المعارضة السورية: إعلان دمشق-ج5 والأخير

لحظة الحسم: تطوير أم تدمير؟

يمر الآن ائتلاف إعلان دمشق بلحظة حاسمة، فإما تتم تصفية الإنجازات التي تحققت (حتى انعقاد المجلس الوطني) نتيجة الجهد المضني الذي بذلته الأطراف كافة أو تستفيد جميع القوى والشخصيات من الدروس وتعمل على تطوير بيئة العمل المعارض في سوريا. فمعظم قيادات الإعلان قابعة في سجون النظام، وأدت الحرب الإعلامية بين تياري الإعلان إلى فقدان الثقة بين أطرافه بسبب التخوين المتبادل بينهما، فكل طرف يتهم الآخر بالعمالة أو التواطئ مع الخارج أو مع السلطة.

وبرأيي، فإن الإعلان يمر هذه الأيام بحالة احتضار وإن لم يتم وضعه، قبل فوات الأون، في غرفة العناية المشددة وعلاج مواضع الخلل فيه، فلن نسمع بعد فترة من الآن أي ذكر له إلا من باب الترحم عليه. وأسوق في هذه الفقرة العوامل التي يمكنها أو تنقذ الإعلان وتجعل منه قوة حقيقية فاعلة، ومن ثم العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تدمير الإعلان كحركة معارضة سورية وطنية ديمقراطية.

العوامل المساعدة على الإنقاذ

o       وجود العديد من المثقفين السوريين الوطنيين المؤيدين أو الناقدين للإعلان ومن كافة التيارات يستطيعون إغناءه بالآراء والطروحات والمناقشات لبلورة مشروع عقلاني للتغيير لا يستثني مصالح (الوطن). تلك القوة الكامنة بحاجة إلى من يستحثها على العطاء من خلال البرهنة لها أن جهودها لا تستخدم مطية لأي شمولي تسلطي يريد فقط الوصول إلى السلطة أو يريد فرض وجهة نظره على الآخرين.

o       بالرغم من الأثمان الباهظة التي دفعوها، استطاع أطراف إعلان دمشق كسر الحواجز والخروج بالعمل المعارضة إلى الدائرة العلنية، وهذا من شأنه على أقل تقدير إعطاء دفع معنوي لجميع المؤيدين للإعلان وفرض حالة من الالتزام عليهم لمتابعة العمل للوصول إلى الأهداف الوطنية. لكن جني ثمار تلك الأثمان والتضحيات والبناء على هذا الإنجاز لا يمكن أن يتحقق إلا بالقطع مع كل أشكال الاحتراب الداخلي واستبدالها بالحوار البناء مهما اختلفت الآراء وتباعدت وجهات النظر للوصول إلى أرضية مشتركة للنضال حتى يستحق الإعلان أن يمثل السوريين فعلاً.

o       تدهور الأوضاع المعيشية وازدياد معاناة السوريين من السياسات الاقتصادية للسلطة ومن تجرؤها على قوتهم لسد عجز موازنة الدولة كبديل عن محاربة الفساد الذي يكلف الخزينة ما يوازي تكلفة دعم الحاجات الأساسية، وعن إيجاد سياسات عقلانية تستطيع من خلالها الحد من تأثير الارتفاع العالمي لأسعار المواد الغذائية.

o       من خلال مشاهداتي اليومية لواقع أحاديث المواطنين السوريين في الشارع والمقهى وفي جلسات الأصدقاء والسهرات العائلية العادية، والتي تدور بشكل دائم حول الأوضاع الاقتصادية المتأزمة، أستطيع (متجاوزاً المناهج العلمية في القياس) أن أؤكد تنامي شعور الناس بالغبن وعدم انطلاء كل تلك الأكاذيب الحكومية عليهم وتزايد إدراكهم أن المشكلة ليست في أشخاص محددين، بل في نظام سياسي أخلاقي اقتصادي فاسد حتى النخاع. هذا الإدراك يتنامى ولكن بحاجة إلى المزيد من التركيز عليه لتعزيزه بالإضافة إلى بذل الجهد للوصول إلى أولئك الناس وتحطيم الفكرة السائدة لديهم بأن لا حول ولا قوة لديهم في سبيل تغيير الواقع.

العوامل المساعدة على التدمير

o       انقسام أطراف الإعلان إلى تيارين متناحرين ومتناقضين، ومحاولة فرض كل تيار سيطرته ورؤيته على الآخر.

o       سيطرة التيار الليبرالي على المواقع القيادية في الائتلاف.

o       تجميد عضوية أطراف مهمة وفاعلة في الائتلاف، والتي لعبت دوراً محورياً في التأسيس.

o       إطلاق حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي مشروع إعلان مبادئ للحوار الوطني الديمقراطي، في محاولة لسحب بساط الداخل السوري من تحت القوى السياسية الأخرى المخالفة لتوجهاته(8).

o       تأسيس العديد من مكاتب أمانة إعلان دمشق في العديد من دول العالم. هذه النقطة ليست مشكلة بذاتها، إلا أن غموض مواقف أطراف الإعلان من العديد من المسائل وإنعكاس هذه الغموض التباساً في وثائق الإعلان، يمكن أن يؤدي إلى تبني تلك المكاتب مواقفاً تعبر عن الأشخاص القائمين عليها لا تتلاقى، بل وربما تتعارض، مع أهداف وتوجهات إعلان دمشق المعلنة. أي أن تشويشاً محتملاً يلوح بالأفق، عن حسن نية أو سوئها، يرسل برسائل خاطئة إلى الداخل والخارج.

o       تراجع الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة، بعد هجمات 11 أيلول عن ضغوطاتها على الأنظمة العربية فيما يخص الديمقراطيات والحريات وحقوق الإنسان، بل وتحولت هذه الضغوط إلى أشكال من التحالفات والصداقات مع معظم الدول العربية بعد احتلال العراق عام 2003، مما يعني تطويق أي حركة معارضة في العالم العربي لصالح أنظمة الحكم، ولأن هذه الحركات المعارضة هي حليف محتمل (معنوي على الأقل) للمعارضة السورية، فهذا بدره يزيد من انعزال هذه الأخيرة. صحيح أن التغيير يجب أن يكون محمولاً من الداخل، إلا أننا لانستطيع أن نتجاهل الظروف الإقليمية والدولية ووضعها في الحسابات السياسية، وإلا نكون كالنعامة التي تضع رأسها في الرمل، ومن هذا المنطلق استطعت أن أقول أن تراجع الضغوط يعد عاملاً مساعداً لعزل المعارضة السورية عن محيطها العربي والدولي.

o       لعب النظام السوري بورقة الوضع العراقي المتدهور، بمعنى تخويف الداخل من معارضة سورية على غرار تلك العراقية التي جاءت على ظهر الدبابة الأمريكية، كما أن البيانات المستجدية للولايات المتحدة التي يصدرها البعض من أمثال مأمون الحمصي، أو التكتلات (المعارضة) التي يؤسسها أمثال عبد الحليم خدام أو رفعت الأسد، كلها تنعكس على شكل تشكيك دائم من قبل المواطن بنوايا المعارضة السورية، ويجب عليها (أي المعارضة) أن تعي هذه المشكلة جيداً ولا تعتقد أنها ممثلة جيداً في أوساط المجتمع السوري، وأن مؤيدوها يشكلون الغالبية، بل الاقتراب من المواطن أكثر والحديث معه تثبت أنه إما لا مبالٍ أو أنه متشكك وأن البدائل، كما يراها، إما على نسق المعارضة العراقية أو أن التغيير لن يكون إلا شكلياً أي بمعنى تغيير الأشخاص والمواقع، والقلة القليلة هي التي تؤيد عمل المعارضة السورية، وأذكر أني أتحدث هنا عن ائتلاف إعلان دمشق.

o       وأخيراً، ازدياد إحكام القبضة الأمنية وشراسة هجمتها ضد أعضاء إعلان دمشق وكل صاحب رأي مخالف للسلطة.

ماذا بعد؟

سؤال أترك إعلان دمشق ليجيب عليه بنفسه في القادم من الأيام، لكن تسهيلاً للإجابة أود تقسيم السؤال إلى أسئلة بسيطة تقتصر فيها الإجابة على نعم أو لا:

o       هل إعلان دمشق ائتلاف وطني صرف، أم لكل يعقوب غاية؟

o       هل المواطن من وجهة نظر أعضاء إعلان دمشق فاعلاً أم منفعلاً، أي بمعنى آخر، هل ينظرون إلى المواطن نظرة نخبوية؟

o       هل سوف تبقى محاولات الاستئثار بالإعلان من قبل التيارات المختلفة ليفرض كل منها رؤيته على الآخر؟

o       هل سوف يتراجع الذين جمدوا عضويتهم في الإعلان عن ذلك، ويبادرون إلى حوار داخلي لحل التناقضات مع التيارات الأخرى؟

o       هل سوف يبقى موقف حزب الاتحاد العربي الاشتراكي الديمقراطي ضبابياً تجاه إعلان دمشق(9)؟

o       هل يميز الإعلانيون بين عدم التجرؤ على الولايات المتحدة (لأسباب أوضحتها سباقاً) وبين إدراك علاقة الداخل بالخارج في سياق التأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية وبين ضرورة إقامة علاقات دولية تشرح قضية المعارضة السورية؟

ختام

لا بد ختاماً من أن أذكر بأولئك المعتقلين من أعضاء إعلان دمشق وباقي معتقلي الرأي والضمير والذين لم يكن ذنبهم سوى التعبير عن آرائهم وأحلامهم بطريقة سلمية لا يمكن إنكار حقهم فيها بأي ذريعة كانت بغض النظر إن اتفقنا أو اختلفنا معهم. ولا بد لكل مواطن سوري معرفة الطريقة الهزلية التي يحاكم بها معتقلو الرأي والسياسة من خلال الاطلاع على القوانين 206 و 285 و 286 و 307 و 327 من قانون العقوبات العام، بالإضافة إلى كيفية صدور نصوص قرارات الاتهام والتي تثبت تبعية القضاء السوري للأجهزة الأمنية وللسلطة التنفيذية(10).

هوامش:

(7)  بيان تجميد حزب الاتحاد العربي الاشتراكي الديمقراطي عضويته في إعلان دمشق– 8/12/2007.

(8)  إن مشروع إعلان المبادئ الذي أطلقه الحزب لا يمكن له إلا أن يزيد من انقسام المعارضة السورية على ذاتها، ويضعف بالتالي فعاليتها في مواجهة بطش الأجهزة الأمنية وفي مواجهة المعضلة الأكبر والتي تتمثل في البرهنة على مصداقية ائتلاف إعلان دمشق وكيفية الوصول إلى المواطن السوري وكسبه في صفها.

(9)  يجب على حزب الاتحاد العربي الاشتراكي الديمقراطي، برأيي، تحديد موقفه بشكل نهائي من الإعلان، فإما أن ينسحب في حال تعذر الحوار والتوافق وعندها يحق له الاستمرار في مشروع إعلان المبادئ، أو أن يلغي تجميده للعضوية ويسحب مشروع إعلان المبادئ مبادراً إلى حوار بناءً. أما الإبقاء على حالة التجميد مع طرح هذا المشروع فهذا من شأنه أن يصفي ائتلاف إعلان دمشق من داخله وهذا ليس في صالحه ولا في صالح التيارات الأخرى.

(10)  نص قرار الاتهام بحق معتقلي إعلان دمشقموقع النداء– الخميس 1/أيار/2008. نص طعن الدفاع عن معتقلي إعلان دمشق أمام محكمة النقض – موقع النداء – الخميس 1/أيار/2008.

قد يعجبك أيضاً...

1 Response

  1. 3 مارس، 2016

    […] أن مشكلتي مع نظام الأسد، إلا أني ركزت في كتاباتي على نقد المعارضة لأن الأمل ليس في النظام، لكن في العمل للتخلص من […]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *