المعارضة السورية: إعلان دمشق-ج4

اجتماع المجلس الوطني الموسع

رأينا من خلال العرض السابق أن نص إعلان دمشق عانى من الغموض والتناقض والنقص ، بالإضافة إلى عدم التناغم في تركيبة هذا الائتلاف مع ملاحظة العطالة التي طغت على مجمل الحركة بعد صدوره مما يقودنا إلى الاستنتاج بأن الخلافات والصراعات الداخلية بين القوى والشخصيات الموقعة عليه كانت هي المسيطرة في الفترة الممتدة بين تاريخ صدور الإعلان واجتماع المجلس الوطني الموسع. لم تكن تلك الخلافات قد طفت على السطح قبل انعقاد المجلس، إلا أنها كانت أحد أسباب الضعف الذي تحدثنا عنه. وأدركت القوى والشخصيات المكونة للائتلاف، ولو متأخرة، أن صدور الإعلان كان إنجازاً بذاته، ولكن هذا الإنجاز قد حكم عليه بالموت إن لم يتم تدارك الأمر والبدء بتحرك فعلي على الأرض يعيد الروح له مرة أخرى ويحيي الأهداف ويحدد الوسائل، ولم يكن خيراً من مأسسة الإعلان ائتلاف إعلان دمشق كنقطة انطلاق لهذا الحراك، فجاء اجتماع المجلس الوطني الموسع في الأول من كانون الأول عام 2007 ليقوم بهذه المهمة.

انعقد المجلس بحوالي 163 عضواً، وتم خلاله انتخاب أعضاء الأمانة العامة، وكانت المفاجئة هي سقوط زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي العربي حسن عبد العظيم ورفاقه بالإضافة إلى سيطرة الشخصيات الليبرالية المستقلة على معظم المواقع، وهذا ما انتقده حسن عبد العظيم عندما قال: نعتقد أن كثرة المستقلين من الاتجاه الليبرالي جعلت الموازين مختلة فشخص مستقل يوازي رئيس حزب من التجمع (التجمع الوطني الديمقراطي). ويشير مراقبون إلى أن استقطاباً حاداً سبق ورافق انعقاد المجلس بين معظم الطيف المشارك من جهة، وبين الاتحاد الاشتراكي وقلة من الشخصيات المستقلة تتمسك بالتوافقات وبالإعلان التوضيحي(4).

البيان الختامي

خرج اجتماع المجلس الوطني الموسع ببيان ختامي أقل ما يقال عنه أنه شكل قفزة نوعية مقارنة مع نص إعلان دمشق، وهذه نقطة إيجابية تحسب لصالح الائتلاف، وفيما يلي سرد لبعض الملاحظات السلبية والإيجابية حول هذا البيان حيث سوف أعتمد على تقسمه إلى مقدمة وخاتمة وصلب البيان المؤلف من سبع فقرات:

o ربط البيان في مقدمته بين سياسات النظام والفساد وسوء الإدارة وتخريب مؤسسات الدولة من جهة وبين الأزمة المعيشية الخانقة من جهة أخرى، لغوياً فقط. أي أن الذي يقرأ المقدمة ويخضعها للمحاكمة العقلية يستنتج بأن المشكلة تكمن في شخوص النظام ومسئوليه وليس في ماهيته، وبالتالي فالتغيير ينشد استبدال هذه الشخوص والإتيان بغيرهم نزيهين ويتمتعون بالكفاءة العلمية على إدارة البلد، وهذا يذكرنا بدوره، بادعاءات الإصلاح الإداري التي نسمع بها منذ عدة سنوات. ثم قفز بعد ذلك وفي نفس المقدمة إلى القول بأن الهدف الجامع الموحد للقوى والأفراد هو الانتقال بالبلاد إلى نظام وطني ديمقراطي دون أي مقدمات لهذه النتيجة سوى الربط السابق الذي يشكل مقدمة ضعيفة لاستنتاج هذا الهدف. ثم يقوم البيان في فقراته التالية بالربط بين المسألة الديمقراطية والتنمية والمواطنة ودولة القانون، دون احترام التسلسل المنطقي بين المقدمة والنتيجة والحل. فكان الأجدى من بيان صادر عن نخبة مثقفة أن تحترم قدرة الآخرين على المحاكمة المنطقية وعدم التشويش عليهم بقفزات عشوائية، أي البدء بمظاهر المشكلة وهي أزمات المواطن السوري المعاشية والحقوقية والإنسانية ثم ربط حلها مع التنمية الشاملة على كافة المستويات، ومن ثم ربط ممارسات النظام باستحالة تنفيذ الحلول ثم الانتقال إلى ارتباط الممارسات بالماهية (وحدة الشكل والمضمون بالمعنى الجدلي الهيغلي) لنستطيع بعد ذلك أن نستنتج أن الحل يكمن في تغيير النظام على مستوى الجوهر والأشخاص(5). هذا النقد لا يركز على الناحية الشكلية للبيان، فالمشكلة ليست في ترتيب الجمل بل في القدرة على إقناع المواطن أن ائتلاف إعلان دمشق فهم أصل الأزمة ويحمل مشروعاً يحقق مصالح المواطن ويحل مشكلاته العالقة.

o من التطورات الإيجابية التي اتسم بها البيان الابتعاد في الفقرتين الثانية والسابعة منه عن المفاهيم الدالة على المكونات والتقسيمات الاجتماعية على أساس ديني أو اثني، فقد جعل هدف التحول ضمان الحقوق المتساوية للمواطنين وتحديد واجباتهم على أساس عقد اجتماعي يتجسد في دستور جديد في دولة مدنية حديثة.

o تجاوز البيان في سياق التحدث عن مفهوم التغيير الذي ينشده الإشكالات التي وقع فيها إعلان دمشق والتي تجسدت في المراهنة على الظروف الخارجية وضعف النظام، حيث أن البيان في فقرته الأولى وفي خاتمته قرر أن يسير بالتغيير بشكل متدرج وفهم أن مازال أمامه عمل شاق وطويل لفرض التحول بشروط داخلية من خلال بناء منظومة أخلاقية ديمقراطية تكون كفيلة بالتوصل إلى صيغ مدنية حديثة.

o استطاع البيان حل الغموض، إلى حد كبير، حول فهم ائتلاف إعلان دمشق لمسألة الديمقراطية. فقد قام البيان في فقرته الرابعة تحديد الأسس التي يستند إليها فهمه للديمقراطية وأهمها الانتخاب الحر وتداول السلطة والمواطنة والعدالة الاجتماعية. كما أنه استطاع في فقرته الخامسة الربط بين التنمية الإنسانية الشاملة (بعد تحديد مفهومها بشكل مختصر) مع مسالة الديمقراطية، والأهم من ذلك أن الربط كان جدلياً بينهما. وفي فقرته الثالثة بين أن أهداف التغيير الديمقراطي لا تنحصر نتائجها فقط في الشؤون الداخلية بل تتعداها لتساعد على حل المشاكل ذات الطبيعة الخارجية مثل الحفاظ على السيادة الوطنية واستعادة الجولان وحماية البلاد من العدوان الصهيوني والتدخلات الخارجية. أما في الفقرة السابعة فكان موفقاً أيضاً في فهمه لقضية المواطنة من الناحية القانونية من حيث هي تساوي الحقوق والواجبات لكل سوري بغض النظر عن أي اعتبار آخر.

o وقع البيان في خطئٍ دلاليٍ عندما قال في فقرته الرابعة أن الديمقراطية هي جوهر هذا النظام (الوطني الديمقراطي)، فهذا بدوره يوحي بأن الغاية هي الديمقراطية لذاتها وأن الدمقرطة المنشودة هي سياسية فقط، أي بمعنى تداول السلطة، وهذا يناقض الإيجابيات التي أتيت على ذكرها في النقطة السابقة. بينما جوهر النظام، الذي هو نتيجة التغيير، يجب أن يكون المواطنة بما هي ضمان لمصالح كافة أفراد وشرائح المجتمع دون استثناء، وتشكل الديمقراطية في مثل هكذا نظام أحد الركائز الأساسية وليس الجوهر.

o لا أعلم لماذا تراجع ائتلاف إعلان دمشق في الفقرة الثالثة من البيان عن التوافق الذي توصل إليه في النقطة الأولى من بيانه التوضيحي الصادر في 31/1/2006، فاكتفى في البيان الختامي بذكر دعم الإدارات الأمريكية للعدوان الصهيوني رغم أنه أشار بشكل ضمني إلى المشاريع الأمريكية في المنطقة من خلال التدخل العسكري الخارجي ومشاريع الهيمنة والاحتلال وسياسيات الحصار الاقتصادي. بينما كان من المناسب صياغة هذه الفقرة كما جاء في البيان التوضيحي والتي نالت قبولاً واسعاً من النقاد وأطياف المعارضة السورية بعد أن تم إغفالها في نص الإعلان.(6)

وأخيراً، كان البيان مختصراً ولم يرق بعد ليكون مشروعاً سياسياً اجتماعياً أو حتى مجرد خطوط عريضة لمثل هكذا مشروع. فالمطلوب ليس فقط ديمقراطية سياسية.

ما بعد انعقاد المجلس

تلقى ائتلاف إعلان دمشق ضربتين موجعتين إلى الحد الذي يمكن أن تكونا السبب بتصفية كل الإنجازات التي تحققت حتى انعقاد المجلس الوطني. الأولى كانت متوقعة إلى حد كبير وهي الهجمة الأمنية الشرسة التي أدت إلى اعتقال العشرات من أعضاء الائتلاف وما يزال البعض منهم وخاصة من القيادات قيد (المحاكمة) حتى الآن. ومن الجدير ذكره أن الاعتقالات بدأت عشية الاحتفال بيوم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان! أما الضربة الثانية والتي كانت أشد وطأة من الأولى هي الصراع الداخلي بين تيارات الائتلاف إلى درجة باتت توحي أنه تفكك بالفعل. فقبيل حملة الاعتقالات أعلن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي تجميد عضويته في إعلان دمشق ومن ثم تبعه ندى الخش وحزب العمل الشيوعي والعديد من الشخصيات مثل هيثم المناع وناصر الغزالي وماجد حبو (تراجعت لاحقاً ندى الخش عن تجميد عضويتها)، وذلك بدعوى أن التيار الليبرالي استأثر بالإعلان لنفسه وكيفه على هواه، واستمرت السجالات والمماحكات الإعلامية حتى الآن وإن خفت حدتها في الشهرين الأخيرين، فكل طرف ينهال بالاتهامات على الآخر بدعاوى مختلفة. وهنا لدي بعض الملاحظات والتساؤلات حول هذه السجالات:

o لماذا لم تظهر الاعتراضات على توجهات التيار الليبرالي إلا بعد هزيمة البعض في الانتخابات؟

o لماذا لم يتم تجميد العضوية مباشرة بعد صياغة البيان الختامي وقبيل الانتخابات؟

o أين كان الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي من “الممارسات الخاطئة على امتداد السنة الأخيرة التي سبقت المجلس الوطني للإعلان وفي مقدمتها تجاوز التوافق الوطني بين أطراف الائتلاف” (7)؟

o كان من الأجدى للذين قاموا بتجميد عضويتهم مناقشة رؤاهم في سياق النقد البناء لتطوير البيت الداخلي وإن كان عبر وسائل الإعلام ولكن بمنهجية تحليلية حوارية وليس هجومية اتهامية تخوينية.

o لماذا لم يحتج أولئك المنسحبون على صيغة الانتخابات قبل حدوثها؟ أم أن الديمقراطية جيدة عندما نصل نحن إلى المراكز القيادية وتصبح غير مناسبة عندما تكون نتيجتها الهزيمة؟

o إن لم تكن الانتخابات هي الوسيلة لتحديد أعضاء الأمانة العامة، فما هي الوسيلة إذاً؟ لو كنا نتحدث عن ائتلاف حكومي بين أحزاب لتحدثنا عن توافقات وتعيينات وليس انتخابات، لكن والحال ليس كذلك، فلا يوجد بديل عن الانتخابات. مع التسليم أنها ليست الصيغة المثلى لأنها تساوي بين رئيس حزب وشخصية مستقلة. لكن في المقابل لا يمكن أن نساوي رئيس حزب بأكثر من عضو، لأن كل الأعضاء يمثلون جميع شرائح المجتمع ولا نستطيع قياس مدى تأييد المواطنين لكل شخصية أو تيار بسبب امتناع ذلك في الواقع السياسي السوري.

o من يتهم التيار الليبرالي في أنه يستقوي بالخارج فلا بد من تذكيره بمعلومة مهمة، وهي أن مؤتمر أنابوليس عقد قبيل اجتماع المجلس الوطني بأيام قليلة وعلى أثرها سرت موجة دفء خفيفة في الخطاب المتبادل السوريالأمريكي واستمرت لنحو أسبوعين تقريباً (وأعتقد أن هذا هو سبب عدم البدء بحملة الاعتقالات مباشرة بعد انعقاد اجتماع المجلس)، وبالتالي، لا يمكن للمعارضة في تلك الفترة المراهنة على واشنطن.

o أستغرب تقديم رياض الترك الشكر جورج بوش الابن لتأييده لاجتماع المجلس الوطني بحجة أنه يشكر الموقف بغض النظر عن صاحبه، وهذا غير مقبول من وجهة نظر مبدئية وأخرى براغماتية. أما الأولى فلأننا لا نستطيع أن ننسى أن أيدي السيد بوش ملطخة بدماء العراقيين والفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم في دول العالم، ولا نستطيع أن نتناسى أيضاً أبو غريب وغوانتنامو وغيرهما، فهل سيد البيت الأبيض هذا يقف في صف واحد مع الديمقراطية وحقوق الإنسان فعلاً؟ أم أنه يسير في الاتجاه المعاكس تماماً؟ وهل إن قام هتلر من قبره وأيد إعلان دمشق نقوم بشكره أم نتساءل ما هي مصلحته الآن بذلك؟ أما وجهة النظر الثانية فتقول بأن شعبية الولايات المتحدة في أدنى مستوياتها في العالم وفي سوريا بشكل خاص، فكيف يريد السيد رياض الترك التعويل على الشعب السوري في إحداث التغيير في الوقت الذي تشكر واحداً من ألد أعدائه؟

o بالرغم أن لا أرى سوى ظلال تيار ليبرالي في أطياف المعارضة السورية، ألا أني لم أستطع من خلال قراءتي لكل تلك السجالات تحديد الوجه الليبرالي الذي تنتمي إليه تلك الأطياف، هل هو ليبرالية جديدة أو ليبرالية أنكلوسكسونية؟ أم ليبرالية المحافظون الجدد؟

هوامش:

(4) لا انشقاق في إعلان دمشقكلنا شركاء-5/12/2007

(5) مازال الاستدلال على قدرة التحول إلى نظام ديمقراطي على حل مشاكل المواطن ناقصة في الطرح الذي تقدمت به، لأني اكتفيت بالانطلاق من المشكلة إلى الاستنتاج بأن الحل يكمن في تغيير النظام (شكلاً ومضموناً) واكتفيت بالاتفاق مع البيان بأن هذا الحل هو التحول إلى نظام وطني ديمقراطي، ولكن حتى يكتمل الربط بين المشكلة وحلها (الديمقراطية) فيجب أن نثبت أن الديمقراطية (ليس بالمعنى السياسي فقط) هي ركيزة أساسية في مشروع متكامل قادر على أن يكون هو الحل. وبمعنى آخر يجب القيام بالاستدلال العكسي من خلال الانطلاق من الديمقراطية وصولاً إلى تحقيق التنمية وحل مشاكل المواطن. ولكن ما منعني من إيراد هذا الشق من التحليل هو أنه مسألة فلسفية لا نستطيع أن نحملها على عاتق بيان سياسي، بل يجب الخوض فيها أماكنها المخصصة لدعم فرضيات واستنتاجات البيان.

(6) كانت هذه إحدى الأسباب التي استند عليها حزب الاتحاد الاشتراكي وبعض المستقلين في تجميد نشاطاتهم في ائتلاف إعلان دمشق. ولم أجد تفسيراً معقولاً (يعتمد على حسن النوايا) لمثل هذه الصياغة في البيان الختامي سوى أن التيار الذي يوصف بالليبرالي في الائتلاف لا يريد أن يثير حفيظة السياسة الخارجية للولايات المتحدة من خلال الاصطدام معها بشكل مباشر، مما يمكن أن يسبب في عرقلة مشاريع التغيير على أيدي الوطنيين والذي بدوره يمكن أن يؤدي إلى اقتناع البيت الأبيض بضرورة الحفاظ على النظام الحالي مع السعي إلى تغيير سلوكه فقط، أو يمكن أن يؤدي إلى دعم تيارات أخرى تنسب نفسها إلى المعارضة وهي لا تحمل في أجندتها أي حلول حقيقة لأزمات المواطن السوري، بل جل همها الوصول إلى السلطة بأي وسيلة كانت. هذا مجرد تفسير وليس تبريراً، لأنه وكما قلت سابقاً يقع على عاتق المعارضة السورية و كل حر في هذا العالم مهمة إنقاذ المفاهيم والقيم الإنسانية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان من التشويه الذي تلحقه بها السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الغربية الأخرى.

(7) بيان تجميد حزب الاتحاد العربي الاشتراكي الديمقراطي عضويته في إعلان دمشق– 8/12/2007.

يتبع…

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *