تونس والسودان ومصر ولبنان وفلسطين والتاريخ والمواطنة بعد 2011

لن يكون وجه العالم والتاريخ نفسه بعد كانون الثاني/يناير 2011. لم أشهد في حياتي القصيرة أحداثاً بهذه الكثافة والتسارع والتوزع الجغرافي كما شهدته هذا الشهر. المنطقة العربية تغلي، والعالم ينظر مشدوهاً لما يحدث هنا. الحكومات الغربية حائرة بأمرها، لا تعلم ماذا تفعل. واللاعبون الأساسيون هم مواطنون. لأول مرة في التاريخ تتجه مقولة الشعب يصنع تاريخهإلى التحقق بشكل عياني على أرض الواقع. شكراً للغرب على مفاهيم الديمقراطية والمواطنة، وعلى كل هذه التقنيات، وجاء دورنا اليوم لنرفع معنى المواطنة إلى مرتبة أعلى. أليست هذه هي الحضارة الإنسانية الجمعية؟

شوارع بيروت مقطوعة

طرقات مقطوعة في العاصمة بيروت لبلال حسين (ا ب)

سقط بن علي ديكتاتور تونس قبل أسبوعين بثورة شعبية نقية. وصوت 99% من مواطني جنوب السودان على خيار الانفصال. ووقعت تفجيرات كنيسة القديسين في الإسكندريةوخرجت المظاهرات الشعبية تطالب بحقوقها في كل من الجزائر واليمن والأردن، وسقط جرحى واعتقل مواطنون فيها. سقطت حكومة سعد الحريري، وقوى 8 آذار تعتزم تشكيل حكومة جديدة تقول أنها لن تكون ذات لون واحد. وخرج اليوم مناصرون لتيار المستقبل في الشمال وأغلقوا بعض الطرقات. وكشفت شبكة الجزيرة وثائق سرية عن مفاوضات السلطة الفلسطينية تكشف حجم التنازلات الذي تنوي هذه السلطة القيام به لصالح إسرائيل. واليوم نحن على موعد مع 25 يناير/كانون الثاني يوم التغيير في مصر.

لم يكن الصراع في السودان وليد البارحة، والقول بأن انفصاله مجرد مؤامرة غربية يعبر عن رؤية سطحية لا تتجاوز حدود البروباغندا الإعلامية للأنظمة الشمولية. ربما يعتبر السودان أكثر دول المنطقة العربية تنوعاً من الناحية العرقية والدينية والثقافية والبيئية. ومن الطبيعي أن تتصارع المجموعات وخاصة بعد أن عبثت بها يد الاستعمار لسنوات طويلة مجيرة هذا التنوع لصالحها. إلا أن الصراع استمر بعد مرحلة الاستعمار متخذاً أشكالاً متنوعة، منها الحرب والتطرف في الدعوة إلى الإنفصال. وتوج هذا الصراع بالانفصال النهائي للجنوب عن الشمال، نتيجة فشل النظام في فهم وإدارة هذا التنوع لتحويله إلى نقطة قوة بدل أن يصبح هو المقتل. فقد دأبت السلطات المركزية على فرض رؤيتها وأيديولوجيتها الخاصة على سائر السكان ضاربة إرادتهم بعرض الحائط. فلا يمكن لنظام يتبنى القومية العربية بصورتها الفاشية والإسلام السياسي الأصولي أن يفرض مركب هاتين الهويتين على هذه المجموعات شديدة التباين. فالصراع في السودان كان ومازال صراع هوية على حد تعبير الكاتب ياسين الحاج صالح. وما للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة من يد سوى بالعزف على وتر مصالح الجنوبيين وحقوقهم لدعم الانفصال الذي يساير مصالحها. الانفصال بالتحليل النهائي ليس مؤامرة، بل هو مجرد فشل كبير. وللأسف لم تنتهي مشكلة السودان بعد، فمازالت أزمة دارفور قائمة، وما زالت تلك الأيديولوجية التي تسببت بتلك الكارثة قائمة، بل وتهدد أنها سوف تزداد فاشية وأصولية بعد الانفصال. بالرغم من أن ما حدث ضد مصالح دول المنطقة، إلا أن هذا كان خيار الجنوبيين وما علينا سوى احترامه، ووضع هذه النتيجة نصب أعيينا حتى لا نفشل مرة أخرى!

كان نبأ هروب بن علي غير سار بالنسبة للحكومات العربية والغربية كل من موقعه. فالأولى تخشى أن تستكشف شعوبها آفاقاً جديدة غير تلك التي دأبوا تلقينها إياها. أما الثانية فتخشى على مصالحها ومصالح إسرائيل إن توجت هذه الثورة بديمقراطية حقيقة تعبر عن مصالح الشعب التي لا تتفق مع مصالح من يريد جعل تونس حديقة خلفية له اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً. ويبدو أن الأقدار (في الحقيقة هي ثمرة صبر الشعوب وعدم نسيانها حقها في العيش الكريم وفي الأرض والمقاومة) لعبت لصالح الشعوب العربية. إذ صادف ثورة تونس وانتشاء المواطن العربي بهذا النصر (غير المكتمل بعد) سقوط حكومة الحريري ومعه قوى 14 آذار التي تحاول حصار المقاومة بكافة الوسائل ومنها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي توشك على السقوط كما سقط 17 أيار. وفي يوم بدء الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة البديل، أخرجت الجزيرة وثائق سرية تظهر بيع السلطة لحق الفلسطينيين بالأرض وبالعودة وتمنح إسرائيل أكبر قدس في التاريخ! هذه الصورة الكبرى التي لا نتوه فيها عن ملاحظة التأثير المتبادل بين كل مايجري والذي يتلخص بصورتين جزئيتين: تعزيز وعي الشعوب العربية لذاتها ولقوتها من ناحية ومن ناحية أخرى ارتباك القوى الكبرى في التعامل مع كل هذه المستجدات التسونامية دفعة واحدة، في حركة تصاعدية تبادلية بين هاتين الصورتين للتأسيس لمرحلة جديدة كلية.

لا ينتهي جدل الظلم والعدل على هذه الأرض. وهو في طور الانتقال إلى مرحلة جديدة الآن في المنطقة العربية. وبداية (اللحظة الأولى) اكتمال هذا الانتقال تتحقق في متابعة التونسيين ثورتهم وعدم القبول بالحلول الالتفافية التي تبقي رموز النظام السابق في سدة الحكم. والأهم من ذلك أن يحافظوا على هذه الروح الحضارية في الاحجتاج حتى تتحقق مطالبهم ومصالحهم وعدم الانسياق وراء غريزة الانتقام التي أول من سوف تدمره هو الشعب نفسه. فكما قال عزمي بشارة لا يقود الاجتثاث إلى الديمقراطية. الاجتثاث هو نفي لملايين من أبناء الشعبفنعيد بذلك إنتاج نفس النظام الذي قامت ضده الثورة. واللحظة الثانية في صيرورة اكتمال الانتقال ننتظرها بعد ساعات قليلة. غداً هو موعد المصريين مع يوم التغيير، فهل يلاقونه في الموعد؟ إن حدث ذلك فأعتقد أننا سوف نشهد تسارعاً كبيراً في الأحداث يؤسس للحظة الثالثة وهي الأهم. هناك عدة عوامل تجعل ليوم التغيير في مصر، في حال نجاحه، أهمية خاصة:

1- النظام المصري سلطوي بوليسي كغيره من الأنظمة العربية الأخرى.

2- تحمل مصر رمزية خاصة بالنسبة للشعوب العربية.

3- موقع مصر الجيوسياسي بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي وتواطؤ النظام المصري ضد قوى المقاومة، مما يجعل نجاح المظاهرات الشعبية في زعزة النظام الحاكم يؤثر إيجابياً وبشكل مباشر على الوضع في فلسطين ولبنان.

4- بدأت الثورة في تونس على الأرض بشكل عفوي بعد قيام البوعزيزي بحرق نفسه، ثم دخل الإعلام الاجتماعي (الذي كان له حضوره سابقاً بكل الأحوال) كمعزز وحاشد لتأييد المواطنين الآخرين. أما في مصر فالحالة معكوسة تقريباً (وهذا أمر طبيعي)، إذ انطلقت الدعوة ليوم التغيير على صفحات الفيس بوك وروج لها بكافة وسائل الإعلام الاجتماعي إلى أن انتقلت هذه الدعوة إلى باقي الأوساط الأخرى.

5- هناك في مصر، بخلاف تونس، بوادر فتنة طائفية إسلاميةمسيحية توجت مؤخراً بأحداث الإسكندرية (تفجير الكنيسة وما تبعه) استغلها النظام ليعزز قبضته على المصريين. فإن نجحت المظاهرات فهذا من شأنه قلب المعادلة وإخماد نار الفتنة. لأنهم بذلك يكونون قد وقفوا صفاً واحداً ضد الظلم بغض النظر عن الاختلافات بينهم، وهذه تشكل الخطوة الأولى على طريق الاتفاق والمواطنة الحقيقية.

وبذلك يشكل نجاح يوم التغيير في مصر نموذجاً يعتد به بالنسبة لشعوب دول عربية أخرى من ناحية استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي كخطوة سابقة للتحرك على الأرض. ومن ناحية وجود تنوع طائفي يجعل سكانها حذرين وقلقين من تحول أي عملية تغيير إلى صراعات طائفية وأهلية لن تتوانى السلطة عن تغذيتها واستخدامها لبث الرعب بين الناس.

هنا تأتي اللحظة الثالثة الأصعب والأكثر خطورة في صيرورة اكتمال الانتقال. إنها بدء التغيير في تلك الدول ذات التنوع الطائفي و/أو الإثني. فربما يشجع نجاح التغيير في مصر وانقسام السودان، شعوب تلك الدول على اتخاذ خطوتها هي الأخرى نحو الأمام مسلحة بالوعي الكافي بوحدة مصيرها وبقوتها الكامنة وأنها جميعها مستهدفة على السواء من قبل حكامها. وفي حال نجاحها في تخطي الامتحان، فسوف تكون قادرة على ترتيب بيتها الداخلي تحت سقف دستور وقانون تحتكم إليه ويظلها بكل اختلافاتها وتنوعها. وبذلك تبشر العالم بولادة مفهوم جديد للمواطنة لم تختبره الشعوب الغربية (عملياً) لأنها متجانسة دينياً في أغلب الأحيان، فلم تكن تعاني من ذلك الإنقسام الديني وإن انقسمت في يوم من الأيام على أساس طائفي الذي لم يرافقه انقسام ثقافي حاد كما هو الحال اليوم في العديد من الدول العربية، وفيما بين الشعوب العربية نفسها.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *