الملحمة السورية والجسم السياسي المشوه

حملت اللحظات الأولى من العام الجديد تناقضاً صارخاً بين ثورة ملحمية استقبل أهلها رأس السنة باحتفالات ورقص وألعاب نارية عمت شوارع سوريا لأول مرة، وبين معارضة تعلن اتفاقها فاختلافها فانقسامها فحفلات هجموم إعلامي خلال ساعات قليلة.لخصت مجمل حال الثورة السورية على المستويين الميداني والسياسي.

شيع الثوار شهداءهم الذين سقطوا في 31 كانون الأول، وقبيل منتصف الليل توافدوا إلى الساحات مزهوين بانتصارات العام السابق ومعاهدين سوريا وأنفسهم بمتابعة الطريق إلى نهايته مهما بلغت التضحيات من شهداء وجرحى ومعتقلين. احتفلوا بعام جديد حملوا له الأمل بغد جديد، بسوريا جديدة تقطع مع الاستبداد والفساد وانتهاك الكرامات إلى الأبد. استطاع هذا الشعب بثورته السلمية وتقديم القرابين واحدة تلو الأخرى أن يسمع صوته ويسقط الشرعية عن النظام محلياً وإقليمياً ودولياً رغم أن الجميع لا يعنيه الخلاص القريب لهذا الشعب، بل جل ما يهمهم هو نهاية تضمن مصالحهم هم فقط. أثبت السوريون ليلة رأس السنة أنهم ماضون في طريقهم لتحقيق أهدافهم في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي خرجوا من أجلها شاء من شاء وأبى من أبى. ومن المهم أن نذكر دائماً أن محاولات حرف الثورة عن أهدافها الرئيسية وسرقتها بدأت مع الأيام الأولى لانطلاقها، ابتداءً من النظام إلى كل الأطراف العربية والإقليمية والدولية. ربما لم يشهد التاريخ ثورة حاربت على كل الجبهات معاً دون أن تتراجع، بل وتصر على مواصلة النضال السلمي حتى إسقاط كل الأقنعة التي يتكشف منها الجديد كل يوم.

يمكن فهم تعدد وتنوع المعارك التي على الشعب أن يخوضها نتيجة خصوصية وضع الدولة السورية. فوجودها في قلب ما يسمى بالشرق الأوسط وفي قلب جميع الصراعات الإقليمية وتحديداً فيما يتعلق بإيران وإسرائيل والنفوذ التركي والسعودي والقطري، والتعدد الطائفي والقومي الواقع الذي يتجاوز حدود سوريا نحو العراق ولبنان وتركيا وإيران وحتى دول الخليج بنسبة ما، كل ذلك يصعب من مهمة الثورة في تحديد الأسلوب المناسب والأنجع للتعامل مع كل من هذه المحددات بالغة الحساسية وخاصة أنها ثورة شعبية لا قائد لها. وعليه يمكن فهم بعض المنزلقات (بالمعنى السياسي) التي يقع فيها الثوار كردود فعل عفوية نابعة من ثقافة شعبية تفتقر إلى القدر المناسب من الوعي السياسي نتيجة قيام النظام طيلة أربعة عقود بقتل كل ما يتعلق بالحياة السياسية والفعل المدني للمجتمع السوري وإعادته إلى حالته الأولية كمركبات أهلية تعتمد على العصبية (العائلية، المناطقية، الطائفية، العشائرية) في تفاعلاتها الداخلية والخارجية. لكن ما لايمكن قبوله أن تقوم المعارضة السورية نفسها بفتح جبهتين إضافيتين يطلب من الشعب السوري القتال عليهما أيضاً، ولا يمكن بعد مضي عشرة أشهر على بدء الثورة فهم ضعف المعارضة في الحقل السياسي الذي يفترض أن يكون في جوهر مهامها في هذه اللحظة الثوريةالسياسية.

ارتكبت هيئة التنسيق الوطني خطأً قاتلاً برفضها تبني مطلب الشارع الرئيسي في إسقاط النظام الذي يشكل عقبة في تحقيق أهداف الثورة النهائية. استخدمت، وما زالت إلى الآن، الكثير من الألعاب اللفظية للالتفاف على هاتين الكلمتين البسيطتين، وكانت دائماً تعبر بشكل موارب عن رغبتها بحل سياسي يتأتى عن طريق الحوار، الأمر الذي فهمه الناس في الشارع على أنه تقديم فرص مجانية للنظام الذي لم يعر بالاً للمنطق السياسي بل كان يمعن كل باستخدام الحل الأمني ضد مطالب السوريين، فسقطت هيئة التنسيق أمام قطاع واسع جداً من الشارع الثائر.

ولد المجلس الوطني في لحظة شعر الناس فيها بانسداد كل أفق لانفراج قادم وخاصة بعدما صعد النظام من حملته الأمنية اعتباراً من شهر آب ووجد المتظاهرون أنفسهم وحيدين في مواجهة آلة القتل وليس بيدهم من أداة سوى التظاهر لإسقاط النظام. سوق للناس حينها أن هناك ضرورية ملحة لجسم سياسي للثورة. تزامن كل ذلك مع التركيز والترويج من قبل البعض على ضرورية التسلح وطلب التدخل الخارجي لحماية المدنيين. تم تشكيل المجلس متبنياً التدخل الخارجي (الحظر الجوي) والدعم المطلق للجيش الحر كبندين شبه وحيدين في برنامجه السياسي، مستغلاً بذلك لحظة الدم التي يطلب الناس بها الحل بأي طريق كان ولا يمكن لومهم على ذلك إطلاقاً. أراد المجلس من برنامجه المختصر هذا أن يقول للناس أنه يتبنى مطالبهم كما هي وبلغتهم هم تمهيداً لطرح نفسه كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، ورفعت اللافتات له في المظاهرات فعلاً. لا يعيب الناس التي تقتل وتعتقل وتدمر بيوتها كل يوم أن تطلب التدخل الخارجي سبيلاً للحماية، بل يعيب المجلس ألا يقرأ الواقع بشكل صحيح، أو عدم رغبته بذلك، ليترجم هذا المطلب المشروع تماماً إلى عمل سياسي ليس بالضرورة يؤدي إلى تدخل عسكري من أي نوع كان. يبدو أن المجلس زاود على حاجات الناس الطبيعية واستمر في إيهامهم أنه قادر على تحقيق مطلب الحظر الجوي لحمايتهم، وأنه قادر على دعم الجيش الحر لحمايتهم. تسويق الوهم هذا أدى فيما أدى إلى قناعة المتظاهرين أن الحل قادم على يد المجلس فخفت صوت النشطاء المدنيين الداعين بشكل أساسي للتمسك بالقدرات الذاتية وبلاعنفية الثورة كمخرج ممكن وعقلاني لحالة الاستعصاء تلك.

دخل كلاً من هيئة التنسيق والمجلس الوطنيين في صراع دائم على من يمثل نسبة أكبر من السوريين، ومن يمثل العقل السياسي الواعي لهذه الثورة الملحمية. اضطررنا لحضور الكثير حفلات التخوين والتشبيح الإعلامي من الطرفين على شاشات الفضائيات والقليل من الفعل السياسي الحقيقي. لا أجد نفسي أجني على كلا الطرفين إن قلت أنهما بعيدان كل البعد عن الناس ومطالبها، فالهيئة لا تؤمن بقدرة الثورة على الإنجاز فتسارع إلى الحصول على ما يقدمه النظام في كل لحظة من مكاسب ممكنة، والمجلس لا يرى أن للثورة قوة ذاتية هائلة استطاعت لوحدها وبمواجهة الجميع أن تحقق الكثير من التقدم، فأصر على استجداء التدخل الخارجي (لإنقاذ) الثورة. ولا يمكن أيضاً استبعاد احتمال الهرولة من كلا الطرفين للحصول على أكبر حصة ممكنة (وربما الحصة كلها) من سوريا المستقبل، فيحاول كل فريق جر البلاد والناس إلى الحقل الذي يجيد اللعب فيه.

كان موضوع التدخل الخارجي ودعم الجيش الحر، رفضاً أو قبولاً هو الطُعم الذي يريد كلاً منهما رميه للثوار لاكتساب الشرعية منهم. وخاضا نقاشات بيزنطية لا طائل من معظمها، وغاب عن بال الطرفين، وخاصة المجلس الوطني، أو تعمدا تجاهل دراسة إمكانية هذا التدخل أساساً، وهل الدول الغربية والإقليمية راغبة به؟ وهل هناك إمكانيات حقيقية لدعم الجيش الحر؟ إن محضر اللقاء بين الدكتور برهان غليون وهيلاري كلينتون يبين بما لا يدع مجالاً للشك أن مثل هذا التدخل غير وارد على أجنده كل الدول على الأقل في المدى المنظور. وفي المقلب الآخر يبدو أن من كتب اللافتة في كفرنبل التي تقول ثورتنا ما زالت سلمية لعدم توفر السلاحيملك قدرة على قراءة الحقائق تفوق بكثير ما يملكه الهيئة والمجلس مجتمعين.

خلاصة القول أن ما حدث ليلة رأس السنة من احتفالات تؤكد إصرار الثورة على الوصول إلى أهدافها مهما بلغ الثمن ومن انقسام ومهاترات بين المعارضين، وعودة أشكال المقاومة اللاعنفية إلى الساحة مجدداً من خلال أنشطة روزنامة الحرية وفعاليات إضراب الكرامة المتزامن مع الشعور باليأس من الحلول الجاهزة المقدمة من الخارج، كل ذلك يبرهن أن الثورة بخير وأنها تعود إلى مسارها الأجدى والأوفر كلفة والذي يعد بمستقبل مدني ديمقراطي لسوريا.

كتبت هذا النص كمساهمة في ملف العام الذي مر كثورةعلى موقع صفحات سوريا بمشاركة مجموعة من الكتاب الشباب.

قد يعجبك أيضاً...

1 Response

  1. 3 مارس، 2016

    […] الخيال، هو عدم قدرة المعارضة على الارتقاء إلى مستوى الملحمة السورية. وكلي أمل وعمل حتى ننجز هذا البناء الذي سوف يكون هدية […]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *