سبع سنوات أخريات 2/1

مشاعر مختلطة انتابتني خلال عدة أسابيع متتالية. شعرت بالدهشة وبدت على وجهي معالم الذهول والغباء، فلم أعد أفهم ماذا يحدث من حولي! اجتاحتني مشاعر الغضب ثم اللامبالاة بل والشماتة أحياناً. أصبت بشلل تام بكافة أحاسيسي وتلبد جسدي، فلم أعد قادراً على الحراك. شيئين فقط استطعت الحفاظ عليهما يعملان على أحسن وجه، هما أذني وعيني، استطعت أن أتابع كل ما يحدث من حولي وتسجيله في ذاكرتي رغم كل العذاب الذي عرضت نفسي له أثناء تلك المتابعة، حقاً كنت مازوشياً بالاستمتاع بتعذيب نفسي وعدم تفويت أي فرصة لذلك.

تلك الأسابيع كانت فترة المجون الذي شهده الشعب السوري قبل وبعد الاستفتاء على تجديد سبع سنوات أخرى لحكم الرئيس بشار الأسد.

كانت أحداث أشهدها لأول مرة في حياتي رغم أني أتذكر جيداً ماذا كان يحدث من احتفالات بمناسبة تجديد البيعات لوالده حافظ الأسد لتولي الرئاسة مرة تلو الأخرى، ولكن هذه المرة كانت مميزة في كل شيء، بالغ الجميع فيها بكل شيء، ضاربين بعرض الحائط بكل شيء.

قلت مرة لأحدهم بأن هذا الشعب لا يستحق فعلاً أفضل من هذا النظام الذي يحكمه بالحديد والنار، وكنت حينها في لحظة غضب عارمة تبعتها لحظة لامبالاة ومن ثم حالة من الشماتة بهذا الشعب الذي أبى إلا أن يعبر عن أسوء حال يمكن أن يصل إليه الإنسان من العبودية والخوف والنفاق والدجل والفساد. ربما يعترض الكثيرين على قولي هذا، ولكن أريد أن أوضح نقطة مهمة جداً، وهي أني أميز بين شعب تخلى عن حقه في العيش بكرامة وبين حق الإنسان بوصفه كذلك بأن تحترم حريته وتصان كرامته، ولن أخوض في هذا الموضوع كثيراً لإنه بحاجة لصفحات عديدة لمناقشته.

أردت حقيقة من هذا الموضوع أن أثير العديد من التساؤلات التي تجول في خواطر الكثير منا، وجميعها تدور حول “ما الذي حدث؟” ولكن أردت بهذه المقدمة الطويلة أن أنقل بعضاً من تلك الأحاسيس المتناقضة التي اجتاحتني خلال تلك الفترة.

آلاف المضافات استقبلت الزوار والمحتفلين بمناسبة تجديد البيعة. آلاف المضافات نصبت في الشوارع على نفقة رجال الأعمال والمسؤولين. دخل الزوار تلك المضافات طمعاً بالحصول على بعض الطعام المجاني (ثقافة الكسب المجاني) ولا مانع من بعض الرقص على صوت الموسيقى والمغنين وخاصة في حال وجود بعض الفتيات.

قامت العديد من الشركات الكبرى في سوريا وخاصة شركة سيرياتل برعاية العديد من الحفلات وأحياناً غنى فيها نجوم عرب. لم يتوانى السوريون من الاحتشاد في تلك الحفلات المجانية، حتى أن أحدهم قال لي “مو كل يوم منقدر نحضر هيك حفلة ببلاش”، إنها ثقافة الكسب المجاني مرة أخرى على مبدأ المثل القائل “الأطيب من العسل، البصل ببلاش”.

ملايين الصور وعبارات المحبة للرئيس القديم الجديد ملأت الشوارع في كل زاوية من زوايا سوريا. مئة وخمسون ألف ليرة سورية قيمة صورة واحدة للرئيس!!! لجنة المشتريات في إحدى الدوائر الحكومية سجلت هذا المبلغ ثمن صورة غطت واجهة مبنى تلك الدائرة، وهل يستطيع أن يحاسبها أحد على هذا المبلغ؟ فالغالي يغدو رخيصاً فداءً للوطن الذي تم اختصاره بصورة القائد!

مقابلات (عفوية) تلفزيونية مع المواطنين الذي عبروا عن الفرح الذي غمرهم بتجديد البيعة للقائد الأمل ابن القائد الخالد أخو الشهيد الباسل. تحدث الجميع عن إنجازات تمت خلال الولاية الأولى ولكن لم يحدد أياً منهم ماهي تلك الإنجازات! هنا إشارة استفهام بحجم الوطن؟ اكتفى الجميع ببعض الجمل الإنشائية يصفون عظمة تلك الإنجازات التي لم يستطع أي أحد التحدث عنها بالتفصيل لأنهم لم يلمسوها أبداً. تذكرت هنا حادثة حصلت معي عندما كنت في المرحلة الإعدادية حيث استغرب أحد المدرسين من قدرتي على الحصول على العلامات الكاملة في جميع المواد إلا مادة القومية فقلت له “لا أستطيع أن أحفظ جملاً لا أراها على أرض الواقع”. هذا بالضبط ما حصل مع المواطنين، لم يستطيعوا تذكر تلك الإنجازات لإنها موجودة فقط في خطابات المسؤولين.

توجت هذه الاحتفالية بأجمل تجمع شبابي رأيته في حياتي، مسيرة الشموع، كانت رائعة بحق. صدقوني إن قلت لكم أني بكيت عندما رأيتها، كانت منظمة بشكل رائع، كانت لوحة فنية أمتعت نظري، إلا أنها كسرت قلبي ومزقتني لسببين، الأول أني بت الآن على قناعة تامة أننا نستطيع أن ننجز الكثير إذا توفرت الإرادة لذلك، والثاني أن هذه اللوحة كانت مادتها الأولية هي الشباب الجامعي الذين إن كان هناك أمل في التغيير فهم من يجب أن يكون محرك ذلك التغيير لا أن يكونوا روبوتات آلية تتحرك وتهتف بما يريد الآخرين.

هل تعلمون كم كانت الكلفة التقديرية لهذه المناسبة؟ مليار دولار، حسبما قرأت في أحد مواقع الانترنت! لا يهم إن كان هذا الرقم دقيقاً أم لا، ولكن من شاهد الفعاليات سوف يصدق هذا الرقم وربما يقول أن هذا الرقم أقل من الرقم الحقيقي.

ولكن، ما الذي حدث؟ ولماذا؟ وكيف حدث ذلك؟ وما هو التفسير لكل تلك القابلية للتدجين من قبل الشعب السوري؟ هذه الأسئلة التي أردت طرحها هنا. ولكن ليس الآن حتى لا أطيل عليكم كثيراً، وأراكم في التدوينة القادمة وقد حاولتم الإجابة على تلك التساؤلات، مثلما فعلت أنا ولكن بعد مضي أيام طويلة عندما استطعت تجاوز الأزمة النفسية ولملمت شتات روحي.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *