.

وهناك تيار يفترض أن ظهور القومية في أوروبا كان حاسماً في تطورها، فبدؤوا بالبحث عن قومية جامعة ووطن لهذه القومية، من أجل بلوغ الكمال في الدولة-الأمة. فظهرت الفاشية القومية العربية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. ثم ظهر التعصب القومي المحلي، سوري، سعودي، مصري، لبناني، في أواخر التسعينات من القرن نفسه. وفي مقابل هذه النزعات وبالتزامن مع فشلها في تجاوز الواقع المأزوم، بدأت تنمو فاشية إسلامية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي حتى هذا اليوم. وسوف تتضح هذه النزعة أكثر عند الحديث عن المنهجية الثالثة.

ثانياً، منهجية حرق المراحل والمباشرة بتطبيق آخر ما توصل إليه الآخر المتقدم. أتباع هذه المنهجية يتطلعون أيضاً إلى الغرب ويحاولون تقليده، لكن من خلال مقاربة مختلفة، تتمثل بتطبيق آخر ما توصل إليه الآخر المتقدم. فحاولوا تقليد الحداثة الغربية من خلال استنساخ مخرجاتها، وعلى رأسها البنى والإجراءات، مثل النقابات والبرلمانات والانتخابات ومنظمات المجتمع المدني وأساليب الإدارة ووسائل الإنتاج. كان باعتقادهم أن مجرد استنساخها سوف يحولنا إلى مجتمعات حداثية أو حديثة بأقل تقدير.

إلا أن هذه المخرجات هي نتاج تجربة تاريخية طويلة في الغرب، فلم تنجح بالاندماج في بيئاتنا الاجتماعية والسياسية، فتحولت إلى هياكل وإجراءات فارغة المضمون. بل واستُخدِمت في إعادة إنتاج الواقع الرديء في شكل حداثوي. فأصبحت النقابات والأحزاب أدوات سيطرة بيد السلطات الديكتاتورية، ووجدت الطائفية والعشائرية مكاناً حداثوياً لها تحت قبة البرلمان.

من مظاهر تطبيق هذه المنهجية أيضاً، سرعة التقلب بين الاتجاهات الفكرية والسياسية. فقد تحول كثير من الماركسيين والشيوعيين إلى ليبراليين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتحولت بنفس الفترة العديد من الدول العربية من الاشتراكية المقدسة إلى ما يمكن تسميته بـ “الإباحية الاقتصادية” وهي نتيجة علاقة غير شرعية بين الديكتاتورية واقتصاد السوق.
ثالثاً، منهجية العودة إلى الماضي واستنساخه. إن وعي الذات بوصفها مضطهدة داخلياً و/أو خارجياً وبوصفها كانت ذات يوم قوية وصاحبة حضارة، يجعلها تسعى لاستعادة اعتبارها بين الحضارات مرة أخرى. إلا أن جهلها يجعلها تفشل أو تشعر بالعجز أمام جسامة هذه المهمة، فتسعى إلى استحضار الماضي كما هو واستنساخه على أمل إعادة إنتاج الحضارة نفسها وامتلاك قوتها. لكن استنساخ الحضارات قديمها وحديثها مستحيل كما مر سابقاً. فيقلد أنصار هذه المنهجية الأجداد في الشكل والملبس وحتى في الأسماء والألقاب! ويعملون على استنساخ مؤسسات الحكم والمنظومة الاقتصادية والقانونية.

إن الأكثر كارثية في هذه المنهجية هي في إضفاء القدسية على الماضي، فكرٍ وأشخاصٍ وممارسات. فمن جهة أولى يصبح من المحرم نقد هذه المنهجية، ومن جهة ثانية يصبح من المحرم أيضاً إنزال التجربة الحضارية التي أًنتِجتْ في الماضي إلى المستوى التاريخي، أي إلى مستوى الفعل البشري، وتالياً تناولها بالدراسة النقدية. ذلك يؤدي إلى استحالة فهم الماضي وفهم صيرورة إنتاج تلك الحضارة التي يتوق أنصار هذه المنهجية إلى إعادة إنتاجها. فلا هم يستطيعون تحقيق غاياتهم بسبب الخطأ الجوهري في هذه المنهجية، ولا هم يسمحون لأحد بالاستفادة من دروس التاريخ.
الخبرة تقاس بعدد الأخطاء

لكن هل حقاً لم نفعل شيئاً خلال قرن ونصف سوى محاولة اللحاق بالغرب أو العودة إلى الماضي؟ من الناحية الإجرائية، يبدو الجواب: نعم. إلا أنه في المحصلة النهائية، فإن مجرد القيام بهذه المحاولات والتجارب، التي قد يكون نجح قليلها، راكمت لدينا خبرة لا يستهان بها لمن يريد أن يتعلم. وكما يقال: إن الخبرة هي عدد الأخطاء التي ترتكبها. فهل كان من الممكن لهذه السطور أن تكتب الآن لولا هذه التجارب؟

ليس المطلوب إذاً، القطع التام مع هذه المحاولات أو القطع مع مخرجات أي مرحلة تاريخية. فقد أصبحت، حتى بوجودها الشكلي في كثير من الأحيان، جزءً من تجربتنا التاريخية. أي إن الفشل في توطينها هو بحد ذاته جزء من التجربة. واستطاعت بعض المجتمعات أن توظفها في اللحظات التاريخية الحرجة. والمقصود هنا الدور الذي لعبته الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني في تونس في حماية هذا البلد من بحور الدماء في عهد الثورات، الأمر الذي لم يتوفر في غيرها من المجتمعات.

أي إنه لم يعد من المناسب بعد ما ينوف عن السبعة عقود من تجربة الدولة الحديثة، حتى لو كانت شكلانية، أن نقول أننا يجب أن نتخلى مثلاً عن البرلمانات والأحزاب والنقابات وأن ننكر نظرية التطور. كما أننا لا يجب أن نسلم ببلاهة أن البشر والشمبانزي لهما جد مشترك لمجرد أن نثبت أننا علمانيون! ومن الغباء أن نصدق فرانسيس فوكوياما بطرحه الساذج حول نهاية التاريخ عند مثالية الديمقراطية الأمريكية. وليس من الحكمة أن نتخلى عن تراث إسلامي يعلمنا أن الكذب مفارق للإيمان وأن الله يحب إن عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.
لا يُعنى هذا النص بنقد العلمانية أو الحداثة أو القومية أو الإسلام السياسي وغيرها من المنظومات، ولا حتى لأتباعها بوصفهم كذلك. بل النقد موجه تحديداً للمنهجيات الثلاث في البحث عن الحلول للواقع المأزوم. أي إن النقد موجه بالضبط إلى منهجيات التفكير خارج الزمان والمكان، التي تتبنى الحلول من موقع المهزوم، ولا تقوم بما يكفي من العمل للإحاطة بالظروف التاريخية التي أنتجت هذه المنظومات في زمانها ومكانها، وكذلك الظروف التاريخية التي جعلت منها حلولاً حينها. ويجب التأكيد أيضاً أن احتمال بُعد الزمان و/أو المكان لهذه المنظومات عن أي ظرف تاريخي آخر لا يعني أبداً أن نطلق عليها حكماً مسبقاً بانتهاء الصلاحية.

إن المطلوب هو التعلم من تجربتنا، كما من التجارب البعيدة عنا زمانياً ومكانياً، والبدء بنمط جديد للتفكير: تفكير مبدع تماماً، وليس أقل إبداعاً من حاجة الواقع شديد التعقيد.

١٣ نيسان ٢٠١٥

سجن عدرا المركزي

1 Response

  1. سامح يوسف قال:

    لعل بحور الدماء تلك تسهم في تغيير العقل العربي (العقل الذي يعيش في المجال العربي كما أسميته) باتحاه منهج في التفكير يدرك قيمة الحياة ويعتمد نوعية العيش معياراً للخطأ والصواب. ولعل تشرد السوريين وغيرهم من شعوب الثورات في بقاع الأرض يسهم في تغيير آلية تفكير البعض ومقدار انفتاحه وتقديره للحياة ويحمل معه هذا التغيير إلى بلده الأم يوماً ما.
    متابعتي اليومية للأخبار العامة والخاصة في سوريا تجعلني متيقناً من أن هذا الخرق حصل في العقل العربي والعديد العديد من محرمات التفكير باتت على طاولة النقاش. المشكلة الحقيقة التي هي مرافقة لهذه الايجابية هي الطريقة الصادمة التي يحصل فيها هذا الخرق وما قد تحمله من ضرر نفسي واجتماعي سنعاني منه لعقود قادمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *