بدون فكرة: دهشة الولادة الأولى

أن تشاهد عملاً فنياً ساحراً يتركك بحالة من الفرح أو الحزن أو بحالة من التفكير العميق فهذا أمر يحدث بين الحين والآخر. ونشعر معه أن شيئاً قد تغير، ربما نعرفه أو لا نعرفه. أنا تشاهد عملاً أو تقرأ كتاباً مميزاً تستطيع تلمس تأثيره فيك سنوات وسنوات فهذا يحدث أيضاً مرات ومرات. لكن أن تشاهد عرضاً فنياً يتركك بحالة من الذهول ويطرح في رأسك آلالف الأسئلة ولا تعلم ما هو هذا الذي شاهدته بالضبط فهذا أمر بالنسبة لي ربما يحدث لمرة واحدة ولا يتكرر.

مسرحية بدون فكرةهذا كان حالي، ومازال، عندما خرجت من دار الأوبرا يوم الخميس 2 كانون الأول 2010 من العرض المسرحي الذي نظم من قبل المجلس الثقافي البريطاني بدمشق بالتعاون مع مؤسسة سعيد للتنميةحاولت أن أكتب شيئاً عن العرض خلال هذا الأسبوع، إلا أن الكلمات لم تساعدني، وأخشى ألا تساعدني الآن، ولكن سوف أحاول.

العرض من إخراج لي سيمبسون وأداء الممثلتين رايتشل سبنس وليزا هاموند التي لديها إعاقة جسدية تتمثل بقصر قامتها وتستخدم الكرسي المدولب في بعض الأحيان. لم يكن لدى الصديقتان ليزا ورايتشل فكرة عما يمكن أن تقدمانه للجمهور في العرض المسرحي. لذلك فكرتا بالخروج إلى الشارع وسؤال البريطانيين أن ينظروا إليهما جيداً ويتصوروا موضوع العرض ونوعه ومن يجب أن تلعب دور الشخصية الرئيسية. سجلتا الاقتراحات التي جاءت صادقة ومعبرة. وكان على هاتين الصديقتنين كتابة السيناريو لكل اقتراح وأدائه على المسرح. هذا من اقترح أن يكون العرض كوميدي يتم فيه استغلال إعاقة ليزا للقيام ببعض السرقات في المتاجر وهذا من اقترح أن تكون المسرحية تراجيدية تلعب فيه رايتشل دور الضحيةالتي سرقت حبيب ليزا وجاء اقتراح بأن يكون العرض غنائياً. كان الأمر ممتعاً حقاً ولا يخرج عما يعرفه بعضنا أو معظمنا عن تلك الصور النمطية التي يختزنها الناس عن ذوي الإعاقة وأدوارهم في الحياة. بل وأبعد من ذلك لم أفاجأ كثيراً أن الناس انساقت تلقائياً لتحديد الدور الذي يمكن أن تلعبه ليزا ليس كممثلة بل كشخص لديه إعاقة.

استمر عرض السيناريوهات أكثر من نصف ساعة. إلا أن ذلك لم يرق لرايتشل وليزا، فكل تلك العروض المحتملة لا تأتي بجديد بالرغم من أنها تكشف عن حقيقة نظرة المجتمع إلى الأشخاص ذوي الإعاقة. فخرجتا مرة أخرى إلى الشارع وقررتا ألا تتدخلان بمحتوى العرض، بل أن يقوم الناس بكتابة السيناريو بأنفسهم، وليس اقتراح الفكرة والنمط والأدوار فقط، وأن ينحصر دورهما بالتمثيل فقط. فطلبتا من الشخص الأول أن ينظر إليهما ويتخيل ماذا يمكن أن يكون دور كل واحدة منهما وماهو نص المشهد الأول. ثم انتقلتا إلى شخص آخر وعرضتا عليه المشهد الأول وماذا يريدان ثم طلبتا نص المشهد الثاني. ثم ثالث فرابع. وتم عرض كل تسجيل صوتي كما هو في القاعة قبل أدائه.

بدون فكرة في دمشقأراد المشهد الأول أن تكون كلأ من ليزا ورايتشل صديقتان كما هما في الواقع، وأن تكون ليزا هي الصديقة الغنية. وتساءلت هنا ليزا لماذا هذا التوزيع؟ هل هو رغبة بتعويض نقص ما؟ بكل الأحوال، في المشهد الثاني تتعرض رايتشل إلى حادث سيارة وتساعدها وتتعرف إلى طبيب ثم تطلب مساعدة ليزا لمعرفة نوايا هذا الطبيب قبل أن تغرم به. وبالفعل تقدم ليزا لها ما تريد وتتقدم الأحداث وتعيش رايتشل مع حبيبها الجديد تلك اللحظات الرومانسية الكلاسيكية التي نشاهدها في معظم الأفلام. ويظهر أشخاص جدد في النص هم عائلة رايتشل، ثم تتصاعد الأحداث ويحصل شجار بين الشقيقتين لأن الطبيب كان الحبيب السابق  لأخت رايتشل (لم يكن هناك شخصيات فعلية ولا ديكور خاص في المسرحية، بل تم تقديم كل شيء بشكل إيحائي من قبل رايتشل).

لحظة! أين ذهبت ليزا بعد المشهد الثاني؟

توقف العرض عند المشهد الخامس على ما أذكر. لم يعد الموضوع والسيناريو والأحداث هي ما يهم. بل برزت حقيقة مدهشة وصادمة، بالنسبة لي على الأقل. هذا النص الذي ابتكره الجمهور بأنفسهم أسقط فوراً دور ليزا في المسرحية، لم تعد مرئية، أو ربما لم تكن كذلك أساساً بالنسبة لهم.

آها إذاً! ليس فقط لدينا مواقف مسبقة وصور نمطية عن الأشخاص ذوي الإعاقة، بل هم غير مرئيين ومهمشين. بل أريد إعادة ترتيب الصورة بدقة أكبر. الشخص الذي لديه إعاقة غير موجود بالنسبة لنا ولا نراه ولا نضعه بعين الإعتبار، هذا في الحالة العامة. ولكن عندما تأتي اللحظة التي نضطر فيها إلى التعامل معه أو الحديث عنه أو أي نوع آخر تصبح إعاقته هي المعرف الوحيد له وتبدأ سلسلة الأفكار الجاهزة والمصنعة والصور النمطية.

لا أعتقد أن أي عمل فني أو فكري يمكن له أن يكون بهذه الشفافية ويستطيع أن يلج إلى عمق تعقيد الإنسان وقراءة الواقع بهذه الطريقة الصادقة. بالرغم من أن أصل العمل لم يكن عن الإعاقة، بل كان بدون فكرة حتى، إلا أنه رسم اللوحة الكبرى عن قضية الشخص، الإنسان الذي لديه إعاقة بأبسط الأدوات وأكثرها عفوية.

الصورة الأولى من موقع المجلس الثقافي البريطاني

الصورة الثانية من موقع معهد جنيف لحقوق الإنسان

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *