عن حماية الأقليات في سوريا

أثارت كلمة مازن درويش في الأمم المتحدة ردوداً بين السوريين، منهم من انتقد ومنهم من شتم وآخرون دافعوا. إن الخوض في هذه المسألة كالسير في حقل ألغام بالنسبة لي. أولاً لأن الكلام محل المشكلة قاله مازن تحديداً، وثانياً لأن المسألة الطائفية/العرقية معقدة جداً دائماً، ومعقدة أكثر في سوريا. فيما يخص مازن، من الصعب دائماً الحديث بموضوعية، نقداً أو دفاعاً، عندما ترتبط بشخص ما بعلاقة عميقة هي علاقة زنزانة صغيرة تشاركنا فيها كل شي. كما أننا نتشارك قناعتنا بفصل العام عن الخاص، وقد تجنبت دائماً الحديث عنها عندما يتعلق الأمر بشأن عام. أما في هذه الحادثة تحديداً، فإن العام هو ما يطغى ولا يمكن الإفلات منه.

قرأت عن الحادثة أولاً على صفحة غسان ياسين على الفيس بوك يوم أمس في منشور يحرض فيه طائفياً على مازن درويش. سأله كثر عن تسجيل للكلمة لكنه لم يقدم أي شيء للمعلقين. توالت المنشورات المهاجمة والمدافعة، والناقدة في أحيان كثيرة. بحثت لأكثر من ساعة عن أي تسجيل مرئي أو صوتي أو مكتوب لما قاله الرجل، لكن عبثاً حاولت. كان هذا أول ما لفت نظري بكل الأمر، كيف للناس أن تتحدث في مسألة حساسة كهذه دون أن تعلم ما جرى؟ لدرجة أن كثيراً من اللذين هاجموا، اتهموا مازن بالطائفية، وكثيراً من الذين دافعوا قالوا أنه قال: إذا كانت الدول تبحث عن حماية الأقليات فيجب محاسبة المجرمين. وهذا غير صحيح.

التحالف الأوليغاركي

لم تكن مشكلتي منذ بداية الثورة مع جمهور النظام، لدي مشكلة كبيرة طبعاً مع كل من ارتكب جريمة. لكن مشكلتي كانت مع القيادات المجتمعية لهذا الجمهور. القيادات الدينية للأقليات التحالف الأوليغاركيالطائفية، والقيادات الدينية السنية المدينية في دمشق وحلب خاصة: الأشعرية والصوفية؟ والقيادات الاقتصادية وطبعاً ومن باب أولى العسكرية. إنه تحالف أوليغاركي ضد أكثرية مسحوقة سياسياً واجتماعياً، وليست بالضرورة مسحوقة اقتصادياً. وهذا التحالف الأوليغاركي يتكشف اتساعه عالمياً كلما ازداد تدويل المسألة السورية. وجد هذا التحالف الدولي الأوليغاركي قناعاً له: محاربة الإرهاب السني. بيد أنه ليس موجهاً ضد السنة فقط، وليس موجهاً ضد السوريين فقط، بل هو تحالف ضد كل سكان العالم، حتى أولئك الأوربيين الذين يعتقدون أنهم يصنعون قدرهم بأيديهم، وهم كذلك فقط إذا قارناهم معنا قبل خمس سنوات! واليوم، في هذه الحادثة وغيرها، فإن مشكلتي ليست مع جمهور الثورة* الذي يتعرض لأبشع أنواع القتل، بل مع القيادات المجتمعية التي تحاول إيجاد موقع لها في دائرة هذا التحالف من خلال التحريض الطائفي والعرقي. مرة أخرى أقول أن النظام السوري وداعش ليسا سوى صورة نقية ومكثفة لسلطة صناعة القرار في العالم.

في طلب الحماية للأقليات
بالعودة إلى ما قاله مازن درويش، أنقل هنا ترجمتي عن المترجم لجزء من كلمة مازن (كون التسجيل الموجود على موقع الأمم المتحدة مترجم للغة الإنكليزية)

نحن نريد حماية المجتمع السوري من الانتقام. لكي نجنب المجتمع السوري من الوقوع في دائرة الانتقام نحن نحتاج للمحاسبة. لماذا نحن نحتاج المحاسبة؟ نحن نحتاجها لنحمي الأقليات. الآن الكثير من الدول تتكلم عن حماية الأقليات في سوريا، هذا مهم. في سوريا وفي كل مكان في الحقيقة. في الحالة السوري، وفي حال عدم وجود المحاسبة فإننا نفتح الباب أمام الانتقام من كل الأقليات في سوريا. سيكون على الأقليات في سوريا دفع ثمن ما فعله النظام السوري ومن يدعمون النظام السوري

أعتقد أن مازن درويش أخطأ ثلاثاً في خطابه حول حماية الأقليات. أولاً، إن ما يحدث في سوريا في أصله ليس صراعاً بين أكثرية سنية وأقليات طائفية أخرى، بالرغم من أن هذا البعد أصبح سمة رئيسية لاحقاً. والسمة مجرد مظهر قد تعكس الحقيقة وقد تكون خادعة، وهذا المظهر يتغذى على التحالفات القائمة ويغذيها بطبيعة الحال. وكما ذكرت آنفاً، إن الصراع في اصله وما زال بين طبقة أوليغاركية وأكثرية، ليس بالمعنى الطائفي، مسحوقة اجتماعياً وسياسياً. قرأت في علم التفاوض أن العودة إلى أصل المشكلة هو ركن أساسي في عملية إيجاد الحلول التي قد تقبل بها الأطراف إن أرادت التوصل إليها. وأصل المشكلة هنا هو نظام الأسد المجرم، وبالتالي فإن التوصل إلى حل يقتضي العودة إلى أصل المشكلة الذي لم يكن يتعلق، كثيراً، بالنسب العددية بين الطوائف.
ثانياُ، الحديث عن حماية الأقليات المفترضة يستبطن (وأجزم أنها ليست حال مازن درويش) أو يثير استبطان صورة همجية عن الأكثرية المفترضة التي ستنفلت من عقالها وتفترس تلك الأقلية بمجرد تفردها بالسلطة. هذا التفرد بالسلطة والميدان لن يحصل بطبيعة الحال بسبب التركيبة المعقدة لسوريا. وهو وقوع في فخ التنميط الغربي والسياسة الغربية في رؤية الأكثرية المسلمة التي سوف تلتهم ما حولها. إن الغرب مهووس في قضايا حماية الأقليات وحقوق المرأة، ربما لأنه تاريخياً الأكثر انتهاكاً لكليهما! وربما لأنها الثقوب التي يستطيع المرور منها، بمباركة واسعة من رأيه العام. هذا لا يعني بالتأكيد معاكسة الغرب في كل مايريد على ما اعتاد محور الممانعة اكتساب شرعيته من خلاله، بل السعي للحقوق حيث نرى أنها حقوق بغض النظر أين وكيف.

ثالثاً، قد يكون من الصحيح أن من نتائج المحاسبة أن تحمي الأقليات، لكن هدف المحاسبة ليس حماية الأقليات. هدف المحاسبة هو تحقيق الشعور بالعدالة لضحايا الانتهاكات. الشعور بالعدالة يعيد لهؤلاء الذين انتهكت إنسانيتهم تلك الإنسانية، وبالتالي يعيد لهم قدرتهم على الحياة والبناء والتعاطف، وهو فعل مضاد لفعل الانتقام المميت والهدام والبارد. إنه من أجل السلم المجتمعي العام (كما قال مازن درويش نفسه في نفس الكلمة)، لأنه من أجل سلم الإنسان والإنسان الآخر. وحتى لو كان من غاياتنا حماية الأقليات، لا يجوز الحديث عن تلك الحماية في الوقت الذي ترزح تحت السكين رقبة من يطلب الحماية منهم. أما عندما ترفع السكين عن الرقبة، وتكون هناك إرادة حقيقة لإيجاد سلام مستدام في سوريا، يكون طلب الحماية مقبولاً ويبدأ الحديث عن تفاصيل تحقيقه. والتي أعتقد أنها تتحقق من خلال حماية كل السوريين، والبحث عن صيغ مقبولة للمشاركة في الوطن بين مكوناته المركبة والمتشابكة.

لكن..
الثورة مستمرةألا تثير حفلة الشتم التي تعرض لها مازن درويش المخاوف حول مصير الأقليات لاحقاً؟ إن ارتكاب خطئٍ في سياق كلمة تصب في خانة الدفاع عن حقوق السوريين المنتهكة، جعلت كثيرين يستعيدون الانتماء الطائفي الموروث للرجل، ومن ثم يبدؤون بشتمه. لقد وقع واحد من أشد المعارضين للنظام السوري بين أيديهم على الفيس بوك، فنهشوه لأنه علوي، وهو لم يعرّف نفسه يوماً بوصفه علوياً. فكيف لو وقع بين أيديهم فعلاً؟ وكيف لو وقع بقية العلويين بين أيديهم؟ نشاهد منذ أيام قصف المعارضة المسلحة لحي الشيخ مقصود في حلب ووقوع الكثير من الضحايا المدنيين، بل وتم تعمد قصف المدنيين في حادثة واحدة على الأقل، وذلك بجريرة ما ارتكبته قوات الحماية الكردية بحق المعارضة في الريف الشمالي. ألا يصبح السؤال عن حماية الأقليات مشروعاً؟

ليس العلويون وحدهم المعرضون للانتهاكات من قبل الثوار والجهادية السلفية. النساء والكورد والعلمانيون والمسيحيون وغيرهم، كلهم لا يأمنون على حياتهم الكريمة، هذا إن أمنوا على حياتهم، في المناطق المحررة. صحيح أن روح الثورة تتجدد وعادت لتنادي بمطالب الثورة، لكن التشوهات التي أصابت مطالب الحرية بلغت مدىً يحتاج إلى أكثر من بضعة أسابيع من المظاهرات. لقد عمل أعداء الثورة منذ اليوم الأول على إلباسها ثوباً طائفياً عنيفاً. لم يكن النظام السوري بريئاً من نشر الفيديوهات التي تظهر شبيحة علويين يعذبون المعتقلين. وليس النظام وحده عدو الثورة. في حديث لي مع أحد المعتقلين في فرع الجوية، تطرقت إلى المظاهرات في محافظة السويداء، فسألني مندهشاً: هل يوجد دروز معارضين؟ فسألته أين تتابع الأخبار؟ فأجاب: الجزيرة والعربية! لم يرد ولا يريد حتى الآن التحالف الأوليغاركي أن تكون الثورة السورية ثورة وطنية قادرة على تطوير مشروع وطني بديل، فسعى جاهداً لإصابتها بكل اللوثات: من الطائفية والعنف إلى نساء المجتمع المدني الأبيض.

قد تكون الأمور بهذه الدرجة فقط من التعقيد، إلا أن الحال ليس هكذا. قد يستطيع كثيرون تفهم شعور ضحايا العنف الذي مارسه طائفيو النظام السوري، كما يمكن تقديم الأدلة على الحالة العدائية الشديدة تجاه الثورة من الطوائف الأخرى ومن اcropped-colored-syria.jpgلعلمانيين، ليس أولها مشاركة الميليشيات الشيعية من غير مكان من الكرة الأرضية، وليس آخرها تقديم الكنيسة السورية نفسها كحليف قوي للمجرم بشار الأسد وتفتح أبوابها له باحتفالاتها الدينية. كثيرين منا، حتى نحن الباغضين للطائفية والذين لانشتري انتماءنا الطائفي بـشروى نقير أصابتنا هذه اللوثة في لحظات الضعف. والمفارقة أن بعض العلويين من رفاقنا كانوا يصابون بلوثة البغض الطائفي ضد الشبيحة العلويين.

قد يعود بنا آخرون إلى زمن اضطهاد الخلافة الإسلامية العثمانية للمسيحيين والعلويين، وقد يعود بنا الكورد إلى مظالم حكم عبد الناصر والأسدين. وقد تأخذنا التفاصيل عبر التاريخ ذهاباً وإياباً في سباق المظلومية. لكننا نحن هنا واليوم، في حالة عيانية لنظام مجرم، قتل معارضيه بشكل مباشر ومؤيديه بشكل غير مباشر. وأسس لاحتقان طائفي وعرقي في سوريا قد يستمر لعقود، وأمام زحف جهادي سلفي عدمي يغذي استمراره بالحرب والموت، لا بالسياسة والمدنية والحياة. لذلك ولتحقيق العدالة والمصارحة ومن أجل تعافي المجتمع السوري، يجب تسمية الأشياء بمسياتها، لكن مع وضع هدف واحد أمامنا: ألا تكون المسميات بغرض التحريض والانتقام بل من أجل الحقيقة التي تهدف لتطهير الجرح والعيش معاً أخيراً.
صديقي مازن درويش، كل التحية لك والتقدير حتى لو وجدتك قد أخطأت من وجهة نظري.

* استخدم اصطلاح كلمة جمهور تجاوزاً، وهو ما لا يصح برأيي.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *