في المعارضة السورية

ليس من العدل، بحقنا نحن المواطنون السوريون، شن الحملات يومياً على النظام السوري بما يمارسه من تسلط واستبداد أدى إلى فقدان كل أمل في الإصلاح والتغيير. لا نسمع سوى بيانات وشجب وتنديد من هنا وهناك ضد ممارسات النظام بحق الشعب وبحق المعارضين وأصحاب الرأي الآخر وفي أحسن الأحوال دعوات وبرامج خجولة للتغيير. لكن، هل المعارضة منزهة عن الخطأ وتسلك الطريق الصحيح نحو التغيير؟

انقسم الشعب السوري كنتيجة لإقصائه عن الحياة السياسية والشأن العام إلى قسمين: الأول مازال خاضعاً للماكينة الإعلامية للنظام ومصدقاً لما تروجه من أقوال وأفكار حول القضايا السياسية الداخلية والخارجية وفي بعض الأحيان حول الإصلاحات الخلبية في المجال الاقتصادي. أما الثاني فقد بدأ يصدق كل ما تقوله المعارضة السورية كرد فعل عاطفي تجاه تدهور الأوضاع المعيشية وفقدان مصداقية الإعلام التابع للنظام، وأصبح يضفي مسحةً من القدسية على رجالات المعارضة ومواقفهم. بل والأسوأ من ذلك أصبح، للأسف الشديد، من دواعي الوجاهة الاجتماعية الادعاء بالانتماء إلى المعارضة تنظيمياً أو فكرياً أو بالأحرى كلامياً، فأنت مثقف لمجرد أنك معارض. لم يعد التدقيق في الأقوال ومقارنتها مع الأفعال أحد الطرق المهمة التي يجب أن يسلكها المواطن في سبيل تحديد موقفه من هذا الطرف أو ذاك في قضية معينة، بل أصبح الحدس والاعتماد على تجارب سابقة هو الحكم الفاصل في تبني المواقف.

نحن بحاجة اليوم إلى مراجعة لعمل المعارضة السورية بل وأيضاً إلى التدقيق في أهداف أطرافها المختلفة المعلنة والغير معلنة. فالهدف ليس المعارضة من أجل المعارضة بذاتها، بل من أجل إحداث التغيير الضروري ليعيش المواطن حقوقه كاملة دون انتقاص في جميع المجالات. هذه المراجعة ضرورية ،من جهة أولى، لتصويب عمل المعارضة ودعمها معنوياً وفكرياً باتجاه إتمام عملية التغيير المنشودة بأقل خسائر ممكنة وبأفضل الطرق، ومن جهة أخرى لحماية أنفسنا من الفخ الذي ينصبه لنا بعض الوصوليون الذين دأبوا على ركوب الموجة السائدة لتحقيق مطامعهم الشخصية في الوصول إلى السلطة.

من هذا المنطلق أود هنا طرح رأيي بكل صراحة ووضوح ودون مواربة، من باب حق إبداء الرأي في القضايا التي تمسني بشكل مباشر كمواطن سوري، ومن خلال مراقبتي للأحداث التي تمر بنا بشكل يومي.

انعقد المؤتمر الثاني لجبهة الخلاص الوطني منذ بضعة أيام فقط وقرأت بيانها الختامي على موقع “عفرين نت” بعد بحث طويل عن هذا البيان يوم الثلاثاء الماضي والذي أثار استغرابي هو عدم نشر هذا البيان حتى تاريخ كتابة هذه السطور على الموقع الرسمي لجبهة الخلاص، وهنا إشارة استفهام كبيرة. القطبان الرئيسيان لهذه الجبهة هما عبد الحليم خدام أحد أعمدة النظام لحوالي أربعين عاماً وصدر الدين البيانوني المرشد العام للإخوان المسلمين في سوريا. ليس من المنطق أبداً غض الطرف ونسيان تاريخ خدام وجماعة الإخوان المسلمين في سوريا والقول عفا الله عن ما مضى. فلا يمكن لخدام إقناعي بأنه تغير بين ليلة وضحاها ونسف كل بنيته العقائدية وتبنى الديمقراطية فجأة. لا أجد فيه سوى شخص يريد السلطة بأي شكل من الأشكال وشاءت الأقدار أن ينفصل عن النظام بسبب خلافات شخصية ومصلحية أو بسبب انتهاء مدة صلاحيته كنائبٍ للرئيس، فلم يعد أمامه سوى الخروج من سوريا والعمل ضد النظام السوري، وليس مطالبته بالديمقراطية سوى مطية يركبها أملاً بالعودة إلى قيادة البلد من جديد. لو أنه اعترف بتاريخه النضالي في سبيل الوصول إلى بضعة مليارات الدولارات التي يمتلكها لكان في الأمر نظر. أما بالنسبة لجماعة الأخوان المسلمين، فلا أعتقد أن أحداً نسي فترة أحداث الثمانينات التي قاموا خلالها بقتل المدنيين من الشعب السوري تحت ذرائع مختلفة، طبعاً لست هنا بصدد الدفاع عن النظام، فكلاهما ارتكب أبشع الجرائم بحق الشعب السوري. لست أبداً من مؤيدي ربط الأفعال بالماضي دائماً والدوران حول نفس النقطة دون تجاوزها، ولكن ورغم تأكيدات جماعة الإخوان المسلمين المتكررة على تبنيهم الديمقراطية كخيار وطني، إلا أننا لم نلاحظ اعترافاً واضحاً من قبلهم بأخطاء الماضي ولم نلاحظ أيضاً في أدبياتهم المختلفة أن الديمقراطية والمواطنة أصبحت من صلب بنيتهم الثقافية والأيديولوجية. يبقى الأهم من تاريخ هذا وذاك هو الحاضر. ماذا قدمت جبهة الخلاص إلى الآن؟ لا شيء على أرض الواقع سوى بيانات وتصريحات هنا وهناك كالبيان الخاص بأحداث غزة والترحيب بقرار مجلس الأمن بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة قتلة رئيس مجلس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (أصبح الجميع تواقين لمعاقبة قتلة الحريري، وتناسوا كل المآسي التي يعاني منها الشعب العراقي والشعب الفلسطيني، أو في أحسن الأحوال يذكرونها بشكل خجول) أو البيان الخاص باغتيال وليد عيدو. نلاحظ قاسماً مشتركاً في البيانات السابقة جميعاً، وهو التشابه الكبير بين اللغة التي تستخدمها هذه البيانات ولغة بيانات البيت الأبيض!!! لا بأس بالطبع أن تتشابه بل وتتطابق وتتقاطع بعض التوجهات والأفكار، ولكن كل البأس في أن تصل إلى حد التماهي لكن بإضافة بعض المنكهات العربية البسيطة في ما يخص القضية الفلسطينية والعراقية كرفع للعتب. مع كل هذا الصخب في البيانات نجد ما يسمى بالمشروع الوطني للتغيير وبرنامجه التنفيذي. مجرد كلمات عامة، أكاد أجزم بأن كل مبتدئ في السياسة يستطيع صياغة برنامج مشابه له، حتى أننا نجد في هذا البرنامج الكثير من الشعارات التي تعودنا على سماعها من النظام نفسه سابقاً. كما ويمكننا ملاحظة بعضاً من الخطاب السياسي الذي يروج له البيت الأبيض من مثل “وقف سياسات الاستحواذ على الأشقاء العرب والكف عن التدخل في شؤونهم…”. يمكن أن يعترض أحدهم ويقول: لا يمكن الخوض في التفاصيل في البرامج والبيانات فهذا برنامج سياسي يحدد الأهداف والخطوط العريضة فقط، ومن جهة أخرى، لا يحق لك مصادرة حريتهم في التعبير عن رأيهم تجاه ممارسات النظام وكيفية صياغة العلاقات المستقبلية مع الدول العربية الأخرى. هذا الاعتراض محق تماماً من الناحية الشكلية. لكن ما أطالب به كمواطن سوري، تحاول الكثير من الجهات أن تنصيب نفسها كناطق باسمي، أن أعرف مصدر هذا البرنامج كملخص لجهد كبير من المفترض أن تلك الجهات قد قامت به. أي بعبارة أخرى أين الدراسات والمراجعات التاريخية والسياسية وحتى الاقتصادية التي قامت بها للوصول إلى تلك الخلاصة؟ دون تلك الدرسات تغدو جميع البرامج عبارة عن تنسيق لبعض الكلمات والتوجهات السياسية التي ترضي جميع الأطراف المشاركة بها والأطراف التي تستجدي دعمها للوصول إلى غاياتها. والسؤال الذي يتبادر إلى ذهني عند الحديث عن إحدى شخصيات أو تجمعات المعارضة: هل يحق لهذا التجمع ممارسة العمل السياسي والدخول في معركة الانتخابات في حال حدث التغيير المطلوب؟ أعتقد بالنسبة لجبهة الخلاص كجهة اعتبارية، بأن لها كل الحق في ذلك، ولا يجب محاكمتها على النوايا، ولكن في الجهة المقابلة من حقنا وواجبنا التساؤل عن النوايا بناءً على المعطيات التي ذكرتها لتوي.

لنتطرق إلى مثال آخر في حديثنا عن المعارضة، وهو محمد مأمون الحمصي. أؤكد مرة أخرى على رفض مقولة عفى الله عن ما مضى، فالتدقيق في تاريخ الشخصيات والمنظمات والدول يساهم إلى حد كبير في فهم الخط البياني الذي تسير عليه الأقوال والأفعال والتي من خلالها نتمكن من استقراء الأهداف المستقبلية. لنسأل مأمون الحمصي، أين كان وماذا كان يفعل قبل دخوله البرلمان السوري؟ من كان شركاؤه وحلفاؤه ولماذا اختلف معهم؟ وكيف وصل إلى البرلمان وما هي الأسباب الحقيقية وراء نقمة النظام عليه وتوجيه التهم المختلفة له والتي أدت إلى سجنه؟ لا أريد هنا نشر الشائعات ولكن يجب علي طرح مثل تلك الأسئلة بعدما تطابقت الأخبار التي سمعتها من أكثر من مصدر من أقاربه حول طبيعة أعماله وتجارته وتحالفاته السابقة. لنهتم هنا والآن بالحاضر والتساؤل عن طبيعة العمل المعارض الذي يقوم به. لم أستطع إيجاد أي عمل ذو طبيعة سياسية حقيقية لنقول عنه أنه معارض أو موالي. فمن خلال بحثي عن مواقف مأمون الحمصي وأعماله لم أجد سوى بعض البيانات والمقابلات الصحفية التي نشرت معظمها إن لم يكن جميعها على موقع شفاف الشرق الأوسط. لم أجد في هذه البيانات سوى السعي الحثيث لاستجداء الاعتراف به من قبل البيت الأبيض عن طريق التبني الكامل لجميع مقولاتها حول النظام النظام السوري وعلاقته بالوضع الإقليمي المتأزم، ومن خلال توجيه الرسائل المختلفة إلى منظمة الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية. ولكن أكثر ما يلفت النظر هو دعوته الصريحة والمباشرة لشن الحرب على سوريا. وهذا ما قاله حرفياً في البند الثالث من رسالته الموجهة إلى منظمة الأمم المتحدة، حيث يطلب منها: إنشاء قوة دولية رادعة لعصيان النظام للقرارات الدولية ومواجهة ممانعته لتنفيذها، ومواجهة برنامجه التخريبي في المنطقة قبل تنفيذه، تمهيدا لإسقاطه وسوقه للعدالة وتحرير الشعب السوري من ظلمه.

هذه الرسالة منشورة على الموقع المذكور بتاريخ 20-تموز-2007 تحت عنوان “موقف دولي مسؤول أم دمار قادم”. ويفسر هذا الطلب بشكل أكبر إحدى الجمل التي قالها خلال لقاء صحفي سابق مع جريدة السياسة الكويتية والتي قال فيها: الادارة الاميركية تعترف بانها اخطأت في العراق. ولكن في كل وقت وكل ساعة لا يمكن انهاء مشاكل المنطقة, الا بان يتصدى المجتمع الدولي باكمله والولايات المتحدة لاستئصال هذا النظام وسوقه الى العدالة. ولا يتم هذا الامر الا بالقوة, لكن خشيتنا الا يحصل دمار لهذه الدول يكفي ما تعرضت له هذه المنطقة.

هذا اللقاء منشور أيضاً على نفس الموقع بتاريخ 1-تموز-2007 تحت عنوان “نظام دمشق مصنع للإرهاب”.

في الحقيقة لا أرى في هذا الشخص سوى طامح لأن يكون أحمد جلبي سوريا. لا يمكننا في حالة مأمون الحمصي الدفاع عنه اعتماداً على مقولة حرية التعبير عن الرأي بأي شكل من الأشكال، حيث أكرر بأنها دعوة واضحة وصريحة لشن حرب على سوريا واحتلالها من قبل الولايات المتحدة. إنها خيانة وقحة، ولا يجوز التعامل معه أبداً كمعارض سوري، بل يجب محاكمته في أقرب فرصة ممكنة حتى لو تغير النظام السوري وحدث التغيير الديمقراطي المطلوب.

المثال الثالث في معرض الحديث عن المعارضة السورية، هو الأحزاب والشخصيات المنضوية تحت إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. للعديد من هذه الأحزاب والشخصيات تاريخ عريق في العمل السياسي يعود في بعض الأحيان إلى خمسة عقود خلت. فالديمقراطية والحرية تشكل أحد المكونات الأساسية التي نلاحظها بوضوح عند التدقيق في أدبياتها وإطارها الفلسفي، مثل الأحزاب المكونة للتجمع الوطني الديمقراطي. يجمع هذه الأحزاب والشخصيات جديتها في النضال في سبيل الانتقال إلى نظام ديمقراطي، بالرغم من اختلاف مشاربها الفكرية، حيث نجد فيها الماركسي والاشتراكي والليبرالي. لكن هذه المعارضة مازالت ضعيفة وغير قادرة حتى الآن على التأثير في موقف المواطن السوري ناهيك عن إحداث التغيير الذي تطمح إليه في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. ويمكننا التماس العذر لها في التضييق الذي تتعرض له من قبل النظام من خلال الحرب الإعلامية عليه والاعتقالات المستمرة بحق شخصياتها. لكن هذا لا يعفيها من مسؤوليتها تجاه المواطن السوري التي حملتها على عاتقها. فهناك الكثير من نقاط الضعف التي تعانيها في آلية تنظيم عملها المعارض وخصوصاً طريقة التعاطي مع النظام كأيدولوجيا وممارسة، بالإضافة إلى عدم قدرتها على التواصل مع المجتمع وتكوين قاعدة شعبية تستند إليها وتعمل لأجلها من أجل تحقيق الغاية. الحديث عن هذه المعارضة التي أعتبرها بذرة معارضة حقيقة يحتاج إلى مواضيع خاصة بها للبحث فيها، وهناك أكثر من نقطة يمكن التعليق عليها في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. وأكتفي هنا بالقول بأن هذه المعارضة بحاجة إلينا كما نحن بحاجة إليها، فلا يكفي عقد الأمل عليها في تحقيق الحلم الديمقراطي، بل واجب علينا دعمها من خلال مشاركتها عملياً أو معنوياً، ومن جهة أخرى من خلال إغناء عملها بالأفكار والنقد لمساعدتها على فهمنا كمواطنين سوريين وإدراك حاجاتنا الحقيقة لصياغة برنامج عمل بحجم الطموح والمسؤولية.

في الختام، يجب أن نصر ونعمل على الانتقال إلى نظام ديمقراطي يعتمد المواطنة كأساس له ومحمولاً من الداخل ومن خلال نضال الشعب السوري، وليس طارئاً قادماً من الخارج، حتى لا نخضع لأجندات الدول الأخرى، ولنكون مستحقين لهذه الديمقراطية وقادرين على الحفاظ عليها وتطويرها.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *