على دروب الحرية

في شباط ٢٠١١ كنت أدور في أزقة دمشق الفرعية باحثاً عن مكتب صغير بغرفتين ليكون أول مقر لشركتي الخاصة التي حلمت بها كثيراً. كان عمري حينها ٣٢ عاماً، وكنت أخطط لتقاعد مبكر بحدود الخامسة والأوربعين من عمري لأتفرغ للعمل في الشأن العام. كنت قد قررت الاقتراب من تخوم النظام قبل سنوات، بخطىً هادئة مبتدئاً بالتدوين وغيره من النشاطات المدنية. كان مهماً بالنسبة لي أن أتعلم وأفهم وأكتسب الخبرة قبل الانخراط الجدي في هذا العمل. وقبل كل شيء كان تأسيس الشركة بالنسبة حجراً أساسياً لحماية عائلتي من مخاطر هذا الاقتراب، ولدعم استقلالي الكامل بقراراتي.

آذار ٢٠١١ ألغى كل الحسابات وجعلها في مهب الريح. لم تعد مسألة الحماية الشخصية أو التفكير بحماية العائلة أمراً ذا معنى. كانت المسألة، بحسب تقديراتي الساذجة، مسألة شهور أو عامين على أبعد تقدير، فإما أن أموت خلالها أو أعود بعدها إلى خطتي مع بعض التعديلات.

بداية عام ٢٠١٤، اتخذت قراراً نهائياً بمغادرة سوريا إلى ألمانيا فور خروجي من السجن. كنت قبلها قد قررت الذهاب إلى دوما أو حلب، في حال خروجي طبعاً. أما بعد اختطاف رزان وسميرة وناظم ووائل في دوما، والتضييق والطرد الذي تعرض له الثوار غير المسلحون في حلب، أصبح هذا خياراً مستحيلاً بالنسبة لشخص عنيد مثلي. ومع قرار السفر إلى ألمانيا، عدت مجدداً للتفكير بخطة الشركة.

كانت الأخبار التي تصلني إلى سجن عدرا عن الثورة والثوار تؤلمني وتثير أعصابي. كان حجم التبعية الإرادية وغير الإرادية، المتذاكية والساذجة، يتزايد باستمرار. اتضح عسكرياً من خلال التحكم بحركة الفصائل والتوقف المفاجئ لساعات الصفر بعد الثانية العاشرة، والتحكم بمن يكون الأقوى بين الفصائل بحسب أيديولوجياتها. واتضح كذلك مدنياً بالتحكم بالمشروعات التي يُصرف من خلالها الدعم المقدم للسوريين. عاينت صحة هذه الأخبار، بل والأسوأ منها، بعد خروجي من السجن وتمضية ثلاثة شهور في مدينة غازي عنتاب.

في ٢٠١٤ قررت العودة إلى خطة الشركة لأنني أرفض بشكل قطعي الحصول على أي مقابل عن أي عمل أقوم به للثورة أو مقابل أي كلمة أكتبها. لن أقع فيما وقع به الآخرون مضطرين. ليس فيما أكتبه الآن أي مزايدة على أي ثائر يتقاضى أجراً من منظمة أو فصيل أو وسيلة إعلامية. لم تكن قراراتهم خاطئة أبداً، ولم تكن لديهم خيارات أخرى فيما ذهبوا إليه. ولا يحق لأحد أن يحاسبهم على ما فعلوه (فيما يخص هذا الأمر فقط)، ولكنهم يستحقون الحساب على الكثير مما فعلوه لاحقاً والكثير مما لم يفعلوه، ولهذا مقام آخر. ولست أزايد على أحد، لأن اعتقالي منحني فرصة الابتعاد عن الثورة قسرياً، ولو لم أعتقل لاتخذت قراراتي بناءً على الأحداث المتسارعة والحاجات الآنية مثلما فعل الآخرون. لكن انقطاعي لمدة طويلة جعلني أمتلك رفاهية التحكم بخياراتي بكيفية العودة.

اليوم أنجزت أول مشروع لي في مجال تخصصي الذي أحب. وفي الأيام القادمة أنهى مشروعاً آخراً صغيراً. وخلال الشهور القليلة القادمة أكون قد انتهيت من تأسيس شركتي الخاصة في ألمانيا في مجال تكنولوجيا المعلومات برأسمال يبلغ صفر يورو بالإضافة إلى عقلي. وأعد أنني خلال عام سوف أساعد اثنين/اثنتين على الأقل على الخروج من وطأة انتظار التمويل من الداعم وتمكينهم بتفريغ نصف وقتهم للثورة تطوعاً، بشرط أن يقوما/تقوما بالمثل مع آخرين/أخريات. أقطع هذا العهد على نفسي على الملأ لأحاسب نفسي عليه بعد عام. بالطبع أقوم الآن ببعض الأمور البسيطة فيما يخص الثورة، لكن ذلك يتناسب مع مقدار الاستقالية التي أمتلكها الآن كوني ما زلت أعتمد بالجزء الأكبر من معاشي على الدعم الذي تقدمه الحكومة الألمانية للعاطلين عن العمل. وسوف أستعيد استقلالي كاملاً قريباً. ألم أقل لكم أن لدي رفاهية التحكم بخياراتي نسبياً؟

لا أقدم كشف حساب لأحد، أو ربما أفعل، لا أعلم. المهم، أنني أجدد اليوم، بمناسبة ذكرى استشهاد مصطفى قرمان، العهد الذي قطعته له ولكل شهداء الثورة السورية. وأقول لكثيرين كفى ندباً، فالثورة مستمرة وروح الثورة تفصح عن نفسها كل يوم في حلب وإدلب وحمص والغوطة والحسكة ودير الزور، وحتى في واشنطن! اعملوا فما زال طريق الثورة طويلاً. لدينا أحلام كبيرة بحجم الوطن، ليس بحدوده الجغرافية التي لن نعلم الآن مآلاتها، وإنما بمعناه الجدلي في وعينا.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *