حديث طائفي حول سوريا

أبدأ بآخر تعليق ورد على مقالي السابق على مدونتي حول الفتنتان اللتان تطلان برأسيهما على سوريا: “قد تسمع في بعض المظاهرات دعوات طائفية على لسان قلة من الشعب البسيط الذي امتزج عنده مفهوم تسلط و قمع الدولة بالطائفة العلوية و التي هي بريئة منه جملة وتفصيلا ، بحكم كونها جزء لا يتجزأ من مكونات الشعب السوري و الذي تعرض للاضطهاد و التنكيل كغيره و بل و بشكل اقسى احيانا، لكننا بنفس الوقت لا نسيطيع ان ننكر ان اي شخص من اي طائفة اذا اراد ان يرهب احدا لا يعرفه في الطريق او حتى على الهاتف فإنه يستخدم اللهجة العلوية ليصل إلى غرضه المطلوب”

امتطى حافظ الأسد السلطة في سوريا بانقلاب عسكري عام 1970. بنى نظامه على مبدأ اختيار من يدين بالولاء المطلق له، وتم ذلك عن طريق العلاقات العائلية والعشائرية. وبما أنه من الطائفة العلوية فكان من الطبيعي أن يسيطر العلويون على المفاصل الهامة من الجيش وأجهزة المخابرات والأمن. حتى وصلنا للمرحلة التي وصفها التعليق أعلاه أنه إن أردت أن ترهب أحداً ما فعليك التحدث بلهجة أبناء الطائفة العلوية. ولم يعمل حافظ الأسد أبداً على نفي هذه الصفة عن نظامه بشكل عملي (كان ينفيها لفظياً فقط)، بل كان من مصلحته توريط أبناء طائفته بهذا النظام بشكل مباشر أو غير مباشر. وجدير بالذكر أن المستفيدين من النظام من هذه الطائفة لا يشكلون سوى أقلية، والبقية تعيش بحالة بؤس شأنها شأن باقي الشعب السوري وربما أشد. إلا أنه وللأسف ارتبطت لهجة أبناء هذه الطائفة بالخوف في قلوب باقي السوريين والسنة منهم خاصة. ولزاماً علينا أن نقول أن العلويين أنفسهم تضرروا من هذه النظرة، فالقلة المستفيدة منهم سببت رد فعل معاكس على باقي أبناء الطائفة من قبل الطوائف الأخرى، وسببت لهم الكثير من المعانا.

مازالت أحداث الثمانينات مختبئة في ذاكرة كل سوري. راح ضحية هذه الأحداث العشرات وربما المئات من المثقفين والضباط العلويين على يد الطليعة المسلحة للأخوان المسلمين، وحصدت الكثير من المواطنين السنة في حلب وانتهت بمجزرة دموية قام بها حافظ الأسد في حماة وراح ضحيتها آلاف المواطنين معظهم من السنة بطبيعة الحال. وهي مرشحة للاستيقاظ بأي لحظة، لأن النظام رفض دائماً أي نوع من المصالحة لتنظيف الذاكرة من تلك العناصر التي سوف تظهر بشكل غرائزي عند أول اختبار لها. وبات من الواضح أن له المصلحة الأولى في ذلك. وهذا ما نراه في بعض الحالات اليوم.

عمل النظام السوري على مدار أربعة عقود على إقناع الطوائف والأديان الأقل عدداً بأنه حاميهم ولولاه سوف يأكلهم مجرموا الأخوان المسلمين. و كان يضع حراسة على العديد من الكنائس في مناسبات المسيحيين لدرجة أنهم اعتقدوا حقاً أن المسلمين سوف يأكلونهم لولا هذه العناصر الحامية!

قضى النظام السوري على كل اجتماع مدني أو سياسي، فلم يعد أمام الناس سوى الاجتماع الديني فغاب المثقف والسياسي المدني وبرز الشيخ ورجل الدين بدلاً عنه. وعقد النظام ما يشبه الصفقة مع رجال الدين “المعتدلين” فسمح لهم باستباحة المجتمع طولاً وعرضاً وزادت أعداد مريديهم. التدين ليس عيباً، والالتفاف حول الشيوخ ليست جوهر المشكلة، بل المشكلة هي غياب المدني بمقابل انتشار الديني!

عندما خرجت المظاهرات من الجوامع فوجئنا بمدى انتشار الإسلامفوبيا في المجتمع عامة وبشكل خاص عند الطوائف غير السنية والأديان الأخرى. كان من الطبيعي أن يعاني الناس العاديون والبسيطون من هذه الحالة في ظل التجهيل والتفريق المتعمد بين المواطنين، لكن أن تظهر هذه الحالة بتلك الكثافة عند المثقفين والمتعلمين والذين انفتحوا على العالم عبر وسائل الاتصال الحديثة وغيرها من الأساليب الأخرى فهذا لم يكن مفهوماً أبداً. نسي أولئك أن الإمكانية الوحيدة لاجتماع الناس لتشكيل نواة مظاهرة كانت من أماكن العبادة حصراً.

لعب البترودولار دوراً هاماً في تسويق الأصولية الدينية وامتلكت كل الأدوات لذلك. فنشرت الفكر التكفيري الذي لا يعترف بالآخر ولا يعترف حتى بالإبداع من داخل الجماعة نفسها. وما أسامة بن لادن سوى الابن الشرعي له. وساهم انسداد الأفق السياسي والاجتماعي على انتشاره أكثر.

خلال الأسابيع الماضية من عمر الثورة السورية سجلت العديد من الحوادث ذات الطابع الطائفي أو العنفي. في جبلة وبانياس وحمص واللاذقية ودوما. ردد البعض شعارات من قبيل “لا إيران ولا حزب الله بدنا دولة توحد الله” و “العلوية بالتابوت والمسيحية على بيروت”. وقتل عدة أشخاص وعناصر شرطة على أساس طائفي. كما استخدم بعض المتظاهرين أو الأهالي  في عدة مناطق منها حمص وتلبيسة وبانياس وتل كلخ العنف ضد رجال الشرطة والأمن في أكثر من حادثة. ولا ننسى الشاب نضال جنود الذي قتل في بانياس بطريقة وحشية.

مارست صفحة الثورة السورية بروباغندا إعلامية ذات نفس طائفي لا تقيم اعتباراً لحساسية الوضع في سوريا، وتعتقد أنها إن قالت بأن السوريين أخوة فهذا كاف لطمأنة الأقليات الدينية. هذا ناهيك عن عدم الاعتراف بالأخطاء التي تقع من قبل المتظاهرين أنفسهم وتحويلهم إلى ملائكة بشكل غير واقعي وغير قابل للتصديق. بالإضافة إلى ادعاء أن كل رجال الأمن والشرطة قتلوا من قبل أجهزة الأمن نفسها. وهي بذلك تمارس تماماً ما تمارسه الفضائيات السورية من إنكار الآخر وشيطنته! بل ويراها كثير من داعمي الانتفاضة السورية أنها تسيء إلى المظاهرات والانتفاضة نفسها. فهل تفعل مثل الإعلام السورية، أم تقوم بمراجعة خطابها؟

إن كنا نريد للانتفاضة أن تنجح ونقود سوريا إلى بر الأمان فعلينا أن نبذل الكثير من الجهد. يجب علينا أولاً أن نضع أنفسنا مكان الآخر ونحاول فهم موقفه، ثم نطمأنه على مستقبله معنا، ليس بالقول فقط بل بالفعل أيضاً. وأول هذا الفعل ألا نتجاهل الخطأ وندينه، وأن نفكر في “ماذا بعد؟” كيف نريد لسوريا أن تكون؟ هل تصورنا لسوريا يطمئن الأقليات الدينية؟ أم ما نركز عليه الآن فقط هو إسقاط النظام ثم لكل حادث حديث؟ يجب أن ينعكس ذلك على مظاهراتنا وشعاراتنا ويجب أن نكون حازمين إلى أقصى الحدود مع كل من يمارس الفوضى كما فعل أهالي حمص في غير مرة. علينا أن نجد بدائل عن المشايخ الذين يخطبون ويمثلون المتظاهرين، ليس تقليلاً من احترامهم أو شأنهم، بل لأنهم ببساطة لا يمثلون كل السوريين، فلن يرى المسيحي أو العلوي أو غيره أن الشيخ السني يمثله بكل تأكيد، لذلك علينا انتقاء خطبائنا وممثلينا بعناية، ليكونوا ممثلين لكل السوريين دون استثناء. باختصار، علينا التدقيق في كل تفصيل صغير في ممارستنا لفعل النضال من أجل الحرية والكرامة.

أرجو من كل من يقرأ هذه الكلمات، وقبل أن يهاجمني، أن يفكر بها قليلاً ويضع نفسه مكان الآخر.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *