فعل بناء المواطنة وعدم حتمية انتصار الثورة السورية

كان بيت الشعر لأبي القاسم الشابي “إذا الشعب أراد الحياة يوماً فلا بد أن يستجيب القدر” إحدى العلامات التي طبعت الثورة التونسية وكان حاملاً هاماً من حوامل الانتصار على نظام بن علي. وألهبت هذه الثورة وهذا البيت الشعري عواطف الشعوب العربية وحركت فيهم التوق إلى الحرية والانتعاق من الظلم والاستبداد. إلا أن هذا البيت يضمر نوعاً من الحتمية التاريخ لانتصار الشعوب إن هي أرادت الحياة. فهل إرادة الحياة شرط لازم وكاف لاستجابة القدر؟

لا يمكن للظلم أن يستمر، ولا بد للشعوب أن تستعيد قرارها وكرامتها: هاتان حتميتان تاريخيتان نتفق عليهما جميعاً إن كنا من أنصار الفلسفة المادية التاريخية الماركسية أو من أنصار المثالية الهيغلية أو من أنصار إحدى الديانات التي تتمحور حول ثنائية الخير والشر. لكن السؤال الأهم: متى؟ هل إن أراد الشعب الحياة الآن تصبح استجابة القدر حتمية وتحصيل حاصل؟ ربما مثال الانتفاضة البحرينية هي الجواب على ذلك!

سوريا ليست تونس ومصر بكل تأكيد، أصبح ذلك جلياً بعد أول أسبوع من عمر الثورة السورية وبشر عديدون بذلك قبل انطلاق الشرارة من حوران. الاختلاف ليس بطبيعة الظلم والاستبداد، بل بطبيعة المعركة التي يجب أن يخوضها الشعب لانتزاع حريته والتي تعود إلى طبيعة سوريا نفسها وطبيعة النظام الذي وضع أسسه بناءً على قراءة ذكية للواقع السوري. ليس ذكاء النظام هو من يمكن أن يفوت الفرصة على الشعب بتحقيق الانتصار، ولا بطشه اللامتناهي أيضاً، بل الأمر منوط بنا نحن السوريون بكل انتماءاتنا لنضع أسس الانتصار وأسس سوريا الغد.

التحدي الأكبر الذي تواجهه الثورة السورية هو عدم انضمام الطوائف الأخرى الأقل عدداً إلى صفوف المنادين بالحرية. ولنكن صريحين مع أنفسنا، ما زال الطابع السني يطغى على هذا الحراك (يوجد الكثير من الطوائف والأديان الأخرى منخرطة بالانتفاضة لكنهم لا يمثلون نسبة معتبرة من طوائفهم)، هذا لا يعني أنه يجب على كل ملايين الشعب السوري أن تخرج إلى الشوارع وتنادي بالحرية. ومهما ازداد عدد المتظاهرين تبقى الانتفاضة منقوصة في حال عدم تلونها بألوان الطيف السوري كله ويصبح هناك خطر حقيقي على انتصارها. هل قلنا مواطنة؟

المواطنة ليست مجرد “صفنة” فكرية، أو وحي يأتي من السماء. نظّر كثيرون للمواطنة كفعل نمارسه في حياتنا اليومية وطالبنا به ليكون ناظماً للحياة السياسية والاجتماعية والقانونية، إلا أنها وكما بدأ يتضح جلياً خلال الانتفاضة السورية أنها فعل بناء قبل أن تكون فعل ممارسة. إنها لحظة التوازن بين مصالح فئات مختلفة عقائدياً وفكرياً، هي اللحظة التي تلتقي فيها مصالح جميع الفئات معاً دون استثناء أحد على أي قاعدة كانت.

كنت أتحدث إلى أحد المتظاهرين قبل أسبوعين حول خوف الطوائف الأخرى من نتائج الانتفاضة السورية فقال لي بالحرف الواحد “يحق لكل من يحمل الهوية السورية أن يحكم سوريا، إن كانت مسيحياً أو سنياً أو علوياً، المهم أن ننتخبه نحن”. وهذا الرجل ليس مفكراً ولا كاتباً وإنما صاحب بقالية، إنه ببساطة مواطن سوري. لا أدعي أن الجميع يفكرون بنفس الطريقة، ربما لا يكون هذا المتظاهر هو القاعدة، لكني أعتقد أنه ليس استثناءً أيضاً ويمكن الانطلاق من هنا لبناء مواطنيتنا التي هدمت على أيدي النظام خلال أربعة عقود من الاستبداد.

حكم النظام السوري سوريا على أساس طائفي وقبلي مغلف بطبقة علمانية كاذبة. تعمد تخويف الطوائف والأديان الأقل عدداً (وخاصة الطائفة العلوية) وأوهمها أنه يحمهيها من الطائفة السنية ذات الأغلبية العددية، وساعده على ذلك تبني العديد من التيارات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي للفكر السلفي الجهادي المبني على أسس طائفية هو أيضاً. ونحن اليوم أمام مفترق طرق من تاريخ سوريا، فإما أن نستطيع (معاً) بناء دولة المواطنة أو لا نعلم أين نحن ذاهبون. هناك مسافة اليوم بين جميع الطوائف، والمسافة أكبر بين الطائفة السنية وباقي الطوائف والأديان الأخرى، واليوم أمامنا فرصة تاريخية ربما لا تعوض على المدى المنظور. أمام الجميع اليوم الفرصة ليخطو خطوة إلى الأمام باتجاه الآخر لنصل إلى نقطة التلاقي، إلى نقطة الاعتراف الكامل والعملي (ليس قولاً فقطبالآخر، إلى المواطنة.

صحيح أن المطالب الأساسية للاحتجاجات هي الحرية والكرامة ورفع الاستبداد السياسي والأمني، إلا أنها ما زالت محصورة نسبياً بالطائفة السنية ولم تنجح إلى الآن بكسب التأييد الكامل والانخراط الفعلي من قبل الطوائف الآخرى. لذلك عليها أن توضح موقفها من حقوق تلك الطوائف. الثورة ليست حقوق فقط، بل هي( مصالح) أيضاً. يعيش الجميع اليوم حالة الانغلاق السياسي ذاتها، لا أحد يحلم أن يصبح رئيساً لسوريا، ولا أن يتبوأ منصباً ما بغير اتباع منطق الزبائنية السائد، لكن بالإضافة إلى ذلك فإن الطوائف الآخر اليوم تعيش (أو تتوهم أنها تعيش) حالة من حماية المصالح والوجود وهي تعيش بشكل فعلي حرية الممارسة الدينية والاجتماعية. فإن نجحت الثورة اليوم فما هي مكاسب هذه الطوائف من وجهة نظرها؟ لن تكون قادرة على شغل مواقع المسؤولية وأولها رئاسة الجمهورية وهذا هو الوضع اليوم بطبيعة الحال. أي أنها لن تكسب سوى هامشاً صغيراً في المجال السياسي، ولكنها بنفس الوقت سوف تغامر بحرية الممارسة الدينية والاجتماعية. أي أن احتمالات الخسارة بالنسبة لها أكثر من احتمالات الربح. فما هو المطلوب اليوم؟

يجب الاعتراف بشكل واضح غير قابل للتأويل بمعنى الدولة المدنية التي يريد المنتفضون الوصول إليها. وأهم علامات المدنية هي الاعتراف بأحقية أي مواطن سوري، بغض النظر عن أي انتماء آخر، بأن يكون رئيساً لسوريا. وأن يتم التأكيد على حرية الممارسة الدينية والاجتماعية (لا تكفي حرية الممارسة الدينية فقط). لن يقبل الميسيحي أو غيره أن يقال له: يحق لك هذا ولا يحق لك ذلك. وفي المقابل على الطوائف الأخرى اليوم الاعتراف بحجم الجريمة التي يقوم بها النظام بحق المتظاهرين وعدم الاختباء وراء تبريرات واهية لتصديق ما يروج له الإعلام الرسمي من أكاذيب تهين دم الشهداء أولاً وتهين كل سوري ثانياً. وبالتالي الانخراط بشكل فعال بهذه الانتفاضة ليشاركوا بأيديهم ببناء مستقبل سوريا.

هي ليست خارطة طريق أو اتفاقية يجب على أحد أن يقوم بالخطوة الأولى تجاه الآخر، بل هي خطوات على الجميع القيام بها تجاه الآخر الآن وبسرعة لإنقاذ سوريا من الوقوع في المحظور. وهذا المحظور لا يتلخص فقط بانتصار آلة قتل النظام على المتظاهرين، بل هناك محظورات أخرى يمكن أن تطفو إلى السطح حتى وإن سقط النظام.

فهل نسيطيع بناء مواطنة لم يعرفها تاريخ الإنسانية بعد؟

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *