المعارضة السوري: إعلان دمشق…ج1

استهلال

أتيت في مقال سابق على ذكر ثلاثة نماذج من ما يسمى بالمعارضة السورية إن كان استحقاقاً أو زوراً. وقلت حينها أني أرى في ائتلاف إعلان دمشق بذرة معارضة حقيقة من واجبنا دعمها ونقدها. لكني أعتقد الآن، وبعد مراجعة عمل هذا الائتلاف منذ صدور الإعلان وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، أعتقد أني كنت مخطئاً من ناحية ومصيباً من ناحية أخرى.

لم يكن من السهل أبداً اجتماع قوى حزبية وشخصيات مستقلة من مختلف التيارات السياسية والفكرية القومية والليبرالية والإسلامية واليسارية وتوافقهم لصياغة الإعلان ووضع الهدف المشترك أمامهم والذي يتجسد في إحداث التغيير الديمقراطي ليعود الحكم إلى مصدره الطبيعي وهو الشعب. إن التوافق لا يمكن أن يكون دون تنازل الأطراف عن بعض من مصالحها الذاتية متيحةً المجال لمصالح الآخر لتأخذ حيزها الطبيعي أثناء التقدم نحو نظام ديمقراطي لا استئصالي ولا استئثاري ولا شمولي. كان هذا العمل بحاجة إلى عمل مضني بالتأكيد لالتقاء تيارات فكرية متعارضة فيما بينها ضمن بيئة سياسية واجتماعية رافضة للأخر بما هو كذلك دون أدنى مناقشة لرؤاه وطروحاته. وإن مجرد الخروج إلى العلن والعمل تحت ضوء الشمس، وكسر حواجز الخوف  وحلحلة الجمود في المشهد السياسي السوري بسبب احتكار حزب واحد للعمل في الشأن العام لأكثر من أربعين عاماً، كان إنجازاً نكن له كل الاحترام والتقدير، بل وندين له في أي تطور لاحق للحياة السياسية في سوريا. ولا ننسى  أن هذا التوافق بحد ذاته شكل مخاطرة بالسلامة الشخصية للموقعين عليه. كل هذا شكل الزاوية التي أصبت فيها عند وصفي هذا الائتلاف ببذرة لمعارضة حقيقة.

أما الزاوية التي أخطأت فيها، تتجلى وباختصار، في عدم وعيي حينها أن هذا التوافق كان إلى حد كبير شكلياً مما أوقع الإعلان في أفخاخ كان بغنىً عنها حتى على مستوى الصياغة، وهذا ما سآتي على ذكره بالتفصيل لاحقاًوالسبب في ذلك، أن التوافق كان بحاجة لمراجعة القوى والأحزاب المسيطرة على الحياة السياسية المعارضة، إن جاز التعبير، خلال العقود الماضية لبناها الفكرية والأيديولوجية. ومن ناحية أخرى لم تكلف القوى والتيارات الحديثة نسبياً على الساحة السياسة نفسها عناء التأسيس لمنظومتها الفكرية الخاصة. فكيف، وذلك هو الحال، سوف تستطيع تلك القوى المعارضة الاتفاق أو على الأقل التوافق بشكل حقيقي وعميق حول الهدف الرئيسي وهو الديمقراطية؟ ناهيك عن آليات الخروج من المآزق التاريخية للمواطن السوري.

ويبرز هنا السؤال الثلاثي: هل ولد الإعلان ميتاً؟ أم مات مع انعقاد المجلس الوطني الموسع؟ أم ما زالت هناك بارقة أمل لإنعاش هذا الائتلاف؟

سوف أخصص الجزأين الأول والثاني لنقد وثيقة إعلان دمشق، ومن ثم أتابع في الأجزاء اللاحقة نقد عمل هذا الائتلاف منذ صدور الإعلان حتى الآن.

نقد إعلان دمشق

بادئ ذي بدء، لم أفهم إلى الآن سبب نسب اسم الإعلان إلى مدينة دمشق وليس إلى سوريا. صحيح أن دمشق هي العاصمة وصحيح أنها تعتبر رمزاً بشكل أو بآخر بالنسبة للسوريين، لكن كل ذلك ليس مبرراً لانفراد مدينة دمشق باسم الإعلان دوناً عن باقي المدن الأخرى. بكل الأحوال هذه نقطة شكلية إلى حد ما، أما الأهم فهو الآتي.

التوقيت

لا يمكننا سلخ الإعلان عن مجريات الأحداث السياسية الاقليمية والدولية وتفاعلاتها ضمن الساحة السورية وانعكاساتها عليها، فقد ظهر الإعلان في نهاية عام 2005 الذي تم فيه اغتيال رفيق الحريري وبعد إنشاء لجنة التحقيق الدولية بقيادة ديتليف ميليس، وتحديداً قبل تسليم تقريره عن مجريات التحقيق إلى مجلس الأمن بأيام قليلة. كانت الرياح حينها تجري بما لا تشتهيه سفينة النظام السوري، ووجد هذا الأخير نفسه معزولاً وغير مرغوب به، أو بسلوكه على الأقل، من قبل جميع دول العالم تقريباً بما فيها الدول العربية. هذا المناخ السائد جعل المعدين لإعلان دمشق يستعجلون في إظهاره للعلن للاستفادة من تلك الرياح قدر الإمكان وتسخيرها لصالحه. لا أدعي معرفتي بمجريات التفاوض حول نص الإعلان، لكن الثغرات التي حفل بها وكذلك بعض التناقضات كانت خير دال على هذه العجالة.

يبدو أن أطراف الإعلان اعتقدت أن ما بقي من عمر النظام يعد بالأشهر فقط، مما دفعها للدعوة للتعبئة لمهمة تغيير إنقاذية، فسقوط النظام بات وشيكاً ولا بد من اتخاذ الخطوات اللازمة لملئ الفراغ السياسي وعدم ترك الفرصة للمغامرين والمقامرين بمستقبل البلاد. هذا التوقيت الغير مناسب كان برأيي أسوأ فخ وقع فيه الإعلان لأنه كان السبب عملياً في معظم الثغرات التي سوف نأتي على ذكرها لاحقاً، بل أعطت انطباعاً عند البعض بأن الإعلان مرتبط بأجندة خارجية ما، أو على الأقل تم ربط ساعة التحرك الداخلي على إيقاع المتغيرات الإقليمية والدولية.

الإعلان يفقد المبادرة

فقد الإعلان روح المبادرة في أكثر من مكان. فرغم أنه رفض التغيير الذي يأتي محمولاً من الخارج، وبالتالي لا يستطيع أحد أن يتهمه بأنه  يتبع لأجندة خارجية أو أنه مرهون للخارج، إلا أن هذا لا يعني أنه لم يراهن على الخارج، والفرق شاسع بين الرهان والارتهان. ومثله كمثل إحدى الشركات التي تسعى أن تنافس شركة أخرى مسيطرة في السوق، لكنها عاجزة ضمن إمكانياتها عن بلوغ الهدف، وبالتالي فالحل الوحيد المتاح، عندما تكون في عجالة، أن تراهن على الرياح الغير مواتية لخصمها لتكون لها الغلبة دون التآمر على ذلك الخصم. أي دون فعل لا أخلاقي، لكن في نفس الوقت لا يشكل نجاحها المؤقت، إن كان ما تريد، قوة داعمة لها في المستقبل وبالتالي من السهل سقوطها عندما تعود الرياح إلى سابق عهدها.

ذكر الإعلان، في مقدمته، العزلة الخانقة التي وضع النظام فيها البلاد “نتيجة سياساته المدمرة والمغامرة وقصيرة النظر على المستوى العربي والإقليمي وخاصة في لبنان، التي بنيت على أسس استنسابية وليس على هدى المصالح الوطنية العليا”. يطرح سؤال نفسه هنا: لماذا لم يعلو صوت المعارضة السورية حول علاقة النظام في لبنان إلا بعد اغتيال الحريري واتهام النظام السوري بهذه الجريمة؟ بعد صمتها لثلاثين عاماً عن ممارسات النظام في لبنان، تتذكر المعارضة فجأة هذه النقطة وتحشرها في الإعلان، وكأنها لم تكن موجودة! فقد بدا الإعلان وكأنه خارج السياق الفكري لأطرافه، كما لو أنه وحي منزل. أجد تخصيص لبنان هنا إعلان براء من كافة ممارسات النظام التي تدعي الدول الغربية والعربية أنها تزعجها، بالرغم أنها لم تكن مزعجة قبل ذلك لتلك الدول.

 شعر الموقعون على الإعلان “أن اللحظة الراهنة تتطلب موقفاً وطنياً شجاعاً ومسؤولاً، يخرج البلاد من حالة الضعف والانتظار التي تسم الحياة السياسية الراهنة، ويجنبها مخاطر تلوح بوضوح في الأفق”. وبالتالي كان لا بد من إخراج هذا الإعلان إلى النور في هذه اللحظة بالذات، حيث تتسارع الأحداث وينفذ صبر المجتمع الدولي من النظام السوري الذي يزداد موقفه تعنتاً مع زيادة الضغوط عليه، مما يهيئ الظروف الخارجية والداخلية لسقوطه. أي أن الإعلان يضع نفسه بديلاً شرعياً عن النظام مما “يساعد على تجنب الانتهازية والتطرف في العمل العام”.

بعد تعداد الأسس التي توافق عليها الموقعون، أعلنوا بأن عملية التغيير قد بدأت! متى وكيف لا أحد يعلم! هل بدأت مع الإعلان أم قبله؟ أم تحديداً مع صدور القرار 1559 الذي أعلن وبوضوح غضب الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، من سياسات النظام السوري؟!

صحيح أن الإعلان رفض التغيير محمولاً من الخارج، إلا أنه لم يكلف نفسه عناء نقد السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، وخاصة مشروع الشرق الأوسط الكبير، وذلك ليس اتباعاً للموضة السياسية والإعلامية السائدة، بل كضرورة فكرية وسياسية وعملية لإنقاذ الديمقراطية من براثن إدارة البيت الأبيض الذي عاث بها تشويهاً وتخريباً وأراق الدماء في غير مكان من هذا العالم باسمها. كما أن المواطن السوري، الخائف من عرقنة سوريا، يستحق أن يطمئنه الإعلان وبشكل عملي، أن الساعين إلى التغيير ليسوا أحمد جلبي حتى لو لم يأتوا على ظهر دبابة.

إني مقتنع تماماً أن إعلان دمشق لا يرتهن إلى الخارج ولا يتبع أجندة غير وطنية، إلا أني أؤكد أنه كان يراهن على الضغوط الخارجية لتفعل فعلها في إضعاف النظام إلى الحد الذي يصبح فيه التغيير على قدر الإمكانات المتواضعة وفي متناول اليد خلال فترة قصيرة. أي أنهم أخطئوا في حسابات نتائج المتغيرات السياسية الطارئة، وهذا غالباً ما يجنيه كل من يراهن على ضعف خصمه بدل أن يضع خططه الخاصة للتعامل مع جميع الاحتمالات وفق أسس واضحة تمكنه من النجاة وضمان القدرة على المبادرة مهما كانت نتائج المتغيرات الظرفية، وإن أردت أن أبتعد عن التلميح، فأقول أن الرهان الأول يجب أن يكون على المواطن نفسه صاحب المصلحة في التغيير، وهذا يقتضي بدوره الكثير من العمل الشاق والطويل، ليس هنا مكان الحديث عنه.

المواطنة

حضرت مفاهيم مثل مكونات الشعب السوري والأقليات القومية والآخرين بقوة في الإعلان على حساب مفهوم المواطنة رغم وروده في نص الإعلان ثلاث مرات. كان من المفترض أن يكون هذا المفهوم القلب النابض للإعلان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن المواطنة تشكل الأساس الذي تحمل عليه ديمقراطية حقيقة قابلة للحياة ولا تعيد إنتاج نظام استبدادي سلطوي. وبالأحرى لا ديمقراطية دون مواطنة ولا مواطنة دون ديمقراطية. أن تحظى المواطنة بالاهتمام الفعلي يعني أن يفرد لها فقرة خاصة تهتم بتأطيرها وتعريفها وتحديد مفهومها، على الأقل من وجهة نظر الإعلان، ومن ثم ينطلق منها ليؤسس للديمقراطية المنشودة ويكون قادراً بعد ذلك على حل جميع مشكلات الأقليات الطارئة التي خلقها حزب البعث منذ احتكاره للسلطة، ومن بينها مشكلة الأكراد، وحتى المسلمين السنة الذين قال الإعلان بأنهم أكثرية دينية، هم على أرض الواقع أقلية، لأن الشعب السوري كله أقلية كونه يفتقر لحقوق المواطنة وحماية القانون ضمن الدولة التي يعيش على أرضها. في الوطن ومع المواطنة لا يوجد أكثرية وأقلية. في اللعبة الديمقراطية يوجد أكثرية سياسية، آنية، تحكم لفترة محددة و “المواطن” دون إضافة أي تفصيل إليه هو الذي يحدد هذه الأكثرية في لحظة تاريخية معينة.

كان إذاً من الواضح أن الأطراف التي صاغت الإعلان واجهت مشكلة في “التوافق” حول هذا المفهوم، لأنه يشكل ضرورة لمراجعة البنية الفكرية لبعض الأطراف، بالإضافة إلى عدم قدرة أطراف الأخرى على بلورته من وجهة نظرها إلى الآن. لذلك كان ذكر المواطنة في الإعلان عابراً مما يسهل على جميع الأطراف مهمة “التوافق” على اختيار الكلمات المناسبة بما لا يتعارض مع الفكرة، الأولية، التي يحملها كل طرف حول هذا المفهوم.

كان هذا التوافق الشكلي على حساب مضمون الإعلان وعلى حساب انسجامه مع ذاته. فلا يمكن أن تجتمع مفاهيم مثل مكونات وأقليات وأكثريات دينية وإثنية وقومية مع مفهوم المواطنة بأي شكل من الأشكال. لأن وجوده ينفي بالضرورة وجود تلك المفاهيم والعكس بالعكس. كما أثر غياب تحديد مفهوم الوطن والمواطن إلى ارتباك الإعلان وغموضه أثناء التعاطي مع مسألة الإسلام والانتماء القومي كما سنرى في فقرات لاحقة.

يتبع..

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *