محور الاعتدال الصهيو-عربي

صرحت ليفني من باريس أن حماس تمثل مشكلة للجانب الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية وعدد من الدول العربية، كما أنها قالت بأن إسرائيل تعمل على استهداف حماس لمساعدة السلطة.

  • قال حسني مبارك عقب لقائه رجب طيب أردوغان أن مصر تحملت الكثير من أجل القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وأنها ضحت بأكثر من 120 ألف شهيد وأنفقت المليارات.

يبدو أن ليفني حسمت الأمر ورأت أنه لم يعد هناك داع لإخفاء التحالف المعقود مع محور الاعتدال العربي، وأعلنت أن إسرائيل تصفي حماس، أو تضعفها على الأقل، تحقيقاً لمصلحة جماعية. هذا يعني أن مصالح إسرائيل أخذت تتقاطع أكثر فأكثر مع مصالح هذا المحور، مما يجعلها أحد أركان هذا المحور بل في المركز، حيث تمثل هي الذراع العسكري له والجاني الأكبر للغنائم بينما يقوم حلفاؤها العرب بترتيب الأوضاع العربية لقبول أساليب التنفيذ ونتائجه مقابل تحقيق مصالحهم في ضمان أمنهم القومي (الأمن القومي في عرفهم هو أمن أنظمتهم). وبذلك لم يعد من المناسب تسمية هذا المحور بالعربي بل يجب أن يدعى من الآن محور الاعتدال الصهيوعربي.

هذا المحور هو آخر فصل وصل إليه مشروع الشرق الأوسط الكبير وإلى جانبه مسألة الصراع العربيالإسرائيلي، والذي بدأ يأخذ ملامحه النهائية عندما سهلت بعض الدول العربية احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ثم سكتت هذه الدول على اغتيال ياسر عرفات عندما بدأ يميل مرة أخرى إلى نهج المقاومة، وبعد عرفات قامت بضمان وصول محمود عباس إلى رأس السلطة، لكن ما لم يكن في الحسبان هو نجاح حماس في الانتخابات، فبدأت هذه الدول منذ اليوم الأول وبمساعدة عباس وإسرائيل وكل الدول الديمقراطية في العالم الغربي بوضع العصي في عجلة نجاح حماس في تولي السلطة. فأصبحت حماس، وخاصة بعد سيطرتها على السلطة في غزة، هي العدو الأول للمحور الصهيوعربي إلى جانب حزب الله الذي أفشل كل الجهود التي بذلت لإسقاطه عسكرياً وسياسياً.

وجد النظام المصري نفسه، ومعه بعض الأنظمة العربية، تحت القصف المباشر من قبل الشعوب العربية عامة وشعب مصر خاصة متهمين بالخيانة ودون مداورة، فلم يكن أمام حسني مبارك إلا أن يلجأ إلى التاريخ ويستحضر منه التضحيات المصرية من أجل فلسطين ليحاول حماية رأسه. لكن نسي أن يخبرنا حسني مبارك، لماذا قدمت مصر هذه التضحيات؟ ومع من كانت المعركة؟ لا أجد بداً من تولي الإجابة عنه.

عندما استشهد أول عربي على أيدي جيش الكيان الصهيوني لم تكن حماس قد ولدت بعد، بل لم يكن لحماس أو حزب الله أن يخلقا لولا وجود ما يدعى بإسرائيل واحتلالها الأراضي العربية. إذاً، يمكننا أن نستنتج من كلام مبارك أن الكيان الصهيوني هو العدو الحقيقي والذي اقتضى وجوده تقديم التضحيات الجسام من قبل شعب مصر. هذا يكشف كل الادعاءات الزائفة لمحور الاعتدال الصهيوعربي. فلم تنتظر هذه العصابة أن يقصفها أحد بالصواريخ حتى ترتكب المجازر في حيفا ويافا ودير ياسين. ولو لم يوجد هذا الكيان لما وجدت المقاومة، ولو لم يسلب الأرض ويعتدي على الإنسان لما وجهت له المقاومة الضربات. إذاً بطلت الحجة على حماس وعلى أي فصيل مقاوم آخر.

إذاً، لدينا مجموعة من النقاط التي يجب النظر إليها جيداً: إسرائيل هي العدو الذي ضحى العرب في قتاله بمئات الآلاف من الشهداء، واتهام زعماء محور الاعتدال حماس بأنها سبب المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة، واعتراف ليفني بأن حماس تمثل مشكلة ليس فقط لإسرائيل بل للسلطة الفلسطينية وعدد من الدول العربية، وإعلان ليفني الحرب على غزة من القاهرة وبحضور وزير خارجية مصر. إن دل ذلك على شيء فيدل على صحة القول بمحور الاعتدال الصهيوعربي وليس محور الاعتدال العربي، كما أنه يؤكد أن بعض الدول العربية ترغب وبشدة بحذف حماس من المعادلة الفلسطينية كما أرادت ذلك مع حزب الله في لبنان. ومع النظر بدقة أكثر نجد أن المطلوب هو تصفية كل أشكال المقاومة ضد إسرائيل ووضع نهاية لآخر جولات ما كان يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي.

رغم أن السبب الرئيسي لعداء بعض الأنظمة العربية لحماس ولحزب الله ولغيرهما (في العراق) هو معاندة هذه الحركات والأحزاب لمشروع السيطرة الأمريكيالإسرائيلي على المنطقة الذي يتمتع بحماية تلك الأنظمة نفسها، رغم ذلك إلا أنه لا يجب نسيان أسباب أخرى والتي تكون أحياناً خاصة بنظام معين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عبر النظام المصري مراراً عن رفضه لوجود إمارة إسلامية على حدوده، وإعلامه هو أول من روج لكلمة حماسستان، ذلك لأن حماس تعتبر الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر، ولا يخفى على أحد خطر وجود إخوان قوية في فلسطين إلى جانب إخوان تتزايد قوتها في مصر. لكن الخطر على من؟ طبعاً على النظام المصري، والذي يقولون أنه الخطر على أمنهم القومي. كما، أن وجود مقاومة تقارع إسرائيل وتحقق الانتصارات عليها (رغم الكلفة البشرية المرتفعة والتي لا بد منها في تاريخ الشعوب الساعية للتحرر) يجعل الشارع العربي يطرح الأسئلة المحرجة على أنظمته حول انكفائها عن مقاومة إسرائيل وإحجامها عن دعم المقاومة بحجة أن العرب غير مستعدين ولا يمتلكون إمكانات المواجهة.

فهل هو سوء حظ بعض الأنظمة العربية وخاصة النظام المصري أن تصاعدت وتيرة غليان الشارع العربي في وجهها وهناك احتمال أن يحدث تغيير حقيقي على الأرض في حال استمرت إسرائيل بارتكاب المجازر؟ أم هو سوء طالع الكيان الصهيوني بأن أعاد الصراع إلى مربعه الأول من جديد، ولم يعد يتكلم الشارع العربي ولا حركات المقاومة ولا حتى بعض الأنظمة العربية (حتى لو متاجرة بالدم الفلسطيني) عن سلام مع إسرائيل وعن حدود 67، بل عن قضية وجود إسرائيل بحد ذاته. أعتقد أنه خطأ في حسابات محور الاعتدال الصهيوعربي؟

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *