ثورة 25 يناير في مصر: ثورة شعبية يقودها الشباب

طوت الثورة المصرية يومها الثاني عشر، وما زالت صامدة بوجه تعنت النظام في ميادين التحرير. قاد الشباب الثورة، خطط لها ونظمها عبر أدوات التواصل والإعلام الاجتماعيين. وسارت النخب الثقافية والسياسية خلفهم، بما لا يدع مجالاً للشك بأن معادلات التغيير قد تبدلت وبأن هدفها هو المواطن.

قال الملك فاروق قبل مغادرته عرشه: “إن نقطة دم مصريه أثمن عندي من كل عروش الدنيا، والرحيل فوراً أهون على قلبي من سفك دماء مصريه حفاظاً على منصبي“.

مظاهرات ميدان التحرير

الصورة من ميدان التحرير عندما استلقى الشباب المصري هذه الليلة أمام دبابات الجيش لمنعه من دخول الميدان خشية الاصطدام معه

أما حسني مبارك فقال في مقابلة مع شبكة إي بي سي الأمريكية بعد 62 عاما في الخدمة العامة فاض بي الكيل. أريد أن أرحل. لكن لا يمكنني ذلك خوفاً من غرق البلاد في الفوضى. وسوف لن أغادر البلاد وسأموت على الأرض المصرية“.

هذا هو الفرق بين حاكم فشل في إدارة البلاد فغادر عندما طالبه الشعب بذلك، وبين حاكم مستبد يأبى الرحيل إلا على جثث المصريين!

حصد التصدي الأمني الشرس لمظاهرات 25 يناير/كانون الثاني أرواح ما يقارب 400 مصري حتى اليوم، وما زال المتظاهرون معتصمون في الميادين مطالبين برحيل مبارك رأس النظام في مصر. ولم يخدعوا بمحاولات الالتفاف التي قام بها النظام من قبيل تعيين عمر سليمان نائباً للرئيس أو بتغيير بعض أوجه وزراء الحكومة أو حتى استقالة هيئة مكتب الحزب الوطني الديمقراطي المسيطر على الحكم في مصر. لذلك أعلنت القيادات الشبابية للثورة جمعة الصمود كاستمرار لثورتهم بعد جمعة الرحيل ومن قبلها جمعة الغضب.

كانت ثورة تونس شعبية. وأفضل ما في الثورة المصرية أن الشباب هم من خططوا لها وبدؤوا بالتنفيذ، وقادوا النخب وراءهم. ليس الأمر شاعرياً هنا، بل له أبعاده التي بدأنا نرى صداها منذ الآن. كانت النخب الثقافية والسياسية هي التي تقود الثورات، وحاملها الشباب بطبيعة الحال. كانوا ينظرون لها ويحضرون ويخططون، وكثيراً ما جيروها لمصالحم الشخصية أو الأيديولوجية/الدينية/الحزبية. كانت الشعوب بحاجة لمن يصور لها الواقع ويرسم لها المستقبل. كانت الشعوب بحاجة لمن يحركها، يثير غضبها، يبث الشجاعة فيها، بحاجة لمن يصيغ لها الأمل بغد أفضل.

ربما هي صفحة جديدة في التاريخ تكتبها هاتان الثورتان. النخب ألفت دعة الحياة ونفرت من شظف العيش على الإيمان بقضية، أو نخب تخاذلت أو جبنت أو قبضت ثمن الكلمة والفكرة. ونخب أخرى عاشت في الماضي القريب أو البعيد وانفصلت بذلك عن شعوبها وعن مسيرة التاريخ. وفوجئت بغفلتها هذه أن الشباب انفتح على العالم وقرأ وتعلم وشاهد وسمع ورأى الحقيقة بأم عينيه دونما وسيط. فقرر أنه يستحق واقعاً أفضل وقرر أن يبني لأبنائه ما عجز آباؤه عن بنائه. لم تعد الشعوب بحاجة مطلقة إلى هذه النخب. بل انقلبت المعادلة، واضطرت هذه الأخيرة لترك كل ما بيدها اجتماعات وخطابات وخطط واقعية ولا واقعية، وسارعت لتبني مطالب شباب الثورة علها تجد لها موطئ قدم في المستقبل غير البعيد. ويبقى المكان لها محجوزاً بالطبع، لتحليلات لاحقة على نصر الثورة، لصياغتها على شكل درس لأجيال الإنسانية القادمة.

على الهامش: كنت قد انتقد تخاذل جماعة الأخوان المسلمين عندما قرروا عدم النزول إلى الشارع يوم 25 يناير/كانون الثاني. إلا أن قرارهم هذا كان ثميناً جداً لصالح الثورة. فلو أنهم نزلوا لربما استطاع النظام فعلاً اغتيال الثورة ودفنها في مهدها. أشكرهم على هذا القرار، بغض النظر إن جاء مصادفة أو عن سابق دراية.

كانت لحظة الحسم في ثورة تونس قبل عشرين يوماً من الآن هي وقوف الجيش في وجه بن علي، إذ رفض تنفيذ الأوامر بضرب المتظاهرين وأعلن انحيازه المطلق لجهة الشعب. أما الجيش المصري في المقابل، فما زال موقفه غامضاً حتى الآن. لم يتعامل بالقوة مع المتظاهرين حتى الآن، إلا أنه لم يقف بوجه العصابات الأمنية والمجرمين الذي دفعوا من قبل النظام للتعدي على المنظاهرين لافتعال ما يمكن تسويقه بأنه حرب أهلية. وتوالت التقارير الصحفية التي تقول أنه يحاول منح المزيد من الوقت للنظام لترتيب أوضاعه، وأن قيادات كبيرة في الجيش تتفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية لترتيب انتقال للسلطة بصيغة معينة. كما وتواترت الأنباء لحظة كتابة هذه السطور بأن قوات من الجيش مؤلفة من بعض الدبابات وناقلات الجنود وسيارات إسعاب تتجه ببطء نحو ميدان التحرير لإخلائه. واللافت للنظر هنا أن هذا التحرك تزامن مع تصريح لـ ويزنر، مبعوث أوباما إلى مصر، الذي قال يجب أن يبقى مبارك في الحكم حتى يدير التعديلات“.

كنت أريد أن أكتب عن عوامل نجاح هذه الثورة، لكني لا أريد استباق الأحداث. وأتمنى ألا يطول الأمر حتى ذلك الحين.

وأخيراً وبانتظار ما سوف تسفر عنه الأحداث أريد أن أتوجه برسالة في غاية الخطورة إلى شباب الثورة المصرية اقتباساً عن غابرييل غارسيا ماركيز حذار من الديكتاتور الذي تفشل الثورة في إسقاطه

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *