سبع سنوات أخريات 2/2

قبل البدء في الموضوع، أستميحكم عذراً لأمرين، الأول هو تأخري لأكثر من خمسة أسابيع لنشر الجزء الثاني والأخير من هذه التدوينة، إلا أن ارتباطي بموعد لتسليم المرحلة الأولى من المشروع الذي أعمل عليه منذ عدة أشهر جعلني غير قادر على إتمامه قبل الآن. والثاني بسبب طول هذه التدوينة التي حاولت اختصارها قدر الإمكان. وأرجو من الجميع منحي بعضاً من وقتهم والإدلاء بآرائهم، فالهدف هو الارتقاء نحو الأفضل والوسيلة هي التعلم والتلاقح الفكري وتبادل الآراء.

عودة مرة أخرى إلى التساؤلات التي أثرتها في التدوينة السابقة. ماذا حدث خلال الأسابيع التي سبقت وتلت عملية الاستفتاء؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هو التفسير لكل تلك القابلية للتدجين من قبل الشعب السوري؟

في البداية يجب أن أقول أنني لست محللاً اجتماعياً أو سياسياً أو نفسياً، إلا أني في النهاية مواطن سوري أحاول فهم ما يجري من حولي، وخاصة عندما تكون الأحداث مدعاة للدهشة والذهول.

يمكننا النظر إلى أسباب تلك الظاهرة من عدة زوايا، فالأسباب التي أدت إلى ذلك على مستوى النظام تختلف عن نظيرتها على مستوى التجار ورجال الأعمال والمسؤولين وتختلف أيضاً عن تلك على مستوى المواطنين العاديين. هذا التقسيم، وكما سنرى، يظهر أمرين هما الغياب التام للمثقفين السوريين عن جميع المجالات التي يمكن أن ينشطوا فيها، إن كانت سياسية أو حتى اجتماعية وثقافية، أما الأمر الثاني فهو الطلاق ثلاثي الاتجاهات بين النظام وطبقة التجار ورجال الأعمال وباقي المواطنين.

على مستوى النظام

من الواضح أن النظام يعاني من أزمة على المستويين الخارجي والداخلي. فالضغوط الأمريكية والعربية والأوروبية لتغيير سلوك النظام تجاه الملفات المشتعلة في الشرق الأوسط من لبنان وفلسطين والعراق جعلت النظام يزداد قناعة بالإنغلاق على نفسه أكثر من ذي قبل محتمياً وراء شعاراته الأيديولوجية، فأراد النظام من خلال تضخيم ظاهرة الاحتفال بتجديد البيعة للرئيس لولاية جديدة توجيه رسالة إلى أطراف الضغط مفادها أن الشعب السوري ملتف حول قيادته ولا يمكن للقوى الخارجية إخراجه عن هذا الطريق وفك ارتباطه بالنظام، حيث يدعو النظام هذه الحالة بـ “الوحدة الوطنية”!! أما من ناحية الضغوط الداخلية، فقد زاد قلق هذا النظام من تعالي الأصوات من قبل بعض رجالات المعارضة ضاغطة باتجاه إصلاح سياسي جذري يحقق نظام حكم ديمقراطي يشارك فيه جميع فئات الشعب، هذا على الأقل ما يطرحه هؤلاء المعارضون بشكل معلن. وبغض النظر عن مدى اتفاقي أو اختلافي مع توجهاتهم وطريقتهم في إدارة هذا الحراك السياسي، إلا أن الواضح كان وكما قلت هو زيادة قلق هذا النظام من تعالي تلك الأصوات وخاصة مع الدعم المعلن، على الأقل على مستوى التصريحات الرسمية للغرب لمثل هذا الحراك، هذا القلق رأيناه واضحاً من خلال إطلاق العديد من الأحكام بالسجن على مجموعة من المعارضين، ولأسباب مختلفة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مثيرة للسخرية، تتراوح بين ثلاثة إلى اثني عشرة عاماً قبل شهر واحد فقط من موعد الاستفتاء. كانت هذه رسالة أخرى واضحة إلى الداخل تنبهه أن النظام ما زال ممسكاً بزمام الأمور في البلد وخاصة من الناحية الأمنية وأن أي حراك لا يمكن أن يكون إلا تحت مظلمة وموافقة هذا النظام، وأنه هو الوحيد الذي يحدد مدى هامش الحرية المسموح به.

على مستوى التجار ورجال الأعمال والمسؤولين

أولاً، أقصد هنا بالمسؤولين أولئك الذين يعينهم النظام في مواقع إدارة الدولة من مدراء عامين ورجال مخابرات وأمن وإعلاميين رفيعي المستوى وغيرهم.

ثانياُ، فقد وضعت التجار ورجال الأعمال مع المسؤولين في كفة واحدة لأن الطريقة التي يعي كلاً منهم مصالحه مع النظام واحدة بالرغم من اختلاف طبيعة تلك المصالح التي تتداخل فيما بينها من خلال شراكات مباشرة وغير مباشرة. وأريد أن أذكر هنا أن الكثير من رجال الأعمال الحاليين وأصحاب المشاريع الكبير هم من أبناء أو أحفاد أركان النظام الحاليين أو السابقين.

تلك الفئة التي كانت الواجهة المنظورة لتلك الظاهرة الاحتفالية خلال أسابيع الاستفتاء، كان لها عدة أهداف متقاربة إلى حد التماهي. أولها كان الحفاظ على جميع المكاسب التي حصلت عليها تلك الفئة خلال السنوات الماضية والمتمثلة بإطلاق يدها على المشاريع الحيوية في سوريا بشكل احتكاري لا ينافسها فيها حتى الدولة ذاتها، ناهيك عن المستثمرين الأجانب إلا ما رحم ربي. يمكننا من خلال ذلك أن نستنتج أنه من الطبيعي إذاً مقاومة أي فكرة أو حراك يهدف إلى تغيير الوضع الراهن بما فيه من مكاسب وقرصنة لمقدرات الوطن. وبناءً على هذا، فقد احتد التنافس فيما بينهم على اقتناص الفرص لتحقيق علاقات أوسع ولإثبات الولاء العميق، الذي لا يداخله أي شك، لفكر وشخص القائد.

بالإضافة إلى ما سبق، ومن باب تحصيل الحاصل، فإن كل تلك التكاليف التي صرفتها الدوائر الحكومية على مظاهر الاحتفال لم تسلم من المبالغة أيضاً أثناء تسجيلها على الورق، ولا أدل على ذلك من الرقم الذي ذكرته في التدوينة السابقة والبالغ مئة وخمسون ألف ليرة سورية ثمن صورة واحدة فقط لا غير والتي لا يمكن أن يكون ثمنها أكثر من ثلث هذا الرقم في أحسن الأحوال. فكانت تلك الاحتفاليات إذاً باب سرقة مفتوح لكل راغب طموح.

على المستوى الشعبي

يمكننا أن نتفهم بل ونجده من البديهي، على أساس الاستنتاج المنطقي، تلك المبالغات من قبل النظام ورجال الأعمال في تلك الظاهرة، ولكن ما استعصى على فهمي في بداية الأمر والذي ما زلت لا أتقبله إلى الآن هو هذا الانجرار الغير مسبوق للمواطن العادي وذوبانه في ذلك المجون السياسي.

سوف أقسم هذا المحور إلى مجموعة من الفقرات تسهيلاً لمتابعته وربط أفكاره بشكل أفضل:

قناعة البعض بالـ نعم

السؤال الأول الذي يمكن أن يطرح هنا: هل يريد الشعب بشار الأسد رئيساً لسوريا أم لا؟ من المؤكد أني سوف أكون بعيداً جداً عن الموضوعية إن قلت أن كل الشعب السوري أو معظمه حتى لا يريد بشار الأسد رئيساً لولاية ثانية، ولكن يمكنني أن أؤكد هنا قناعتي ومن خلال سماع رغبة كل الذين أعرفهم بأن الغالبية لا تريده. ولكن لماذا يريده البعض، كثر هذا البعض أو قل؟

الشعب العربي عموماً عاطفي بموروثه الثقافي، أو بالأحرى عاطفي بسبب التخلف المعرفي الذي يعانيه. فمن السهل جداً التأثير عاطفياً على أولئك الذين لم ينالوا قسطاً من الثقافة يمكنهم من المحاكمة العقلانية وهي إحدى أهم سلبيات نظم التعليم العربي بالإضافة إلى الثقافة الإسلامية المعتمدة كلياً على النقل لا العقل، أي أن الثقافة المسيطرة على المجتمعات العربية هي ثقافة تلقي منفعلة غير فاعلة. من هنا نستطيع أن نفهم انجذاب بعض السوريين إلى الرئيس بشار الأسد من خلال شكله الذي يوحي بالبراءة إلى حد ما ولا أبالغ إن قلت أن البعض وخاصة من النساء يحبه لطوله وشكله وعيناه الملونتان!!! إن طريقته الفريدة في إلقاء الخطب التي يطغى عليها الارتجال المدروس والانفعال تؤثر مباشرة في الشعب السوري، ويكسبه تأييد الشارع ولو لفترة محدودة، ولا أدل على ذلك من رد فعل الشارع بعد كل خطاب، حيث يتم شحنه بالأمل بمستقبل أفضل على يد هذا القائد ودغدغة شعوره الرجولي والوطني والقومي انتصاراً للقضايا العربية وممانعة لمخططات التآمر التي يرسمها وينفذها الغرب بالتعاون مع العرب “الآخرين”. تنعكس عملية الشحن هذه بتعاظم التأييد الشعبي له بعد كل خطاب قبل أن يعود الناس إلى همومهم اليومية وينسوا كل كلمة قالها في آخر خطاب، لأنها لا تعنيهم في حقيقة الأمر.

في الحقيقة ساهمت الولايات المتحدة بشكل كبير في تشويه مفهوم الديمقراطية والحرية لدى شريحة واسعاً من المجتمعات العربية، بالإضافة إلى تعزيز الخوف من البدائل المحتملة لتغيير أو سقوط الأنظمة الحاكمة. فاحتلال العراق وما أفرزته من تسلط تنظيم القاعدة والمرتزقة الأجانب على رقاب العراقيين، بالإضافة إلى حرب طائفية تحرق كل ما تصادفه في طريقها ولا تميز بين مسلح ومدني وبين طفل وامرأة وشيخ، فالكل معرض للقتل أو التهجير أو الخوف. قالت لي إحدى المعلمات جملة تختصر كل ما يمكن أن يقال: نظام ديكتاتوري خير لي من الجيش الأمريكي أو ابن لادن.

إن أردت توخي الحيادية هنا، فلازم علي القول بأن هناك فئة من الناس تؤيد النظام على قناعة تامة بصحة خيارها بقول “نعم” دون التطلع إلى أي مكاسب شخصية من وراء هذا الخيار. هذا بالطبع أمر طبيعي إن كنا نؤمن بالاختلاف.

ربما يتساءل البعض: لماذا أرجعت رغبة معظم هذا البعض السوري بقول نعم إما إلى خلل في البنية الثقافية للمجتمعات العربية أو خوفاً من البديل المجهول؟ الجواب هو انظروا إلى واقع المواطن السوري وتدهور أوضاعه المعيشية، ناهيك عن انعدام الحريات السياسية والاجتماعية والقمع والفساد، تعرفون أن هناك خللاً ما وراء كلمة نعم!!!

موظفو القطاع العام

من البديهي والغني عن التحليل والتساؤل هنا أن نرى موظفي القطاع العام بكافة فعالياته ترقص طرباً وتفارحاً (التظاهر بالفرح) لمجرد ترشيح الرئيس لولاية جديدة. فالبعض يريد كسب رضا المدير والبعض الآخر يخشى أن يتهم بانتمائه للمعارضة والتي ستكون النتيجة الطبيعية لهذه التهمة هي وضع إشارة استفهام كبيرة حول هذا الموظف وربما تجره إلى أسئلة هو بغنى عن التعرض لها.

المواطن العادي

يمكنني القول هنا: إن سيادة القانون تشكل الضمانة الأساسية لحقوق الإنسان وحرياته وحمايتها، وغياب القانون لا بديل عنه سوى سلطة القهر والقوة التي لا تنتج سوى مجتمعاً خائفاً وضعيفاً ومتخلفاً، أفراده قلقون مذعنون مسلوبو الإرادة.

هؤلاء الأفراد الضعفاء الخائفين، لا يعلمون أن لا أحد يجبرهم على ترك منازلهم والمشاركة في الاحتفالات، إلا أن الخوف والضعف في لاوعيهم يدفعهم لتلافي الشبهات ودرء المخاطر. هؤلاء الأفراد المتخلفين معرفياً وثقافياً وسياسياً وعلى جميع الأصعدة والمكبوتين جنسياً والمتعطشين لأي فسحة فرح، لا يستطيعوا أن يدركوا أن مشاركتهم في تلك الاحتفالات في سبيل الرقص مع الجنس الآخر وحضور الحفلات مجاناً والتي لا طاقة لهم على نفقاتها في الأيام العادية، تدعم ثقة النظام بنفسه وبقدرته على تدجين هذا المجتمع وتحريكه كما يشاء، فيمعن في سلوكه القائم على تقييد الأقلام وتكميم الأفواه التي يمكن أن تنشط يوماً في سبيل الدفاع عن حقوق المواطن السوري المسلوبة بقوة البطش والفساد.

كان من الممكن دراسة كل شريحة من شرائح المجتمع السوري بتفصيل أكبر والتعمق في تقسيم هذه الشرائح لأخرى أصغير في سبيل تعميق فهم ما حصل خلال تلك الأسابيع، ولكن رغبتي في عدم الإطالة أكثر من ذلك منعتني من الخوض في تفاصيل وتقسيمات أخرى. ولكن مازال هناك سؤال في ذهني: أين المثقف السوري في كل هذه المعمعة؟ وهل مازال موجوداً؟

قد يعجبك أيضاً...

1 Response

  1. 3 مارس، 2016

    […] باسم مستعار بلقب الرجل الحر، وكانت أولى مقالاتي عن تجديد البيعة للقاتل. ورغم أن مشكلتي مع نظام الأسد، إلا أني ركزت في كتاباتي […]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *