عملان إرهابيان في زيوريخ وبرلين

قام رجل يقود شاحنة باقتحام سوق الميلاد في برلين يوم أمس الاثنين ١٩ كانون الثاني، قتل ١٢ وجرح حوالي ٥٠ شخصاً. وفي نفس اليوم دخل رجل على مركز إسلامي في مدينة زيوريخ السويسرية وقام بإطلاق النار على الناس هناك متسبباً بجرح ثلاثة أشخاص. ووجدت الشرطة السويسرية جثة قتيل بالقرب من المركز الإسلامي لم يتبين بعد علاقتها بحادث إطلاق النار. رجحت مصادر الشرطة ووسائل الإعلام أن يكون العمل الأول إرهابياً، بينما تتحدث وسائل الإعلام عن العمل الثاني بوصفه حادث إطلاق نار.

وصلت الجرائم ضد أماكن الإيواء لطالبي اللجوء في ألمانيا إلى ١٠٣١ جريمة خلال عام ٢٠١٥ بحسب تقرير منظمة العفو الدولية. كل هذه الجرائم لم توصف بالأعمال الإرهابية، والعديد منها لم يوصف حتى بجريمة كراهية. في المقابل فإن جرائم مشابهة لها مثل هجوم الفأس في القطار في فورتسبورغ يوصف بعمل إرهابي حتى قبل أن يتبناه تنظيم داعش مع العلم أن تبني داعش لأي عمل إرهابي لا يعني أنها فعلاً تقف خلف هذا العمل بل قد تكون تستثمره لإثارة المزيد من الرعب حولها، وخاصة أن وسائل الإعلام تنساق خلف هذه الدعاية وتعززها. فما هي المعايير التي تستخدم لتحديد الأعمال الإرهابية؟

Dyess and Abilene Regional airport firefighters team up to extinguish an aircraft fire during a joint training exercise here Nov 5. Firefighters from ABI are required by the Federal Aviation Association to be proficient in extinguishing aircraft fires. By inviting them onto the base, Dyess firefighters facilitate a means to achieve their annual training and foster a working relationship. (U.S. Air Force Photo/Airman 1st Class Chelsea Cummings)

Dyess and Abilene Regional airport firefighters team up to extinguish an aircraft fire during a joint training exercise here Nov 5.

يبدو من خلال السياق السابق أن كل عمل إجرامي يقوم به مسلم ضد عموم الناس فهو عمل إرهابي بالضرورة، وتزداد ردود الفعل الإعلامية عندما يكون الضحايا غربيين أو مسيحيين (العمل الإرهابي الذي استهدف الكنيسة المرقصية في القاهرة على سبيل المثال). هذه الملاحظة لا تنطبق فقط على الإعلام الغربي، بل تحتل هذه العمليات مساحة واسعة من تغطيات وسائل إعلام عربية تمثل أنظمة داعمة للتيار المتطرف الإسلامي. ولا يمكن تفسير سلوك وسائل الإعلام العربية هذه إلا بالنفاق للغرب.

هذا المنطق في المحاكمة يؤدي إلى القول بأن كل مسلم هو إرهابي محتمل. لكن بالعودة إلى التاريخ الأوروبي الحديث نلاحظ أن المنطق نفسه جعل كل الإيرلنديين الشماليين الكاثوليك إرهابيين محتملين. هذه الإحالة الخاطفة إلى التاريخ ربما تكشف شيئاً من ملامح المنطق الذي يحكم على طبيعة الهجمات ضد عموم الناس. إنه منطق لا يحكمه القانون والأخلاق، بل تحكمه الميول الدارجة بخلفية سياسية ترتكز على الخوف والتخويف، وتدعمه ماكينة إعلامية فضائحية غير مسؤولة. في هذه الحالة فإن كل جريمة كراهية أو عمل إرهابي يرتكبه مواطن غربي ضد آخرين قد تحال إلى الاضطراب السلوكي، أما المسلمون الذين يرتكبون ذات الأعمال فلا يمكن أن يكونوا مضطربين سلوكياً، بل هم بالتأكيد إرهابيون، وخاصة إن تبنى تنظيم داعش الجريمة وإن لم تكن له بها أي صلة.

في كل جرائم الكراهية والأعمال الإرهابية هناك فاعلون قد يكون الاضطراب السلوكي هو السبب الرئيسي لارتكابهم الجريمة. وهناك ضحايا صفتهم الوحيدة غالباً أنهم سيئوا الحظ حيث وجدوا في زمان ومكان الجريمة. والأهم أن هناك مستفيدون يتلاعبون بآثار الجريمة ويتبادلون المنافع. تترجم الأعمال الإرهابية التي يرتكبها مسلمون إلى أصوات إضافية في صندوق الانتخابات لمتطرفي الغرب وصندوق مشروعهم في الإنغلاق على الذات. والأعمال الإرهابية ضد المسلمين، في الغرب وفي بلادهم، والتغاضي الممنهج عن تلك الجرائم تترجم إلى المزيد من الشباب الذين يتم تجنيدهم في صفوف التنظيمات الإرهابية لصالح مشروعها المعادي لكل آخر.

لسوء الحظ، أو لحسن تدبير الإرهابيين، فإن هذه الجرائم تأتي في الوقت الذي عاد بعض التعاطف من المجتمع الغربي تجاه ضحايا إرهاب من نوع آخر غير معترف به دولياً: إرهاب نظام الأسد وإيران وروسيا. وتأتي في ذروة الألم وفي اللحظة التي بدأ بعض السوريين بالبحث عن طريق لاستعادة ثورتهم وفي اللحظة التي وقف فيها الأوروبي مع السوري جنباً إلى جنب ضد جرائم الحرب والإرهاب الذي يمارس ضد سكان حلب ليدفعوا كلا الطرفين لينفضوا عن بعضهم البعض.

المزيد من الكراهية تعني المزيد من الاستقطاب والمزيد من المكاسب لكل المتطرفين على اختلاف أشكالهم. أما الضحايا فهم نحن في كل مكان من زيوريخ وبرلين وباريس والكرك والقاهرة إلى الموصل وحمص وحلب.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *