ثورة سوريا: قراءة في تعقيدات الوضع الحالي-1

توقف قليلاً من فضلك عن متابعة أخبار المظاهرات التي تعم سوريا هذه الأيام، لنقف بضع لحظات من الصمت أولاً على أرواح شهداء الحرية الذين سقطوا في الأيام الماضية، ليس لذنب اتركبوه سوى أنهم طالبوا بالحرية والكرامة وإنهاء الفساد. ثم دعنا نسير معاً في محاولةٍ لقراءة تعقيدات الوضع الراهن في سوريا، ولنحاول البحث عن الإجابات لبعض الأسئلة الملحة جداً والتي لا يمكننا السير إلى الأمام دون التفكر بها. مثل، هل سوف يستجيب النظام لمطالب الشعب التي وصفها هو نفسه بالمشروعة؟ وهل سوف يتابع الشعب المسيرة في حال عدم التجاوب من قبل النظام مع مطالبه؟ وما هو موقف النظام في هذه الحالة؟ وماهي العوامل التي سوف تحدد اتجاه مسيرة الشعب هذه؟

لنكن واضحين منذ البداية أن النظام ليس شخص رئيس الجمهورية ولا هم فقط الأشخاص الذين يحكمون سوريا عملياً. بل هو تماهي الأشخاص مع  نظام مناسب لإدارة البلاد بكل تشابكاته وتعقيداته التي سمحت أن يكون الأشخاص فوق القانون وفوق إرادة الشعب وحولت المواطن إلى مجرد رقم في وطنه. فلا سعادة لنا إن تمت التضحية بأحدهم أو بعضهم وبقيت كل هذه الآليات كما هي (أي مجرد اسبتدال وجوه، كما يقومون عادة بالضحك علينا بتغيير الحكومة أو جزء منها).

خضت مع أحد أصدقائي، قبل شهرين تقريباً، نقاشات مطولة حول احتمال قيام النظام بأي إصلاحات جدية تلافياً لاندلاع الاحتجاجات كما نراها اليوم. كان رأي صديقي أنه من الخطأ استباق الأحداث بالتوقعات المسبقة ومن الخطأ أيضاً نفي أي احتمال من الاحتمالات. إلا أني اختلفت معه حول إمكانية الإصلاح وليس نية الإصلاح، وكان رأيي حينها أنه حتى لو توفرت النية لدى الرئيس أو لدى جناح أو أكثر في النظام فلن يكون لديهم القدرة على تنفيذه. وبذلك قمت مسبقاً بنفي أي احتمال للإصلاحات الجذرية. وقد استندت في ذلك إلى طبيعة علاقات مكونات النظام بعضها ببعض، فهذه المكونات الأمنية والسياسية (الداخلية والخارجية) والمالية والعسكرية والاقتصادية والعلاقة الزبائنية التي تشكل سلاسل وحلقات مترابطة وصلت إلى درجة عالية من التشابك فأصبح تفكيكها ضرباً من المحال.

القرار لا يستطيع اتخاذه شخص واحد حتى لو كان الرئيس نفسه أو أي جناح من هذه الأجنحة. فلنفترض جدلاً أنه تم بطريقة ما اتخاذ القرار من قبل النظام بكامل أو بمعظم مكوناته للقيام بإصلاحات جذرية من قبل إلغاء قانون الطوارئ وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وكف يدها عن المواطن وإطلاق الحريات العامة والتعددية السياسية وصولاً إلى انتخابات ديمقراطية حقيقية (على مستوى البرلمان فقط). فمن يمنع حينها المواطنين والكتاب والبرلمانيين من رفع الصوت والمطالبة بمحاسبة الفاسدين الكبار وفق القانون؟ لا شيء، فقد أطلقت الحريات وجميع الإجراءات سوف تتم تحت سقف القانون. والمواطن لن يتنازل عن حقه في إعادة أمواله المسروقة طوال عقود بهذه البساطة، بل أبعد من ذلك سوف يحاسب قانونياً كل من كان له يد في إفقاره. فإن كان أصحاب القرار في البلد ومعهم زبانيتهم هم أنفسهم الفاسدون، فهل نتوقع منهم اتخاذ مثل هذا القرار الأحمق؟

استغرب كثيرون كيف أن الأنظمة الديكتاتورية العربية لم تتعلم من درسي تونس ومصر. أنا استغربت هذا الاستغراب حقيقية، وخاصة عندما يأتي من قبل كتاب كبار. هذه هي طبيعة الأنظمة الديكتاتورية ليس لأنها غبية، بل لأنها غير قادرة ولن يقبل عرابوها بتسليم رقبتهم للمحاكمة بهذه البساطة. فالذي سوف ينجو في حال تنفيذ الإصلاحات المطلوبة هم قلة قليلة جداً وربما تنحصر بالرئيس فقط الذي سوف يدخل التاريخ! والباقي؟ سوف يحاسبون بالتأكيد من قبل الشعب، ولذلك لن يقبلوا أبداً بمثل هذا الحل. وليس أمامهم من خيار سوى القتال حتى آخر نفس لديهم، فالعدو من أمامهم والبحر من خلفهم. فلسان حالهم يقول: علي وعلى أعدائي!

بوادر هذا الخيار الوحيد بدأنا نراها تتحقق على أرض الواقع، ويحاولون طرحه بأفضل الطرق الممكنة لديهم. فمن ناحية يمارسون أقسى أشكال العنف والإجرام بحق المواطنين العزل لإرهابهم، ومن ناحية أخرى يلقون إليهم ببعض الوهم عن تشكيل لجان ولجان لدراسة ودراسة بعض (وليس كل) المطالب. وبنفس الوقت يقومون بتمييع حقوق الشهداء، فإعلامهم يعمل ليل نهار على تصوير المتظاهرين بالعملاء والعصابات المسلحة وهم بأشخاصهم وزبانيتهم انقسموا إلى فئتين: الأولى تصر على التخوين والثانية تظهر أسفها وحزنها على أرواح “الشهداء” وتنكر أن هناك أوامر بإطلاق النار وتعد بمحاسبة المسؤولين (بشكل سري!).

قلبي يتمزق كل ساعة عن سماع أو رؤية سقوط الشهداء والجرحى، وأتمنى أن يكون رأيي الذي أسلفت خاطئاً! لكن للأسف في هذه الأوقات لا مكان للعاطفة أثناء محاولة قراءة الواقع.

سوف أتوقف هنا في هذا الجزء وأتابع مع بقية التساؤلات في جزء أو جزئين لاحقين.

تصبحون على وطن حر.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *