خروج الجميع

ربما لم تكن مجرد مصادفات أن تندلع الثورات في البلاد العربية وتخرج المظاهرات في إسبانيا ووول ستريت وتظهر داعش ويصعد اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة وتصوت بريطانيا لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بينما روسيا بوتين فرحة بهشاشة الاتحاد الأوروبي، وقبل كل ذلك الأزمة الاقتصادية عام ٢٠٠٨. لم تكن مجرد مصادفات أن يكون أشخاص مثل الأسد والبغدادي وترامب وفاراج يمثلون عنوان هذه المرحلة من التاريخ البشري.

تبنى ترامب خطاب الكراهية كحجر زاوية في حملته الانتخابية التي حقق فيها نجاحاً كبيراً إلى الآن. لم ينجح- بعد- في الانتخابات، إلا أن انتزاعه ترشيح الحزب الجمهوري يكشف حجم الخوف من الآخر وحجم الكراهية ضده المنتشر في الولايات المتحدة. تقلص الفارق بين كلنتون وترامب إلى ٢٪ في آخر استطلاع للرأي، وأعتقد أن أي حادثة مماثلة لمذبحة أورلاندو قبل الانتخابات قد تحسم النتيجة لصالحه، ولدي شعور أنه هذا مرجح الحصول.

وعلى الضفة الأخرى للأطلسي، ركزت حملة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي بشكل رئيسي على الخوف من الآخر: الأخر المسلم اللاجئ بوصفه إرهابياً محتملاً، والآخر الشرق أوروبي بوصفه يحتل وظيفة محتملة. لم تقدم الكثير من الإجابات حول المكاسب التي يمكن أن يجنيها البريطانيون بخروجهم من الاتحاد. هذا خيار البريطانيين وعلينا احترامه، لكن السؤال مفتوح حول مدى ارتباط خيار البريطانيين بالشعور بالخوف وانتشار الكراهية.

من الواضح أن قادة الاتحاد أدركوا أن كرة الثلج انطلقت، ويبدو أن خطتهم التي ألمحوا إليها في اجتماع برلين في ٢٥ حزيران تتألف من محورين. الأول جعل بريطانيا عبرة للدول الأخرى فطالبوها بالإسراع بالخروج. والمحور الثاني هو احتواء اليمين المتطرف الصاعد من خلال التشدد في السياسات المتعلقة باللاجئين وهذا يحتاج إلى التورط أكثر في خطاب الكراهية والخوف من الآخر. وأعتقد أن كلام وزير الخارجية الألماني شتاينماير في ذلك الاجتماع كان واضحاً حول الحاجة لأجابات سريعة على العديد من الأسئلة وعلى رأسها مسألة الهجرة.
إلا أن هؤلاء القادة لم يدركوا أن كرة الثلج لم تنطلق أمس فقط من بريطانيا. بل هم من ساهم في إطلاقها قبل سنوات، وهي تكبر اليوم وتقترب منهم بسرعة مخيفة.  إن نشر الكراهية والخوف ليست عملية باتجاه واحد. لقد تركز الخطاب السياسي الغربي في السنوات السابقة على تخويف المواطنين هناك من تنظيم داعش الإرهابي. هو مخيف حقاً، لكن اقتصار الخطاب على هذا الوجه من قضية الثورات العربية هو تسطيح وتشويه للحقيقة. إن نشر الخوف وبالتالي الكراهية تجاه آخر ما، ينتج عنه تعميم للخوف والكراهية لأي آخر، وهو نزع للثقة بين الناس.

بدأت الثورات في تونس ومصر، وتبعها مظاهرات في مدريد ووول ستريت وعدة مدن أوروبية. بدت الثورة في ذلك الوقت حلماً بدأ بالتحقق بالنسبة لملايين الناس حول العالم. أنذر ذلك بانكشاف الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعيشها العالم كله، وليس العالم العربي فقط. واجهت الأنظمة العربية الثورات بالقوة العارية المباشرة التي أدت وحشيتها إلى ظاهرة داعش واتخاذ الغضب والقهر شكل الحرب الأهلية. أما النخب الغربية فواجت بوادر التململ في الغرب بالقوة الناعمة التي أدت إلى ظاهرة ترامب والتي قد تؤدي إلى شكل من أشكال الحرب الأهلية الناعمة (الانفصال عن كل آخر). وإن استعرنا مصطلح الإزاحة (Displacement) من علم النفس على سبيل المجاز، لوجدنا أن المصدر الحقيقي للغضب هو أزمة العالم السياسية والاقتصادية في كل العالم، بينما نقوم نحن بتحويله تجاه المجموعات البشرية بوصفها آخراً معادياً مسبباً لهذه الأزمة.

كتبت في بداية الثورة السورية عن الأمل في أن تكون هذه اللحظة فارقة في تاريخ البشرية. ليس لأننا بشر خارقون، بل لأن الظرف السوري مختلف. تقع سوريا على تقاطع الطرق السياسية العالمية منذ آلاف السنين ما جعلها بيئة تجمع عشرات الطوائف والأعراق الممتدة إلى مناطق جغرافية واسعة، وتتبادل التأثير الكثيف مع مجموعات بشرية ممتدة جغرافياً أيضاً. لهذا كان يعني نجاح الثورة في سوريا نقل مفهوم المواطنة إلى مستويات جديدة لم يختبرها العالم بعد. إلا أن الأمل انقلب إلى عكسه تماماً ولنفس الأسباب. فبالإضافة إلى التعقيدات الداخلية في سوريا وتراكب المشكلات وتضارب المصالح الإقليمية والدولية فيها، فإن أحداً في المنطقة وفي العالم لم يشأ أن تكون الثورة السورية مثالاً يحتذى به. لقد أريد لهذه الثورة أن تكون درساً للجميع.

أطلقت وسائل الإعلام في الغرب، وتحديداً في بريطانيا وفرنسا، بشكل مبكر جداً وبدون مبرر، صفة الحرب الأهلية على الثورة السورية. هكذا انطلقت كرة الثلج! تحولت مناصرة واحترام الثورة إلى لا مبالاة وعدم احترام لسكان بلد واحد يقتلون بعضهم. وبعد ظهور القاعدة ثم داعش تحولت اللامبالاة إلى خوف، وعدم الاحترام إلى كراهية. هذا بالضبط ما فعله اقتصار الخطاب السياسي على داعش وضرورة محاربتها. كان هذا الخطاب ضرورياً، داخلياً، من أجل تعزيز الشعور بالخوف والكراهية وتفعيل آلية الإزاحة، وخارجياً من أجل الاستثمار في ادعاء محاربة الإرهاب وتحقيق المصالح الاستراتيجية.

من أفدح الأخطاء اليوم أن يستمر التفكير في السياسة المحلية والدولية بعقلية القرن أو حتى القرنين الماضيين. هناك ثلاثة فروق أساسية. أولاً، لقد أصبح البشر قريبين من بعضهم بشدة إلى درجة التصادم. إنهم قريبين غير متقاربين، قريبين لكنهم مغلقين ومصمتين بالنسبة لبعضهم، مثل كرات البلياردو عندما تصطدم ببعضها. لكننا نختلف عن كرات البلياردو في أننا نحطم بعضنا أثناء الابتعاد. هناك حلين لهذه المسألة، فإما أن نخرج عن بعضنا ونبتعد كما اختار البريطانيون أو نصبح أكثر قرباً من بعضنا وأكثر انفتاحاً وحرية. ًسوف لن ننجح بالابتعاد، لأنه ليس سوى خياراً وهمياً ومضللاً.

ثانياً، وعلى خلاف القرن الماضي، لم يعد في العالم قوى أو قوتين تمتلكان القدرة على تقرير خط سير الأحداث. والأهم من ذلك أن هناك ثورات في المنطقة وغضب في كل العالم. هناك حراك واسع من سكان العالم وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط لتقرير مصيرهم، وكل هذا الفشل هو جزء من هذا الحراك واختبار الممكنات. بل إن تعامل المجموعات البشرية مع قوى خارجية هو جزء من هذا الحراك. مخطئ من يعتقد أن ما يحدث في سوريا هو حرب بالوكالة، لأنه حتى المجموعات المرتبطة بدول خارجية هي تجير قوى هذه الدول لصالحها وتغير تحالفاتها عند اختلاف المصالح. لذلك نرى اصطدام مصالح كل الدول في سوريا، لأن السوريين قادرون على إفشال كل يريده الآخرين من خلال تغيير التحالفات حتى وإن لم يستطيعوا تحقيق ما يريدونه.

ثالثاً، استمرار الحديث عن اليمين وربطه بكراهية الآخر، هل النقيض هو اليسار؟ إن الحديث عن اليسار واليمين، كما الحديث عن العلمانية والثيوقراطية فقد صلاحيته في عصرنا. لقد اختلطت الدوائر وانمحت الحدود. هذا ما تعلمته من التجربة السورية على الأقل، وبدأت ألمسه هنا في أوروبا. هناك أسئلة أخرى مختبئة خلف اليمين واليسار والوسط، تحاول النخب المسيطرة إخفاءها خلف الخوف من الآخر وكراهيته. هي الأسئلة الجوهرية التي يجب طرحها حول مدى نجاح النخب النافذة سياسياً واقتصادياً في الاستجابة لأزمات سكان هذا العالم. رأيت من على شرفتي ثلاثة فتيان يمرحون في الشارع على دراجاتهم مع الصوت العالي للموسيقى. تساءلت في نفسي: هل يعلم هؤلاء كم دفع أجدادهم ثمناً ليمرحوا؟ عليكم أن تمرحوا وتحبوا الحياة، لكن عليكم أن تطرحوا الأسئلة المهمة يوماً ما، وإلا لن يكون متاحاً لأبنائكم أن يمرحوا مثلكم. فإننا اليوم في بلادنا ندفع دماً ثمن الأسئلة التي لم تطرح. إنه خطر على مستقبلنا أن نعتقد أن سؤال الحرية نافلاً وأن الجواب عليه بديهية معطاة.

كتب هذا النص في تموز/يوليو وكان من المفترض أن يترجم وينشر في ألمانيا. لكن للأسف، لم يكن متناسباً مع الخطاب السائد، هكذا فهمت الأعذار.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *