قصة الكهرباء في سوريا بين الأرقام والتصريحات

دعونا نسير قليلاً على حبال تصريحات المسئولين السوريين المعنيين بمعضلة الكهرباء في سوريا ونقارنها مع الأرقام التي وردت في تقرير مؤسسة توليد الطاقة الكهربائية لعام 2008. فبالرغم من شح المصادر لجمع المعلومات لكن يمكننا استكشاف غيض من فيض الإهمال المستشري في وزارة الكهرباء والمؤسسات التابعة لها.

في تحقيق لسيريانيوز أجراه جديع دواره ونشر بتاريخ 30 حزيران 2007 يجيب مدير مؤسسة توليد الطاقة الكهربائية هشام ماشفنج على مجموعة من الأسلئة حول أسباب التقنين وجعل أولها ارتفاع درجات الحرارة حيث تنخفض قدرة المحطات على توليد الطاقة الكهربائية. كما يحدد السيد هشام السبب الثاني بأنخفاض منسوب مياه سدي تشرين وبحيرة الأسد الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض القدرة التوليدية للمحطات. ويعزي السبب الثالث إلى عدم توفر الكميات المطلوبة من الغاز اللازم لتشغيل المحطات التي تعمل على الغاز. لكن المهندس عماد خميس مدير كهرباء ريف دمشق يتمادى أكثر من سابقه ليلقي بالمسئولية على عاتق المواطن الذي لا يمتلك وعياً كافياً لكيفية ترشيد استخدام الطاقة الكهربائية ويستخدم أدوات كهربائية غير خاضعة للمقاييس السورية مثل المكيفات وغيرها.

أما وزير الكهرباء العتيد وبتاريخ 12 كانون الأول 2008 فيلقي باللوم على انخفاض درجات الحرارة التي تسبب ازدياد استهلاك المواطنين للكهرباء لأغراض التدفئة بالإضافة إلى تعطل مجموعتي توليد وصعوبة تأمين الغاز وانخفاض ضغطه لتشغيل محطات التوليد الغازية وانحباس الأمطار على حساب غزارة ومنسوب السدود التي تساعد في توليد الطاقة الكهربائية.

لكن هذا الوزير وبعد بضعة أشهر فقط وتحديداً في شهر تموز من هذا العام يعود ليلقي باللوم على الأحوال المناخية ويقول أن سبب التقنين هو ارتفاع درجات الحرارة ولكن هذه المرة بتفسير آخر، فعلى خلاف السيد هشام الذي ربط ارتفاع درجات الحرارة بانخفاض قدرة المحطات على التوليد، ربطها السيد الوزير بزيادة استهلاك المواطنين للطاقة لأغراض التبريد.

وهنا أقدم لكم خلاصة الأرقام وبعض الحسابات الخاصة بإنتاج واستهلاك الطاقة في سوريا قبل المضي في كشف إهمال المسئولين.

أولاًتقدم محطات التوليد التابعة للمؤسسة العامة لتوليد الطاقة الكهربائية 90% من إجمالي إنتاج الطاقة كما  وتساهم المؤسسة العامة لسد الفرات بـ 7% ووزارة النفط بـ 3% من إجمالي الإنتاج.

ثانياًذروة استهلاك الطاقة الكهربائية (ميغا واط)

31/12/2008

31/12/2007

18/12/2006

27/12/2004

20/12/2004

6715

6566

6214

6008

5770

ثالثاًمنحنيات ذروة الاستهلاك

لا يوفر التقرير سوى خطين بيانيين يوضحان ذروة استهلاك الكهرباء بحسب الشهر والاسبوع، ويمكننا من خلالهما تبيان أن استهلاك الطاقة الكهربائية يزداد في شهري كانون الأول وكانون الثاني وينخفض من شهر شباط حتى شهر حزيران ويكون في المتوسط في شهري تموز وآب ويبلغ ذروته الدنيا في شهر تشرين الأول.

رابعاًالانتاج الإجمالي (غيغا واط ساعي) من عام 1998 حتى عام 2008 مع نسبة الزيادة عن السنة السابقة:

٪

2001

٪

2000

٪

1999

1998

6

26712

10.5

25217

7.8

22819

21159

٪

2005

٪

2004

٪

2003

٪

2002

8.9

34935

8.6

32077

5.4

29533

4.8

28012

٪

2008

٪

2007

٪

2006

6.1

41023

3

38644

7.6

37504

خامساًعدد المشتركين (ألف مشترك) من عام 1998 حتى عام 2008 مع نسبة الزيادة عن السنة السابقة

٪

2001

٪

2000

٪

1999

1998

3.8

3339

3.8

3217

4.3

3098

2969

٪

2005

٪

2004

٪

2003

٪

2002

5.9

4136

4

3905

7.3

3752

4.7

3497

٪

2008

٪

2007

٪

2006

7.5

4997

5.6

4650

6.3

4402

نسبة زيادة الانتاج السنوي إلى زيادة عدد المشتركين (٪).

2008

2007

2006

2005

2004

2003

2002

2001

2000

1999

1998

0.81

0.54

1.2

1.5

2.15

0.74

1.02

1.8

2.76

1.81

لنفند الآن ادعاءات المسئولين أعلاه:

قال السيد ماشفنج أن أحد الأسباب هو انخفاض منسوب المياه في الأنهر التي في فصل الصيف، مع العلم أن السدود لا تساهم سوى بـ 7% فقط من إجمالي الانتاج! فلنفترض وفي أسوأ الحالات أن قدرة التوليد تنخفض بنسبة 50% فهذا يؤدي انخفاض الانتاج بنسبة  3.5% وإذا أردنا التساهل مع السيد ماشفنج ومن ثم نترجم هذا الرقم إلى تقنين مباشر فيجب ألا يزيد التقنين عن ساعة واحدة في اليوم كأقصى حد وخلال شهرين من الصيف فقط وهما تموز وآب فقط حيث ترتفع درجات الحرارة بشدة مما يؤدي إلى انخفاض منسوب المياه فعلياً. لكن ألا يعلم السيد ماشفنج أن منسوب المياه سوف ينخفض؟ هل كانت مفاجأة له ولمدة عام واحد فقط؟ فلماذا التساهل معه إذاً ولما لا يتفضل ويتعب نفسه قليلاً ويعمل تعويض هذا النقص في الانتاج من مصادر أخرى خلال فترة الصيف؟ وهل فوجئ السيد ماشفنج أيضاً أن قدرة محطات التوليد تنخفض مع ارتفاع درجات الحرارة مع العلم أن ذروة الاستهلاك ليست في الصيف بل في شهر كانون الأول من كل عام؟ فإن كان كان يعلم فهذه مصيبة وكلامه مردود عليه وكفاه استخفافاً بعقول الناس وإن كان لا يعلم فهذه مصيبة أكبر بكثير ويجب أن نسأل عن اختصاصه وكيف تم تعيينه في هذا المنصب ومن قام بذلك؟ أما بالنسبة لعدم توفر الغاز اللازم لمحطات التوليد فلماذا لا يتم تأمين الكميات الكافية ومن هو المسئول عن ذلك؟ وألا يعرف السيد ماشفنج ماهي حاجة محطات التوليد من الغاز؟

أما السيد عماد خميس، فسوف أحترم نفسي ولن أرد عليه وسوف أكتفي بأن يكون جريئاً كما تجرأ على المواطن بتصريحه هذا ويكشف عن الأدوات الكهربائية الموجودة في منزله ومصدرها والمقاييس التي تخضع لها!

أما المضحك المبكي في الأمر أن السيد وزير الكهرباء يلقي باللوم مرة على ارتفاع درجات الحرارة ومرة على انخفاضها مما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك.

ومنحنيات ذروة الاستهلاك تبين لنا أن كل ما يقال عن زيادة الاستهلاك في فصل الصيف ليس لها أساس من الصحة لأن مستويات الاستهلاك من شهر حزيران حتى نهاية أيلول تكون في المتوسط وتنخفض إلى مادون المتوسط في فصلي الربيع والخريف أما الذروة الحقيقية فهي في شهرين كانون الأول وكانون الثاني. أما أن يعتبروا أن المتوسط هو عندما أدنى مستوى للاستهلاك ويدعون أن الاستهلاك زاد في فصل الصيف فهذا ليس من البداهة في شيء.

ونلاحظ من الجداول أن نسبة زيادة الانتاج في عام 2007 هي فقط 3%! وهذا أقل ما يقال عنه أنه إهمال لأنه لم يراعي أبسط رقم محصل عليه من السنة السابقة وهو نسبة زيادة عدد المشتركين في عام 2006 والبالغ 6.3، أي أن أي شخص غير مختص سوف يسعى لتكون زيادة الانتاج بنسبة 6.3% في عام 2007! هذا دون الأخذ بعين الاعتبار باقي العوامل الأخرى التي يجب أن تدخل في عملية التخطيط وأهمها زيادة الاستثمارات في سوريا وفتح الأسواق أمام المنتجات الكهربائية وليس آخرها تغير أنماط الاستهلاك!

ربما العام الوحيد الذي يمكننا أن نغفر به لوزارة الكهرباء بعض التقنين هو عام 2003 عندما وفد مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين نتيجة احتلال العراق، حيث زاد عدد المشتركين بنسبة 7.3 عن العام 2002، وهي في الحقيقة زيادة مفاجئة مربكة، أما نسب الزيادة في باقي السنوات فهي طبيعية ومنطقية ولا يمكن السماح بأخذها حجة للتقصير في العمل وخاصة أن نسبة زيادة الاستلاك ترتبط مباشرة بزيادة عدد المشتركين ولكن ألا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أمران: الأول أن زيادة عدد المشتركين لا ترتبط فقط بنسبة زيادة عدد السكان، والثاني أن زيادة الاستهلاك لا ترتبط فقط بزيادة عدد المشتركين. وأهم سبب في ذلك هو تغير أساليب الأنتاج وتغير أنماط الاستهلاك وخاصة في فترة تحول اقتصادي واجتماعي تعيشه سوريا في السنوات السابقة ومازالت. أي أن الأزمة سوف تتعمق أكثر بكثير في السنوات التالية إن لم يتم العمل إلى إيجاد حلول فورية وناجعة وطويلة الأمد. وربما يخبرنا الجدول الأخير كثيراً عن هذا الأمر إذ أن زيادة الانتاج بالنسبة لزيادة عدد المشتركين لم تكن منطقية أبداً وغيرمقبولة فهي تتراوح في كثير من الأحيان بين 0.54 و 1.2 وخاصة في العامين الأخيرين وهذا الرقم غير كاف أبداً لتغطية الاستهلاك.

الخلاصة أن المسئولين عن مسألة الكهرباء في سوريا وفي كل مرة (وأصر في كل مرة) يظهرون وكأنهم متفاجئون بتغير درجات الحرارة في الصيف وفي الشتاء ويجعلونها مبرراً لتقصيرهم في العمل، وكأنهم يتوقعون أن تكون درجات الحرارة نفسها على مدار العام أو أنهم يتوقعون أن لا يستخدم المواطن أي شيء للتدفئة أو التبريد خلال الشتاء والصيف. لنفترض أن مديراً لشركة ما تعمل في سوريا اشترى مولداً للكهرباء لتلافي الخسائر الناتجة عن التقنين وأوكل مهمة متابعة شئون هذا المولد لأحد الموظفين وفي كل مرة يقطع فيها التيار الكهربائي لا تعمل المولدة إما لأنها معطلة أو لعدم وجود الوقود لها وعندما يسأله المدير يقول له: تفاجأت بانقطاع التيار الكهربائي! فماذا نتوقع من هذا المدير أن يفعل؟

ولا ننسى طبعاً، قبل أن نختم، امتعاض السيد رئيس مجلس الوزراء من هذه الفوضى الكهربائية فقد أمر وزير الكهرباء بتحديد جدول للتقنين والالتزام به، وبناءً على هذا الأمر سارع وزير الكهرباء إلى حل المعضلة الكهربائية بأن قرر إصدار مثل هذا الجدول ونشره في جميع الصحف الرسمية الأمر الذي سوف يساعد على جدولة خسارة المواطنين وخسارة الاقتصاد الوطني وزيادة قرفهم وإحساسهم بانعدام كرامتهم..

المصادر:

تقرير المؤسسة العامة للكهرباء لعام 2007

تقرير المؤسسة العامة للكهرباء لعام 2008

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *