مفاوضات مباشرة أم غير مباشرة؟

إن السؤال حول خوض مفاوضات مباشرة أم غير مباشرة هو تماماً كالسؤال حول عدد الفلسطينيين الذي استشهدوا أثناء الحرب على غزة هل كانو أكثر من ألف أم أقل! إن تركيز السلطة الفلسطينية ومن ورائها المجموعة العربية التي باركت هذه المفاوضات على الطبيعة غير المباشرة للمفاوضات ما هو إلا محاولة بائسة لستر عورة مايسمى بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. فالسؤال قبلاً هو حول معنى هذه المفاوضات بذاتها.

ورد في معجم لسان العرب

المفاوضة: المساواة والمشاركة، وهي مفاعلة من التفويض، كأن كل واحد رد ما عنده إلى صاحبه

بحسب السلطة الفلسطينية فهي تسعى إلى الحصول على دولة مستقلة بحدود 67 وعودة اللاجئين وعلى القدس الشرقية كعاصمة لهذه الدولة المستقلة“. لندع جانباً مسألة شرعية وجود دولة إسرائيلية وبالتالي مسألة الحدود الحقيقية لفلسطين وعاصمتها المقترحتين. فالنتيجةبكل الأحوال هي أن هذه السلطة تسعى من خلال المفاوضات إلى الحصول على ثلاثة أمور أساسية: انسحاب قوة الاحتلال والقدس الشرقية والموافقة على عودة اللاجئين. فماذا تمتلك السلطة الفلسطينية لتقدمه في مقابل ذلك على ضوء تعريف المفاوضة المذكور آنفاً؟ وبمعىً آخر، ما هي الأوراق التي تمسك بها هذه السلطة لجعل الإسرائيليين ينزلون عند أبسط حقوق الفلسطيين؟ يبدو أن ورقة المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات على حد تعبير محمود عباس هي الورقة الوحيدة التي تلوح بها السلطة الفلسطينية في وجهة إسرائيل، بالإضافة إلى ورقة الدولار التي تأتيهم من الدول المانحة بعد موافقة الولايات المتحدة وإسرائيل ومرورها بالبنوك الإسرائيلية والتي يصرف جزء كبير منها على الأجهزة الأمنية الفلسطينية لحماية أمن إسرائيل!

من هذه الزاوية اللغوية يمكن رؤية السلطة الفلسطينية تمارس فعل الرجاء والتذلل وليس التفاوض للحصول على أي شيء مهما كان صغيراً وغير ذي معنى من الحقوق، ويعود الأمر في نهاية المطالف إلى كرم الإسرائيليين بإعطائهم مايرونه مناسباً لهم هذا إن أعطوهم شيئاً بالأساس.

ولأن الحياة مفاوضاتكما يفهمها صائب عريقات، رئيس دائرة المفاوضات، فلا معنى عندئذٍ لتحديد شكل المفاوضات لأنها مطلوبة لذاتها وليس لنتيجتها. فعندما تكون النتيجة هي المحرك لأي طرف يناضل للحصول على حقه فلن يخنق نفسه وشعبه بخيار واحد متخلياً عن باقي الخيارات الأخرى. وهل ترك لنفسه شيئاً لنقول أنه اختار؟! هنا تحديداً يجب أن نحاول استكشاف معنى المفاوضات في ذهن السلطة الفلسطينية.

لنأخذ اللحظة الراهنة على سبيل المثال لا الحصر، حيث وافقت السلطة الفلسطينية بدعم من المجموعة العربية على الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل على أساس تقديم الولايات المتحدة ضمانات بوقف الاستيطان الإسرائيلي. ولكن مالبثت أن أنكرت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل تقديم هذه الضمانات. وكان الشرط الأساسي للسلطة للدخول في مفاوضات مع إسرائيل هو وقف الاستطيان بشكل كامل. فماذا حدث؟ الأرض هي التي تتكلم عن واقع الحال، فقد استمر الاستيطان كما عهدناه سابقاً بل وتمت الموافقة على الشروع ببناء وحدات استيطانية جديدة غداة موافقة السطلة على استئناف المفاوضات ناهيك عن الرفض الإسرائيلي المطلق لمناقشة الاستيطان في القدس الشرقية. وقبل شهرين فقط استنفر أو تظاهر العرب بالاستنفار في قمتهم حول مسألة تهويد القدس والجهود الحثيثة التي تبذلها الصهيونية لتفريغها من أي مضمون غير يهودي – إسرائيلي. فما الذي حدث بين القمة واليوم؟ كيف استطاع الجميع تناسي تصعيد إسرائيل لنشاطها الاحتلالي والاستيطاني والتهويدي؟! وهل للأنظمة العربية القدرة أو الرغبة أو حتى المصلحة في وقف المفاوضات ومايسمى بعملية السلام!

لقد فرطت السلطة الفلسطينية ومعها جل الأنظمة العربية بالأوراق التي يمكن أن تستخدم للضغط على إسرائيل واحدةً تلو الأخرى:

  1. قتل الرغبة لدى الفلسطيني في المقاومة حتى بالأشكال السلمية من خلال تعميق ثقافة الاستهلاك في الضفة الغربية وربط حالة الرفاهية بنبذ المقاومة.

  2. ربط الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية بشكل مباشر بأموال الدول المانحة التي ربما لن تقدم الأموال في حال وقف المفاوضات من قبل الطرف الفلسطيني. حيث أن 80% من العائلات في الضفة تعيش من دخل الوظيفة العامة التي تأتي رواتبها من الأموال الممنوحة من هذه الدول للسلطة الفلسطينية.

  3. عدم مساعدة الفلسطينيين على مقاطعة البضائع الإسرائيلية وتأمين البدائل الأخرى، بالإضافة إلى عدم مساعدتهم في إيجاد البدائل الكريمة للعمل لدى المستوطنين الإسرائيليين، مما يخلق تبعية مباشرة في لقمة العيش من أجل الرضوخ للأمر الواقع.

  4. ارتباط القيادات الفلسطينية بشكل مباشر أو غير مباشر مع المؤسسات الاقتصادية الإسرائيلية كما اعترف بذلك صائب عريقات في كتابه المذكور بأن بعض المفاوضين يرتبطون مع الإسرائيليين بمصالح شخصية وتجارية.

  5. الانقلاب على الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني في انتخابات 2006 وإفشال حكومة حماس الشرعية وجرها إلى نزاع داخلي أدى إلى الانقسام السياسيالجغرافي الذي يعيشه الفلسطينيين اليوم.

  6. محاولة إنهاء المقاومة المسلحة وإدانتها محلياً والتنكر لها دولياً واتهامها المباشر بما لحق بالفلسطينيين من ضرر خلال السنوات السابقة.

  7. الاشتراك في محاصرة وتجويع فلسطيني غزة بعد سيطرة حماس عليها لحثهم على محاربة المقاومة بأنفسهم والانصياغ لخيار المفاوضات.

  8. إجهاض محاولات إدانة إسرائيل على المستوى الدولي كما حدث مؤخر مع تقرير غولدستون الذي يدين الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل أثناء العدوان على غزة.

لا يمكننا في هذا السياق تحليل وضع السلطة الفلسطينية ومعها الأنظمة العربية من وجهة نظر سياسية مجردة، أي بالقول أنها ارتكبت أخطاءً استراتيجية أو تكتيكية أوصلتها إلى هذا المأزق وهذا الطريق المسدود. ففي هذا تجن كبير على الحقيقة وعلى الفلسطينيين والحق الفلسطيني، وبالتالي نكون قد أعطيناهم أجر المجتهد الذي أخطأ! بل يجب أن نحاسبهم على أفعالهم ليس بوصفها أفعالاً خاطئة فقط بل على أنها تجسيد واقعي للنوايا المسبقة والتي يكشفها تتابع الأحداث والنتائج والإصرار على التمادي في ارتكاب نفس الأفعال.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *