انسحاب روسي أم تثبيت واقع؟

لقد أنجزت القوات الروسية أهدافها وأسست لانطلاق الحل السياسي في سوريا

هكذا برر بوتين سحب القسم الأكبر من قواته من سوريا. حملت الشهور السابقة تغيرات دراماتيكية سورياً ودولياً منذ التدخل الروسي العسكري مباشرة في سوريا. وكانت المتغيرات كثيفة ومتسارعة في الأسبوعين السابقين، وأهمها إعلان السوريين استمرار الثورة بعد أن اعتقد العالم أنها انتهت وتحولت إلى حرب أهلية محضة، وبدء مواجهة الثورة مع جبهة النصرة (تنظيم القاعدة) وإعلان الانسحاب الجزئي الروسي.

ظروف التدخل الروسي ونتائجه الميدانية

حققت المعارضة السورية المسلحة تقدماً استراتيجياً على حساب نظام الأسد وإيران والميليشيات التابعة لهما منتصف العام السابق، وظهر النظام هشاً أمامها وعلى وشك السقوط. ولا بد من الإشارة أن هذا التقدم حصل دون دعم يذكر من الولايات المتحدة، وأن جبهة النصرة لعبت دوراً رئيسياً في الشمال والشمال الغربي، وتحديداً في مدينة إدلب وجسر الشغور. واقتربت المعارضة على إثر ذلك من مدن جبلة، قرب مطار حميميم، واللاذقية التي تبعد عن طرطوس عشرين كيلو متراً فقط. اكتشفنا لاحقاً أن بشار الأسد وقع على بيع سوريا إلى روسيا عندما كانت المعارضة المسلحة تجهز لتعزيز تقدمها نحو ريف حماة والساحل السوري.

الرئيس الروسي بوتين

مصدر الصورة: موقع المصريون

كان التدخل الروسي مفاجئاً للجميع، فقد بدأ دون سابق إنذار، وبدا وكأنه يضع العالم كله تحت الأمر الواقع الذي تريد روسيا فرضه في سوريا. ويبدو أن بوتين رغب باستثمار الانكفاء الأمريكي، وأنه قّدر بأن إدارة أوباما عاجزة عن الرد في عامها الأخير. كما أن عدم قدرة كل دولة من الاتحاد الأوروبي منفردة على اتخاذ المبادرة دون قيادة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تشتت القرار الأوروبي بسبب اختلاف وجهات نظر دوله حول سوريا شجع بوتين على عدم إضاعة الفرصة لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية لصالح روسيا.

حصل الروس على قاعدة جوية دائمة في سوريا، وأصبح عملياً أرضاً روسية، وعززوا قاعدة طرطوس البحرية ودورها. لم يستطع الروس تحقيق تقدم يذكر خلال المئة يوم الأولى من تدخلهم. كان نظام الأسد وإيران والميلشيات التابعة لهما أضعف من تحقيق أي انتصار بمساعدة الطيران الروسي الكثيف. ثم اضطرت إلى تكثيف غاراتها إلى حدود مئتي غارة يومياً على المعارضة المسلحة واتبعت سياسة الأرض المحروقة، ومن الواضح أنها ارتكبت جرائم حرب بشكل متعمد لتهجير السكان والضغط على تركيا وأوروبا، وإجبار المعارضة على التراجع. بالنهاية استطاع النظام وحلفائه عزل الريف الشمالي لحلب، واستطاعت قوات حزب PYD الكردي من انتزاع مناطق هامة من المعارضة بمساعدة الروس أيضاً. وبقي منفذ وحيد للمعارضة الموجودة بحلب، وهو طريق كاستيلو بعرض خمسة كيلومترات فقط محاطاً بالنظام من جهة وبالقوات الكردية من جهة ثانية.

ظروف إعلان الانسحاب الروسي وتوقيته

لم يكن من السهل التنبؤ بنوايا الروس عند بداية تدخلهم، إلا أن إحدى النظريات كانت تقول بأن بوتين يقامر، وأمامه وقت قصير، فإما أن يحقق أهدافه أو ينكسر نهائياً في سوريا وبالتالي في العالم. أي أن التدخل لن يطول كثيراً، بسبب محدودية الأهداف العسكرية لروسيا مقابل أهدافها السياسية المتمثلة بإيجاد حل سياسي وفق تصورها ومصالحها. وأن روسيا غير قادرة على تحمل التبعات السياسية والاقتصادية والعسكرية لحرب طويلة الأمد ضد السوريين. وبإعادة قراءة الأحداث مرة أخرى يبدو لنا أنه كان في ذهن بوتين موعد تقريبي للانسحاب، أو على الأقل إيقاف الأعمال العسكرية. ويدعم هذه النظرية، طرح مفاوضات جنيف مرة أخرى بعد التدخل وحرق ريف حلب خلال الشهر الأخير قبل الاتفاق مع الأمريكيين على وقف إطلاق النار.

الغارات الروسية

مصدر الصورة: موقع نجومي

اضطرت روسيا إلى زيادة غاراتها الجوية إلى نحو مئتي غارة يومياً لتستطيع تأمين بعض المكاسب العسكرية، بسبب الصمود الأسطوري لقوات المعارضة المسلحة التي كانت تقاتل على ثلاث جبهات في وقت واحد، ضد النظام وحلفائه وقوات حزب PYD وتنظيم داعش. فإن صحت النظرية السابقة حول نوايا بوتين الأولية وهذا المرجح بالنسبة لنا، فإن هذا الصمود أجبر بوتين على التقيد بخطته وعدم التمادي أكثر من ذلك. وإن كان ينوي تحقيق انتصار كاسح على المعارضة، فقد أجبر على إعادة حساباته من جديد واتخاذ القرار بعدم التورط أبعد من ذلك. وبكلتا الحالتين، لا يصح أبداً القول بأن قرار بوتين بالانسحاب الجزئي كان على خلفية خلافات مع الأسد بسبب أدائه قبل مفاوضات جنيف.

قد تكون تصريحات وليد المعلم، وقبلها تصريحات الأسد نفسه، عجلت باتخاذ القرار وفرضت إعلانه بهذا التوقيت وهذه الطريقة التي لا تتناسب إلا مع كون الأسد أصبح تابعاً لروسيا. لكن وبكل الأحوال، فإن قراراً بهذا الحجم، وخاصة أن روسيا سحبت نصف قواتها فعلياً من سوريا حتى لحظة كتابة هذا المقال، لا يمكن إلا أن يكون قد اتخذ بشكل مسبق، أو على أقل تقدير كان مطروحاً على طاولة البحث الروسية. والأرجح أن يكون القرار قد اتخذ بالتزامن مع بحث وقف إطلاق النار، والاتفاق عليه مع الأمريكيين.

وبعيداً عن الجغرافيا السورية، فإن عوامل أخرى قد تكون عززت هذا الاتجاه لدى الروسي. أولاً تعزيز القوات الأمريكية في دول البلطيق، أي على الحدود بين حلف الناتو وروسيا، وثانياً تعزيز حلف الناتو وجوده في البحر المتوسط بحجة مكافحة مهربي المهاجرين. يبدو أن روسيا شعرت بأن الناتو يسعى إلى حصار روسيا من الغرب والجنوب بهدوء ودون إثارة الكثير من الضجة. وإن كان الأمريكيون يخططون لدفع روسيا إلى الغرق في الحرب مع السوريين كما حدث في أفغانستان سابقاً، وبنفس الوقت تعزيز قوات الناتو على حدود روسيا، فإن بتوتين يعمل على إفشال هذه الخطط واكتفى بما تحقق عسكرياً ليتوجه إلى تثبيته واستثماره سياسياً.

أما عن دول الخليج، فالحركة بينها وبين روسيا واضحة، إلا أنها غامضة النتائج. لكن في العموم يمكن تتبع احتمالين لعلاقة دول الخليج بإعلان الانسحاب. الأول هو اطمئنان روسيا لعدم قدرة السعودية على تنفيذ تهديدها بالتدخل في سوريا بعد أن سحبت السعودية هذه التهديدات وأعادت المسألة إلى الولايات المتحدة. والاحتمال الثاني أن تفاهماً ما تم بين روسيا والسعودية حول سوريا، أو على الأقل حول التدخل الروسي في سوريا في مقابل عدم دعم روسيا لإيران في اليمن. وقد يكون الاحتمال الثاني هو الأرجح عند تذكر تصريحات سيرغي لافروف قبل أسبوع حول دعم الشرعية في اليمن وتجديد دعم بلاده للقرار 2216. أما الأحاديث عن خشية روسيا من تدخل سعوديتركي محتمل فهو ضعيف لعدم وجود ما يدعمه في الواقع.

العودة إلى نتائج التدخل الروسيمنظور جيوسياسي

من الواضح أن روسيا فرضت نفسها بصفتها اللاعب الأول في الملف السوري جراء تدخلها العسكري. إلا أن الأمر يتعدى ذلك بالنسبة لكثير من الدول. فإن كانت الولايات المتحدة دعمت القوات الكردية في سوريا ضد تنظيم داعش في شمال شرق سوريا، فإن روسيا حققت لهم بالتواطؤ مع الولايات المتحدة مكاسباً ضد المعارضة المسلحة في شمال غرب سوريا في المناطق الحساسة بالنسبة لتركيا، وساعدتهم على الاقتراب من رسم الحدود التي يطمحون لها. وتحرشت روسيا بتركيا عدة مرات لصياغة قواعد اشتباك تتناسب مع الدور الذي تريده روسيا في المنطقة، ومرة أخرى بالتواطؤ مع الولايات المتحدة وباقي دول حلف الناتو.

أما بالنسبة لإيران، فيبدو أنها كانت من ضمن أهداف روسيا عندما تدخلت في سوريا. قبل ذلك، كان قرار الأسد عملياً بيد إيران، وكانت قوات الأسد تدار بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل الحرس الثوري الإيراني. ومن المحتمل أن الروس لم يعجبهم هذا التمدد الإيراني الذي يدعمه توصلها إلى الاتفاق حول ملفها النووي مع القوى الدولية، وأرادوا أن يحجموا دور إيران في سوريا وبالتالي في المنطقة عموماً. وهناك شكوك جدية بدور ممكن لروسيا بمقتل عدد كبير نسبياً من الضباط الكبار في الحرس الثوري وحزب الله. ويدعم هذه الفرضية تراجع الفاعلية السياسية وضعف الظهور الإعلامي الإيراني حول سوريا. بالإضافة إلى دعم روسيا لقرار مجلس الأمن 2216 بخصوص اليمن، الذي لم يكن في صالح الحوثيين المدعومين إيرانياً.

في العموم، لا يمكن الاعتقاد بأن روسيا لم تفكر ببعض مفاعيل الاتفاق النووي الإيراني التي لن تكون لمصلحتها. فبمجرد أن لاحت في الأفق بوادر الاتفاق النووي مع إيران سارعت عدة شركات غربية للاستثمار في إيران، ومن ضمن مجالات الاستثمار، الطاقة. تريد إيران تصدير الغاز وبشكل خاص إلى أوروبا، وبشكل خاص أكثر إلى ألمانيا. ولا بد أن يمر خط الغاز من سوريا. كانت هناك مشاريع لتحقيق ذلك وآخرها كان خط الأنابيب الإسلاميالذي يمر من العراق إلى السواحل السورية. إيران حليفة لروسيا طبعاً، وبنفس الوقت لا تريد روسيا أن تسمح للأوروبيين بإيجاد بدائل عن الغاز الروسي. ويمكن حل هذه المشكلة من خلال مسارين: الأول إضعاف إيران في سوريا إلى الحدود التي تمنع الاصطدام معها. والثاني تحكم روسيا بتصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا، وهو ما لن تمانع به إيران في الوقت الحالي. وكانت روسيا قد سلكت سلوكاً مشابهاً رداً على مشروع خط الغاز نابوكوحيث اشترت إنتاج الغاز من تركمانستان وأذربيجان لعشر سنوات قادمة لمنع وصوله بشكل مباشر إلى أوروبا.

تأثير إعلان الانسحاب على دول المنطقة

لا يمكن فعلياً فصل كل من التدخل الروسي واتفاق وقف إطلاق النار وإعلان الانسحاب الجزئي عن بعضها، فكل هذه المحطات عبارة عن عملية متكاملة يراد لها أن تحقق نتائج متكاملة على التتابع. إلا أن الفصل بين نتائج التدخل وتأثير إعلان الانسحاب يأتي لغرض التحليل ومواكبة التتابع الزمني.

لقد أصبحت إيران في موقع أضعف من قبل في سوريا. وأصبحت قدرتها محدودة في اتخاذ المبادرة السياسية والعسكرية. والأبعد من ذلك، فقد أصبحت قوات النظام وميليشياتها في موقف صعب عسكرياً. لقد تقدمت تلك القوات وفق الإيقاع الروسي السريع وتحت حماية طائراته. وهي غير قادرة على الثبات في مكانها إلا باستمرار وقف إطلاق النار أو عودة الطيران لحمايتها في حال انهياره وقف إطلاق النار فقد تقدمت على مساحات وفي مواقع لا تسمح بها قوتها الذاتية المنهارة. وإعلان الانسحاب يضغط على إيران لجهة تركها وحيدة هي وميليشياتها في المعركة المحتملة إن لم تلتزم بالمسار الروسي.

من جهة أخرى، رسم التدخل الروسي حدوداً جديدة للمناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية يجعلها صالحة لإعلان انفصال هذه المناطق عند هدوء المعارك. وفعلاً، استغل حزب الـ PYD إعلان الانسحاب لأنه يثبت وقف إطلاق النار فأعلنوا قيام فيدرالية شمال سوريا. ومن اللافت للنظر أن إعلان الفيدرالية كان في رميلانحيث أن العديد من التقارير أشارت إلى أن الولايات المتحدة تقوم ببناء قاعدة جوية عسكرية هناك. وهذا يؤشر إلى توافق روسيأمريكي حول دعم انفصال الأكراد عن سوريا.

إن انفصال الأكراد في سوريا يؤسس في مراحل لاحقة، ليست قريبة جداً، إلى تقسيم تركيا نفسها، ولن تكون إيران بمنأى عن هذه الارتدادات وسوف يكون تقسيمها بعد تركيا مباشرة لاستكمال حلم دولة كردستان. وأعتقد أن زيارة داوود أوغلو إلى إيران بعد بضعة أيام من إعلان وقف إطلاق النار مؤشراً على رغبة كل من تركيا وإيران بمنع تقسيم سوريا. وكانت تصريحات البلدين أثناء الزيارة حول ضرورة التعاون للحفاظ على وحدة سوريا داعمة لهذه الفرضية. لقد فهم كل من الأتراك والإيرانيين أن وقف إطلاق النار إن كتب له النجاح فمن شأنه تثبيت الخرائط الميدانية الحالية على أقل تقدير. وسوف تتعزز هذه المخاوف أكثر بعد أن قدمت روسيا أسلحة مضادة للطيران إلى كردستان العراق. ومن المحتمل أن نشهد في الفترة القادمة محاولات تركيةإيرانيةسعودية لحل الملفات الإقليمية بعيداً عن روسيا والولايات المتحدة من أجل الحفاظ على وحدة سوريا وبالتالي وحدتها هي نفسها.

تأثير الانسحاب على الثورة

رغم أن روسيا هي من سعت جاهدة للحصول على وقفٍ لإطلاق النار، إلا أن الثورة السورية كانت من أكبر الرابحين من الانخفاض الكبير في قصف المدنيين. لقد جدد السوريون مطالبهم بإسقاط النظام، بعد أن اعتقد العالم أنهم تعبوا ويريدون وقف ما يسميه الغرب بالحرب الأهلية بأي ثمن. أثبت السوريون لأنفسهم قبل أي أحد أنهم لم يتعبوا، ولن يتعبوا، وأنهم قادرين على إنتاج البديل عن نظام الأسد المجرم عندما لا يكون هناك حاجة للقتال. وكان الإعلان عن الانسحاب الجزئي تثبيت طويل الأمد لوقف إطلاق النار، إن لم تحدث مفاجآت من قبل النظام. وبعيداً عن التصريحات الإعلامية الأخيرة لبوتين، فإن الروس لم ينسحبوا ليعودوا قريباً. وبالتالي فعلى السوريين استثمار الهدوء النسبي بتأكيد مطالبهم ومراجعة السنوات الخمس الماضية والعمل على استثمار هذا الزخم الكبير من خلال شبكات التعاون بين السكان وبين أطراف المعارضة. وأعتقد أن أداء المعارضة السياسية والعسكرية على السواء تحسن كثيراً منذ التدخل الروسي، أي أنه هناك ما يمكن أن نشكر روسيا عليه!

جبهة النصرة-معرة النعمان

إنزال علم جبهة النصرة في مظاهرة في معرة النعمان يوم 16-آذار-2016

لكن هذا الزخم لا يخلو من مشكلات يجب العمل عليها، وعلى رأسها مشكلة إعلان الفيدرالية شمال سوريا، ومشكلة جبهة النصرة. يبدو أن الروس والأمريكان يدعمان تقسيم سوريا، وإن صح ذلك فلا يوجد وسيلة لإلغاء مفاعيل هذا الإعلان سوى العمل العسكري ضد حزب PYD والميلشيات المقاتلة معه. لكن المعارضة غير قادرة على المبادرة بالمعركة بسبب اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما يستفيد منه حزب PYD. ويبدو أنه يجب انتظار ارتكاب النظام حماقة ما تؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار. ويجب على المعارضة المسلحة أن توازن بين مخاطر تأخير الاشتباك مع حزب PYD والذي يؤدي إلى تثبيت الأوضاع الجديدة، وبين مكاسب الهدوء النسبي الذي يؤمنه وقف إطلاق النار. ويمكن حل هذه المشكلة من خلال العمل السياسي الجاد مع بقية الأكراد والتوافق كلنا معاً على مستقبل سوريا يحافظ على مصالح الجميع ويعيد الحقوق المسلوبة لأكراد سوريا. ربما من خلال نظام سياسي يعتمد اللامركزية الموسعة؟

أما جبهة النصرة، فهي استغلت قيام النظام بالمجازر ضد السوريين على مدى خمس سنوات لتكسب شرعية المدافع عن السوريين والمحارب لنظام الأسد. وبدأت تفقد النصرة بعضاً من شرعيتها عن انطلاق أعمال مؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذي شاركت فيه فصائل من المعارضة المسلحة بهدف الذهاب إلى المفاوضات. وطالبت هذه الفصائل الجبهة بإعلان انفصالها عن تنظيم القاعدة وتأييد مطالب الثورة السورية إلا أنها رفضت وأصرت على مشروعها غير السوري. وهي اليوم من المتضررين الرئيسيين من وقف إطلاق النار لأنه يجعلها مكشوفة. وهي كشفت عن نفس عندما قمعت مظاهرات سلمية تحمل علم الثورة، وعندما اقتحمت واحتلت مقرات أحد فصائل الجيش الحر. ومن المتوقع أن تقوم بمحاولة إفشال وقف إطلاق النار كما أعلنت يوم أمس.

ختاماً

ورغم أن التحليل في معظمه يركز على مكاسب روسيا، التي هي فعلاً حققتها، إلا أن الاستمرار في تحقيق المزيد أو حتى الحفاظ على ما حققته ليس مسألة حتمية. وإن بدا أن روسيا قد حققت نصراً ما في سوريا، فيجب ألا ننسى أنها انسحبت دون أن تقبض ثمناً لهذا الانسحاب، في أوكرانيا بشكل أساسي. لأن النتيجة السياسية التي يمكن أن تجنيها موسكو من تدخلها العسكري في سوريا هي نتيجة التدخل وليس الانسحاب، وهي انسحبت بنفسها دون صفقة ما خارج سوريا. وإن كانت روسيا قادرة على الاستمرار في وجودها لفترة طويلة ودفع ثمن ذلك لاستمرت بكل تأكيد، حتى تستطيع أن تبيع انسحابها في سوق الناتو، وتحديداً فيما يخص أوكرانيا والعقوبات الغربية عليها.

أخيراً، يستحق السؤال عن موقف الولايات المتحدة وأوروبا بحثاً جدياً آخر، فمن السهولة بمكان تبسيط الأمور والقول أن إدارة أوباما مترددة. لكن من الواضح أن هناك استراتيجية متماسكة يؤسس لها أوباما ويريد لها أن تستمر لما بعد إدارته.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *