رفض علمانية ودينية الدولة في أي مفاوضات حول مستقبل سوريا

ذات نهار رمضاني، أيام الجامعة، كنت عند صديق لي شب في بيت شيوعي. سألتني والدته إن كنت صائماً، لأنها كانت تعد القهوة. فسارع صديقي وأجابها حرفياً “إنه تقدمي لا يصوم”. وبعد بدء الثورة ببضعة شهور احتد النقاش بيني وبين أحد المعارضين القدامى حول حقيقة موقف تياره من النظام، فاعترف عندما حشرته في الزاوية أنهم مستعدون للإكتفاء بما يقدمه النظام على أن يتسلم الإسلاميون الحكم في سوريا.

اعتقدت حتى عام ٢٠١٢ أن العلمانية أصابها التشوه في سوريا فقط، إثر البروبغندا التي أطلقها حافظ الأسد ضد كل ممارسة للشعائر الدينية السنية في سياق محاربته للإسلامي السياسي في سوريا. حتى أني كتبت يوماً أثناء الثورة أن العلمانية في سوريا تعني أن تكون خصماً للسنة. من نافل القول أنه سمح بالتدين الشخصي والتدين الجماعي تحت رقابته. لكن منذ عام ٢٠١٢ بدأت تتكشف آفة فكرية على مستوى العالم، تتلخص باستعداد معظم من يعرفون أنفسهم بالعلمانيين للتحالف مع بشار الأسد أو غض النظر عن جرائمه مقابل ألا يصل الإسلاميون إلى الحكم ومن أجل حماية الأقليات. وفي نقاش حاد مع بعض البرلمانيين الفرنسيين أواخر عام ٢٠١٥، سألني أحد الأعضاء عن كيفية حماية المسيحيين في سوريا إن سقط بشار. وبالمناسبة كان هذا البرلماني علماني يساري.

بالنسبة للإنسان السوري المسلم، حتى إن لم يكن إسلامياً، فإن بعض التجارب التي شددت على علمانية الدولة لم تكن مشجعة إطلاقاً. لدينا التجربة الأتاتوركية في تركيا والتجربة البورقيبية في تونس أيضاً. فكلا الدولتين حاربتا الدين، حتى بوصفة علاقة خاصة بين المرء وربه، على نطاق واسع. وعانى المؤمنون في كلتا الدولتين أشكالاً مختلفة من التمييز والتهميش على أساس المعتقد. وبالمثل اليوم، فعندما يتم التشديد على مبدأ علمانية الدولة من قبل دولة محتلة كان قساوستها يباركون الطيارات قبل انطلاقها في حربها المقدسة على الشعب السوري، ومن قبل دولة تعلن ثيوقراطيتها وعدائها لكل مغاير لطائفتها الدينية، ومن قبل دول تسكت عن إرهاب كل الميليشيات التي استقدمتها إيران على أساس طائفي شيعي وتركز على محاربة داعش والقاعدة في سوريا، فإنه من الحكمة في أستانا وغيرها أن ترفض المعارضة السورية إدراج هذا المبدأ بالشكل الذي يتم فيه، لأنه سوف يعني بالضرورة العودة إلى أسلوب الأسد وبوتفليقة وأتاتورك في التمييز ضد المؤمنين تحت شعار العلمانية.

حقيقة فإن تجارب تركيا وتونس لا يجب أن تكون مشجعة أيضاً للديمقراطيين الذي يفكرون في المستقبل البعيد لبلادهم. يطرح سؤال نفسه في سياق التجربتين: لماذا تتصدر تونس قائمة الدولة العربية المصدرة للإرهابيين؟ ولماذا يستطيع أردوغان التقدم بخطىً حثيثة نحو تثبيت حكم ديكتاتوري معتمداً على شريحة واسعة استقطبها من خلال الخطاب الديني (جيش محمد؟) وبعض الإنجازات الاقتصادية؟ أعتقد أن العلمنة القسرية للدولة والمجتمع والتي هي في جوهرها محاربة للدين، قد تجيب على جزء من هذا السؤال.

لا يوجد تعريف جامع مانع للعلمانية، وللعلمانية تيارات عديدة أيضاً، لكل منها فهمها الخاص لعلاقة الدين بكل من الدولة والسياسة والمجتمع والفرد. بالمناسبة، إلى الآن يخلط الكثير من العلمانيون بين فصل الدين عن الدولة وبين فصل الدين عن الدولة. لذلك لا يمكن القول بالعلمانية ثم نضع نقطة. كما أننا بالتأكيد لسنا بصدد قبول أي شكل من أشكال الدولة الدينية لأنها في جوهرها تمييز ضد كل من لا يؤمن بدينها الرسمي وضد كل من لا يوافق على تأويلها للدين.

بدل التلاعب على المفاهيم وبحياة الناس وبالمستقبل السياسي والاجتماعي في سوريا، علينا البدء بنقاش نقاط محددة وواضحة عن ماذا نريد لدولتنا أن تكون، بدل أن نتصارع على مفاهيم لكل منا فهمه المختلف لها، ولكل منها تجربته الخاصة معها. بل أعتقد، وأكاد أكون جازماً، أنها لم تعد قادرة على تقديم الحلول حتى عالمياً وليس محلياً فقط.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *