ثورة سوريا:قراءة في تعقيدات الوضع الحالي-2

بانتظار المسيرات المؤيدة غداً في كافة أنحاء سوريا التي يرجح أنه لن يظهر فيها أي مندسون أو مخربون أو غيرهم (يا سبحان الله)، أتابع ما بدأته في الجزء الأول من هذا المقال حول مستقبل الثورة السورية. لماذا أقول أنها ثورة سورية؟ أعتقد أن مجرد خروج مظاهرة في سوريا هو ثورة بحد ذاته، ومن خرج كان انتحارياً بكل المقاييس، والأحداث أثببت ذلك!

أبدأ من حيث وصلت إليه الأحداث في سوريا خلال الأيام القليلة الماضية. بعد أن تركزت المظاهرات في درعا لعدة أيام وخرجت إلينا رواية الحكومة حول المندسين والمسلحين وغيرهم، انتقلت المظاهرات إلى عدة مدن وكان أهمها اللاذقية. وبحسب الكثير من الأصدقاء فإن قوات الأمن فرقت المتظاهرين بالقوة هناك وسقط شهيدان على الأقل، ثم بعد ذلك ظهر فجأة من يحاول إثارة الفتنة بين الطوائف هناك وظهر مسلحون يطلقون النار بشكل عشوائي بعد انسحاب قوى الأمن من الشوارع. واستشهد في هذه العملية العديد من المواطنين المدنيين ورجال الأمن. هل قلت استشهد رجال أمن؟ بالطبع هم شهداء، فقد قتلتهم يد الغدر بغض النظر عن صدق أو كذب الرواية الحكومية. ولا بد من قتل بعض رجال الأمن حتى تظهر الرواية بأصدق صورة ممكنة. ولكن السؤال الكبير: من أين ظهر المسلحون فجأة ولماذا لم يرد عليهم رجال الأمن الذين استبسلوا بقتل المواطنين في درعا؟ فرجال الأمن الذين لطالما روعوا الناس فجأة تحولوا إلى مستضعفين!

بكل الأحوال أثارت هذه الحوادث الرعب في نفوس المواطنين من كل أنحاء سوريا خوفاً من الفتنة الطائفية التي أطلت برأسها ثم لم تنجح، ثم خوفاً من المسلحين المجهولي الهوية (الأمان!). ويضاف إلى ذلك الإعلانات التي يبثها التلفزيون السوري، بكافة تنويعاته الشكلية، نقلاً عن وزارة الداخلية والتي تحذر المواطنين من الأطعمة مجهولة المصدر ومن الرسائل مجهولة المصدر التي تحث على التجمع في أماكن ومن القبض على مسلح هنا وآخر هناك، أو تلك التي تحذر من أن نساءً يجلن على المنازل ويحملن أسلحة مخبأة تحت الثياب، وكان أخر هذه الأخبار نقلاً عن “مصدر مسؤول” بأن قوات الأمن احتجزت قارباً قادماً من لبنان محملاً بالأسلحة الأمر الذي نفاه مدير عام الموانئ.

حشد النظام اليوم طلاب المدارس والموظفين الحكوميين وأعضاء النقابات المختلفة للخروج في مسيرات تأييد، متجاهلاً مشاعر السوريين وخاصة أهالي الشهداء والجرحى. ووصلني في هذه اللحظات أن بعض الشعارات التي تردد هي دموية من قبيل “يابشار لا تهتم…بدنا نعبي الساحة دم”!!!! وبنفس الوقت ينتظر من الرئيس اليوم أو في الغد أن يلقي خطابه الذي قال نائبه الشرع أنه سوف يطمئن السوريين، والذي تأخر كثيراً. وهذا تجاهل آخر للسوريين!

هل يمكن إدراج كل ذلك ضمن خانة استعراض العضلات قبيل الخطاب؟ يقولون أن المكتوب يعرف من عنوانه. أفليس العنوان هنا هو استهتار النظام بالسوريين ومطالبهم ومشاعرهم من خلال بث الرعب في نفوسهم وإشعارهم أنه هو ملجأهم الوحيد للأمان؟ وأن مؤيديه كثر؟ فهل ننتظر إصلاحات حقيقية وجدية؟ أتمنى ذلك، لأننا نريد أفضل النتائج بأقل الخسائر.

وهناك بعض المؤشرات التي ربما تدل على ارتباك النظام أو وجود صراع بين أجنحته. فتصريحات د.شعبان يوم الخميس الماضي أكدت أن إطلاق النار كان خطأ ولن يتكرر، وأن هناك حزمة إصلاحات. ثم عاد إطلاق النار بكثافة أكبر في اليوم التالي. كما أن شعبان صرحت أيضاً أن قرار إلغاء قانون الطوارئ قد اتخذ، لكن التلفزيون السوري نفى ذلك. ثم أكده لاحقاً فاروق الشرع. فهل هناك من يريد تنفيذ بعض الإصلاحات وهناك من يريد تعقيد الموقف على الأرض لقطع الطريق أمامها؟ أم هي مجرد لعبة العصا والجزرة لإرباك الناس؟

أعتقد أنه لدينا احتمالان بشأن متابعة التظاهر. لدينا عدة عوامل سوف تلعب دوراً في تحديد ذلك. حجم وجدية الإصلاحات من جهة، ورضى الناس عن هذه الإصلاحات وعن الطريقة التي سوف يخاطب الرئيس الشعب بها ومدى حساسيته تجاه الشهداء الذين سقطوا من جهة أخرى.

إن لاقت قرارات الإصلاح قبولاً لدى غالبياً الناس فأعتقد أن صراعان جديدان سوف يبدآن فوراً، الأول هو محاولة إقناع من وضع هدف إسقاط النظام أمامه بالعدول عن الفكرة. والثاني هو متابعة التنفيذ الفعلي لهذه الإصلاحت وعدم الإلفتاف عليها.

أما إن كان الخطاب استعلائياً وفارغاً من المضمون الحقيقي الذي من شأنه نقل البلد إلى مرحلة جديدة. فإن صمت الناس خوفاً من استعراض العضلات المتعدد الأبعاد الذي ذكرته سابقاً، فأعتقد أن البلاد سوف تدخل في نفق أظلم من سابقه، وسوف تشتد القبضة الأمنية وتشن حملة اعتقالات انتقامية ممن شارك في المظاهرات ولكل نشطاء الإنترنت ويزداد الفاسدين فساداً. أما إن استثارهم موقف النظام واستهتاره بهم فأعتقد أن يوم الجمعة القادم سوف يكون يوم غضب أو ربما حمام دماء جديد أو على أقل تقدير مقدمة ليوم غضب لن يطول.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *