ليلى البرادعي والشيزوفرينيا العربية

تناولت العديد من الصحف المطبوعة ومواقع الانترنت صوراً لعائلة محمد البرادعي المدير العام السابق لهيئة الطاقة الذرية والمرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة المصرية القادمة. تتضمن هذه الصور بعض اللقطات مما قيل أنه حفل زفاف ابنته ليلى، وصوراً أخرى لها بلباس البحر وأخرى للعائلة وأمامهم كؤوس من المشروبات الروحية. وعلق البعض بأنها صور مسيئة لعائلة البرادعي، كما علق آخرون بأنها تتنافى مع القيم الأخلاقية للمجتمع المصري وأنها  تتعارض مع المشاعر الخاصة للمصريين! ومن جهته فقد اتهم البرادعي النظام المصري بوقوفه خلف الحملة بهدف تشويهه باعتماد الكذب والافتراء. وقد نشرت هذه الصور لأول مرة على صفحة فيس بوك بعنوان اللي اختشو ماتواأسرار البرادعي والنبيذعائلة البرادعي“.

من حيث الشكل، ربما هي حملة خفية لتشويه صورة البرادعي أمام الشعب المصري، وربما يقف النظام المصري وراء هذه الحملة أو ربما هناك جهات أخرى لا علم لي بها. ومن نفس الحيثية الشكلية لا أستطيع تأييد أو عدم تأييد البرادعي كمرشح في انتخابات الرئاسة المصرية القادمة، لأني مجرد مراقب عن بعد للشأن السياسي المصري الداخلي، بالرغم من أني أتمنى أن تتحقق المطالب السبعة التي أطلقتها الجمعية الوطنية للتغيير التي يرأسها محمد البرادعي.

أما مضمون الحدث فيمكن مناقشته في ثلاثة مداخل:

علاقة المايوه بالسياسة

سأل أحدهم في المجموعة تعليقاً على صورة زوجتا جمال وعلاء مبارك دول بينزلو البحر لبسين ايه؟

من المستغرب حقاً أن يتم ربط الحياة الخاصة جداً لأحد السياسيين وبين قدرته على تحقيق التغيير والإصلاح. ربما يجادل البعض بأن الحياة الخاصة للشخصيات العامة وتحديداً السياسيين منهم هي ملك للجميع طالما أنه يضع نفسه في موقع يتحدث ويتصرف فيه باسم الآخرين (الشعب). وللرد على مثل هذا المنطق يجب أن نميز بين تفاصيل الحياة الخاصة. فهناك ما هو على علاقة بالعام وما هو خاص بصورة مطلقة. فإن ادعى وزير التربية على سبيل المثال أنه ضد ضرب الأطفال في المدارس في الوقت الذي يقوم هو نفسه بضرب أطفاله في المنزل، فهذا يشكل فضيحة زوجات أبناء مباركأخلاقية كبرى يجب أن تؤدي إلى سقوط هذا الوزير. أما أن نتجسس على لباس ابنة أحدهم وماذا تأكل عائلته وماذا تشرب فهذا الأمر غير مفهوم. بل يثير سؤالاً في غاية الأهمية: ماذا نريد؟ يبدو أننا لا نريد حقاً تجاوز جهلنا وتخلفنا الثقافي والعلمي والاقتصادي وحل أزماتنا من رغيف الخبز وصولاً إلى انعدام البحث العلمي. بل جل ما يهمنا أن نحكم من قبل من نرضى عن ملبسه ومأكله ومشربه وليأخذنا بعدها إلى الجحيم. وهل نضمن أن من يرضينا في مظاهر حياته في العلن أنه حقاً يؤمن ويطبق هذه السوكيات عندما يكون بعيداً عن أعيننا؟ نحن نعلم جميعاً في قرارة أنفسنا أن الحقيقة عكس ذلك، وكل ما يدعيه معظم المسؤولين والسياسيين من تقىً ومن حرص على العادات والتقاليد هو محض كذب، لكننا نقبل بذلك طالما أنه لا يخرج إلى العلن ولايجرح كرامتنا المهترئة التي لا يمسها الذل اليومي الذي نتعرض له أثناء الذهاب إلى العمل وفي العمل وعندما نحار بكيفية تأمين لقمة العيش والعناية الطبية والمسكن لأسرنا. جوهر هذه الحادثة ليس مرتبطاً بالمصريين وحدهم، بل هي حالة عربية عامة، نجد جذورها في ثقافة مجتمعاتنا التي  تقتات على الكذب والنفاق صباح مساء!

كما تكونوا يولى عليكم

بداية، ولأننا نتحدث في بعض أمراضنا، فأريد أن أستفتي رمضان البوطي حول شرعية استخدامي لهذا العنوان الفرعي، وأن يمعن النظر في رؤاه إن كان مقالي هذا سوف يسبب بزمجرة إلهية ربما تخسف الأرض بي وبمن يوافقني الرأي.

على كل حال،نلاحظ في المقلب الآخر أن إحدى الصور تظهر البرادعي يقرأ القرآن! وما الغريب في ذلك؟ فالشعوب المنافقة لابد أن يكون حكامها وسياسيوها منافقون على شاكلتها. يريد أن يقول البرادعي للمصريين أنه مؤمن ومسلم حق، ليس لشيء سوى ليشتري أصواتهم في الانتخابات الرئاسية. والثمن أوضح من الشمس: القرآن!

قد يدافع أحدهم عن البرادعي بقوله أن الناس تريد هذا والدليل هو التعليقات التي صدرت على الصور موضوع المقال، ولو أن الناس تأخذ بالعمل لا بالقول لما اضطر البرادعي إلى تصوير نفسه على أنه مؤمن تقي. ولكن مهلاً، من غير المقبول أن يتنطح أحدهم للتصدي لمهمة كبيرة مثل البرادعي يقرأ القرآنالتغيير وهو يخضع لذات العقلية التي هي أحد الأسباب الرئيسية لما نحن عليه. فواجبه أولاً أن يكون شجاعاً ويتحدى هذا المنطق في حساب الصالح والطالح في شؤون البلاد والعباد. فإن عمل بصدق على فهم الواقع ووضع البرامج المناسب لتجاوزه، دون اللجوء إلى الكذب والنفاق، ولم يقم الناس وزناً لعمله هذا فعندها نقول أنهم لمّا يصلوا بعد إلى اللحظة التي يدركون فيها مصالحهم الحقيقة، وربما لا يكون ذلك في زمنه!

موقف الأخوان المسلمين

لطالما كان لدي تحفظ على تيارات الإسلام السياسي وتحديداً الأخوان المسلمون. فهم يعلنون في أدبياتهم وبصورة غير قابلة للتأويل رغبتهم بالعودة إلى نظام الخلافة الإسلامية، في نفس الوقت التي يدعون فيه إلى الديمقراطية لاستخدامها مطية للوصول إلى الحكم.

هذا الرأي نجده في موقف الأخوان المسلمين من قضية نشر الصور الخاصة بعائلة البرادعي. وقال الأخوان عبر موقعهم الناطق باللغة الانكليزية أن الحرية والديمقراطية أهم من بكيني ليلى البرادعيلكنهم سرعان ما أعلنوا أن الشعب المصري المحافظ لن يتسامح مع وجود البرادعي بعد هذه التصرفات المشينة“. فهم من ناحية مضطرون لاتخاذ موقف حاسم من محاولات تشويه سمعة الرجل الذي بدأ يحظى بشعبية ملحوظة، ولكنهم ومن ناحية أخرى يلمّحون أن الشعب المصري لن يقبل به بعد هذه التصرفات المشينةوبالرغم من أنهم قالوها على شكل حقيقة، إلا أنها تبطن التمني. وخاصة أن الناطق الرسمي للأخوان المسلمين صرح بأنهم لا يدعمون شخصاً بعينه وإنما يتفقون مع المطالب التي أطلقها البرادعي لتحقيق الإصلاح السياسي“.

أوليست هذه هي الشيزوفرينا بعينها؟ أم أن لها اسم آخر؟

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *