سوريا… إلى أين؟

كنت معتاداً أن أتردد إلى مقاهي دمشق القديمة منذ أكثر من عشر سنوات عندما لم يكن هناك سوى بضع مقاهي معدودة على أصابع اليد الواحدة، إلى أن دخلت أنا وصديقي قبل عامين إلى أحد تلك المقاهي “عالبال” والذي (كان) عزيزاً على القلب، وفوجئنا أن المسؤول عن حجز الطاولات رفض استقبالنا لأننا فقط لسنا (عائلات) أي لا يوجد برفقتنا إناثاً! استشطنا غضباً وشعرنا بإهانة شديدة وقررنا عدم العودة إلى هذا المقهى مرة أخرى، لكن الأمر لم ينته هنا، بل رفضت كل المقاهي استقبالنا لنفس السبب (وقاطعت مقاهي دمشق القديمة منذ ذلك الحين إلا في حالات الضرورة). ناقشت الأمر حينها مع صديقي ثم لاحقاً مع آخرين، وكنت أقول أن إعلام البترودولار خرب عقول الناس وجعلها فارغة ومحشوة بكل تفاهة من الأغاني الهابطة إلى التعصب الديني. وبررت للحكومة سكوتها عن هذا الأمر أنه ليس من عادتها أن تهتم لشؤون الناس ما لم يكن للقائمين عليها مصلحة شخصية مباشرة. لكني واثق الآن أن تقديراتي وتوقعاتي كانت خاطئة تماماً.

قبل شهرين من الآن تقريباً تسرب مشروع قانون الأحوال الشخصية المقيت، وأقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متطرف وطائفي وذكوري وحاقد على كل تاء تأنيث. وكنا على قناعة تامة أن المعركة لم تنته بعد مع أولئك الأصوليون المتطرفون الذين بثوا فكرهم الظلامي والتكفيري في كل كلمة تألف منها هذا القانون وبدعم حكومي رسمي. وها هي الأمانة السورية للتنمية التابعة نظرياً لوزارة الشؤون الاجتماعية للعمل وعملياً لرئاسة مجلس الوزراء تأخذ قراراً (بحسب موقع نساء سوريا) بطرد خمسة من كبار الخبراء المتعاقدين معها لصالح الهئية السورية لشؤون الأسرة بعد مضي أقل من شهرين على تجديد عقدهم السنوي ومن دون أن يكلفوا أنفسهم بتبرير هذا التصرف، وما ذنب هؤلاء إلا أنهم عارضوا مشروع قانون الأحوال الشخصية وقبل ذلك تقدموا بمشروع قانون عصري لحقوق الطفل ومشروع قانون النفقة والتكافل الاجتماعي (بالتعاون مع الاتحاد العام النسائي).

قرأت ذلك الخبر اليوم أولاً على موقع كلنا شركاء ورافقه خبر آخر على نفس الموقع، ليس أقل منه سوءً من حيث المضمون والتحليل النهائي، يقول بأن فرع نقابة المحاميين في دمشق يمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في القاعة الكائنة بجانب وزارة المالية المخصصة للمناسبات! نعم هكذا، إن المحاميين الذين جرت العادة أن يقودوا الحركة الفكرية والحقوقية والسياسية في جميع بلدان العالم يصبحون في سوريا أذناباً تابعة لسلطة ديكتاتورية فاسدة ولبعض أصحاب العمامات البيضاء الذين اختاروا السواد لوناً لقلوبهم وعقولهم.

يبدو أن القرار قد اتخذ قبل سنوات للتحالف، أو التواطؤ على أقل تقدير، مع المتطرفين من رجال الدين (ونسائه) لإحكام القبضة على السوريين من كل الجهات، فمن الإفقار والإفساد ومحاصرة الشعب في لقمة عيشه وفي كل تفاصيل حياته من ماء وكهرباء وهواء وخنق كلمته وحريته إلى تجهيله وتكفيره وإفراغ المجتمع من كل قيمة أخلاقية وثقافية.

لكن هيهات أن ينجحوا في تحقيق مآربهم، فلن نغادر سوريا وسوف نبقى شوكة في حلوقهم جميعاً مهما طال الزمن ومهما رموا من قذاراتهم في سوريتنا ليطردوننا منها وسوف نستمر بتنظيفها ونعلم أبناءنا وأحفادنا السبيل إلى تنظيفها حتى يفهموا أن سوريا ليست لهم وحدهم، بل هي سوريا لكل أبنائها مهما اختلفت عقائدهم الشخصية الدينية وانتماءاتهم السياسية وأصولهم العرقية.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *