ماذا قبل؟*

لا شك أبدأ بأن الجميع يتفق على الرغبة باستعادة الجولان المحتل ليعود إلى حضن سوريا الأم. لكن هل الأمر بهذه البساطة؟ نخوض المعركة (سلمياً أو حربياً) لنستعيد الجولان ثم ننشغل مرة أخرى بتصريف أيامنا؟ بالطبع لا، فلا نكاد ننتهي من التعبير عن تلك الرغبة حتى يتبادر إلى ذهن الكثيرين منا السؤال المقلق.. ماذا بعد؟ وتبدأ الانقسامات، بين مطالب بتحرير فلسطين التاريخية، ومن يسألك عن معنى أو عن حدود تلك الفلسطين التاريخية، وبين من يكتفي بتحرير أراضي فلسطين التي احتلت في حرب حزيران، ومن يطالبك بالتعامل بواقعية مع الوضع الحالي…الخ. حسناً، لنسلم الآن أن الانقسام هذا هو مجرد اختلافٍ في الرأي لا أكثر ولا أقل، فليس هذا مقام الفصل بين هذا القول وذاك. فالانقسام لا يظهر في الحقيقة في الـ “ماذا بعد؟” فقط،  بل الأهم من ذلك عندما نطرح أسئلة الكيف والمتى والأين. أي باختصار، عندما نسأل ماذا قبل؟ وبذلك نكتشف أن الإجماع يحدث على أمر واحد فقط وهو الرغبة في عودة الجولان.

ولا نرمي الكلام جزافاً عندما نقول أن الإجماع يقتصر فقط على تلك الرغبة، لأن واقع الحال يقول أن قلة قليلة فقط تعلم عن ماذا تتكلم! بالتأكيد يعلم الجميع أن المقصود هو الجولان، والكثيرون يعلمون أنه الجزء الجنوبي الغربي من سوريا، نقطة انتهى. ولا أدل على شح معرفة الناس بقضية الجولان من شح المصادر العربية، أو الأجنبية المكتوبة بأيدٍ عربية، حول هذه القضية. فإن كان المفكرون والمثقفون والكتاب عازفون عن الخوض في تجربة الجولان، فهل ننكر ذلك على بقية الناس (العامة بلغة العرب والأمريكان)؟

إذاً، الـ “ماذا قبل” تعني معرفة قضية الجولان، هكذا بكل بساطة! ولا بد لتلك المعرفة أن تلقي الضوء على كثير من جوانب الأسئلة المتعلقة بالـ “ماذا بعد”.

ربما تشكل المعلومات الأساسية حول الجولان من حيث جغرافيته وبيئته ومساحته وتاريخه (بعد الميلاد) وتنوع وتوزع سكانه وأهميته الإستراتيجية، أكثر المعلومات سهولة للتجميع والأكثر انتشاراً بلغات عدة والأكثر وضوحاً وقابلية للإثبات على الأرض، لذلك هي خارج السياق هنا. لكن الجدير ذكره في هذا السياق أن الجولان أو مرتفعات الجولان أصبحت بعد حرب حزيران تشير إلى أرض مختلفة قليلاً عن تلك التي كانت تشير إليها قبل الاحتلال. فبعد الاحتلال أصبحت تعني تلك المنطقة المحتلة من سوريا من قبل إسرائيل(1)، أما قبل ذلك فقد كانت تدل على منطقة أكبر من ذلك تشمل مساحات إضافية أخرى من كل من سوريا وفلسطين.

ومن البديهي أن ننتقل في تجربة المعرفة تلك إلى السؤال عن حدود الجولان، لنفاجأ فوراً بوجود عدة جولانات. الجولان الطبيعي، الذي يمتد جبل الشيخ  شمالاً إلى نهر اليرموك جنوباً ومن نهر الأردن غرباً إلى سهول حوران شرقاً، وبمساحة إجمالية تقدر بحوالي 1800 كم². ثم بدأت تتغير الحدود الغربية للجولان وبالتالي تتغير معها الدلالة، ليشير الجولان أخيراً إلى تلك الرقعة المحتلة من قبل إسرائيل والتي تقدر مساحتها بحوالي 1200 كم² (2). ومازال الخلاف قائماً بين ما يسمى دولة إسرائيل وسوريا حول ما تمثله حدود الرابع من حزيران وخاصة فيما يتعلق بوجود جزء من بحيرة طبريا ضمن الحدود السورية أم لا.

وأثناء دراستنا لتاريخ حدود الجولان تصادفنا الخرائط المختلفة، والتي يبين بعضها الحدود التي تختلف من تاريخ إلى تاريخ، وبعضها يركز على التضاريس من حيث المناخ والموقع الاستراتيجي والبعض الآخر على الثروات الطبيعية والمائية. لكن جميع الخرائط تتفق على تجاهل الإنسان، وليس الخرائط فحسب، فمعظم الأدبيات العربية والإسرائيلية والإنكليزية وغيرها تتحدث عن كل شيء إلا الإنسان. لقد تحول الجولان إلى شيء ما، منفصل، أخذه أحد ما منا عنوة، وتعلقنا به لسبب ما ربما نعرفه وربما لا، ونبحث عن طريقة ما لاسترجاعه، وكثيراً ما استخدمناه بطريقة ما في شعار ما لتحقيق هدف ما. نسينا أن نسأل، من يعيش هناك غير المستوطنين اليهود؟ وكيف؟ وماذا يعملون وكيف يستطيعون تسيير أمورهم اليومية في ظل الاحتلال؟ هل تأقلموا معه أم تأقلم الاحتلال معهم أم يتعرضون للمضايقات المختلفة؟ كيف يقاومون وما هي أشكال المقاومة؟ ما حال أسراهم ومن هم؟ كيف يعبرون عن شؤونهم وشجونهم؟ بالفن؟ هل لديهم مسرح، ممثلون مخرجون، رسامون، مطربون؟ آلاف الأسئلة يجب أن نطرحها حول ذلك الإنسان القابع في ظل الاحتلال، الذين نريد نظرياً أن نحرر الأرض لأجله.

إذاً، جغرافيا وتاريخ و إنسان ثم امتداد طبيعي وتاريخي وإنساني… ثم حدود! بين ماذا وماذا؟ وكيف تحول الامتداد إلى حدود؟ لم يكن يوماً هناك حدود بين سوريا وفلسطين فقد كانتا جزءً مما يسمى سوريا الطبيعية أو سوريا الكبرى. وتم اقتسام الكعكة بين بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية وخروج الإمبراطورية العثمانية مهزومة ومنهارة منها. فبدأ رسم الحدود بين أناس لم يعرفوا سوى علاقة الجوار والتداخل مثلهم مثل أي جماعة أخرى تعيش على أرض واحدة أو أرضين إحداهما امتداد للأخرى. وإن كان هناك بينهم تقسيمات ما، فهي لم تكن سوى إدارية. وبالتالي لم يكن وضع الحدود بناءً على رغبة ومصالح سكان سوريا الطبيعية (3)، بل بحسب تغير مصالح الدول التي لها مطامع في هذه الأرض. ولنفترض أن وضع الحدود هو من مصلحة كلاً من الجزء الجنوبي الغربي (فلسطين) والشمالي الشرقي (سوريا)، فلماذا نتفاوض مع إسرائيل حول الحدود وليس مع فلسطين؟ ومن هي فلسطين؟ ومن هي تلك التي تسمى بدولة إسرائيل التي نتفاوض معها؟ لو كنا نتفاوض مع فلسطين لاختلف الأمر، ولما اختلفنا مع أهلنا في الطرف الآخر من الحدود على بضعة كيلومترات، ولما كانوا هم حاولوا حرماننا من مياه طبريا، ولما خضعت المفاوضات لحسابات حربيةإستراتيجية. إن التفاوض مع الطرف المحتل يجب ألا ينطلق من رؤية براغماتية لمسألة تحرير الأرض، لأن مسألة الحق في الأرض مسألة لا تخضع لأي حسابات زمنية مؤقتة، بل إنسانية وتاريخية وحقوقية قبل كل شيء. لأننا إذا تفاوضنا مع إسرائيل حول الحدود فهو اعتراف ضمني مبدئي بشرعية إسرائيل مشروط بإعادة الجولان إلى سوريا. هذا الاعتراف المبدئي يعني أحد أمرين، الاعتراف بسلطة الأمر الواقع في فلسطين، وبالتالي يمكننا يوماً ما تقبل الاعتراف بسلطة الأمر الواقع في الجولان، أو الاعتراف الحقيقي بشرعية إسرائيل وبتبريراتها لهذه الشرعية والتي تستخدمها ذاتها تقريباً في تبرير قانون ضم الجولان لعام 1981 وفي مطالبة الأمم المتحدة بالاعتراف بشرعية الضموالذي يؤدي إلى اعترافنا دون قصد بشرعية ضم الجولان إلى إسرائيل باستخدام نفس المنطق والذي بدوره يفقدنا أي حق بالمطالبة بحبة تراب واحدة.

لنفترض أيضاً أن التفاوض مع إسرائيل لتحرير الجولان ينطلق من حقنا في تحرير أرضنا المحتلة، ولا علاقة لنا بأراضي الآخرين التي تفصلها عنا حدود فرضها علينا الأمر الواقع بشكل أو بآخر، كما أنه لا مفر أبداً من التفاوض على الحدود مع المتحكم بتلك الحدود ليس بالغير قادر على التحكم حتى في مورد رزقه. إذاً يجب أن نتفاوض مع إسرائيل. حسناً، وربما تعيد لنا إسرائيل الجولان. لكن الأهم من ذلك أن إسرائيل ليست سوى كيان طفيلي، كيان وظيفي. يعيش على مأساة الآخرين، وزرع هنا وبيننا لأسباب محددة وبأدوات محددة واستمر إلى الآن بنفس الأدوات. إسرائيل ليست دولة تاريخية، بمعنى ولادتها من رحم محيطها كما باقي دول العالم، بل هي دولة مصطنعة. كل تلك الأسباب وغيرها، تجعل من غير الممكن الاستكانة إلى اعتبارها دولة جارة، لها مصالح مشتركة معنا كما اشتراكنا معها بالحدود. كما أنه من الصعب تصور قبول سكان المنطقة لهذا الكيان الغريب، أي إقامة علاقات سياسية واقتصادية مريحة، ناهيك عن العلاقات الثقافية والاجتماعية، مما يعزز إحساس إسرائيل بالغربة في محيطها وبالتالي عدوانيتها مما يؤدي إلى تدني الشعور بالثقة تجاهها. وكل ذلك لأن الشعوب هي التي تحكم وتقيم العلاقات على أرض الواقع وعلى المدى الطويل وليس الحكام المؤقتين.

وبالاستمرار بنفس الفرضية السابقة، يجب علينا أن نلحظ وضع مسار القضية الفلسطينية في مركز الحسابات، ليس فقط من الناحية الإنسانية والتاريخية والحقوقية، بل من الناحية البراغماتية أيضاً، لأننا نتفاوض مع كيان لا نعرف مصيره فعلياً، هل سوف يعمر؟ هل سوف يزول؟ هل سوف يلغى ما كان يسمى يوماً ما بفلسطين؟ هل سوف يصل الإسرائيليون والفلسطينيون إلى حل دولتين أم دولة واحدة؟!

هل مازلنا نعتقد أننا يمكن أن نحرر الجولان مع كل هذا الجهل؟

فلنتعلم أولاً…

الهوامش:

* لا يقوم هذا المقال سوى طرح عشرات الأسئلة والتلميح إلى أسئلة أخرى لتشجيع تعميق البحث في قضية الجولان. كما يحاول تقليب بعض أوجه القضية دون الخوض في تفاصيلها العميقة. وبالتالي لا يتوقع منه الإجابة على أي سؤال، وإن حاول ذلك فسيكون باختصار شديد. وسوف تلاحظون بعض الاقتضاب وربما عدم وضوح بعض الأفكار، وذلك يعود إلى عدم رغبتي في الإطالة كثيراً على القارئ، ولأن الموضوع عملياً بحاجة لتأليف كتاب وليس مجرد مقال وأخيراً وهو الأهم حاجتي إلى تعميق اطلاعي على التفاصيل ومن مصادر مختلفة.

(1). أينما وردت كلمة إسرائيل فهي تشير إلى ذلك الكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين وجزء من سوريا، أو تشير إلى ذلك الكيان كمؤسسة قانونية، أو ككيان معترف به دولياً بما يسمى بدولة إسرائيل، أو تشير إلى كليهما معاً

(2). لمزيد من التفاصيل أحيلكم إلى ويكيبديا وإلى مقال هام بعنوان The making of borders لكاتبه يادين رومان. وقد راجعت وتأكدت بنفسي من صحة المعلومات التاريخية المذكورة حول تفاصيل تغير حدود الجولان في هذين المقالين.

(3). لست هنا في معرض تأييد أو رفض أي فكرة من قبيل القومية العربية أو سوريا الطبيعية أو الدولة الوطنية…الخ. بل مجرد نقاش فكريتاريخي.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *