المعارضة السورية: إعلان دمشق-ج3

عامان بعد الإعلان: عطالة وضعف

كنت أتمنى أن يوجد الكثير مما يوجب المناقشة والنقد خلال حوالي عامين على ظهور إعلان دمشق في 16-10-2005 وحتى انعقاد المجلس الوطني الموسع. لكن للأسف ما تابعناه كان في غالبه مجرد بيانات أصدرتها اللجنة المؤقتة للإعلان لم تخرج بها عن دائرة إدانة الجهات الأمنية على اعتقال أو استمرار اعتقال بعض الناشطين وأصحاب الرأي. وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على شلل شبه تام عانى منه الإعلان خلال هذه الفترة. (1)

أسباب موضوعية

كان التحالف الذي أعلن بين جماعة الإخوان المسلمين وعبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري السابق في آذار من عام 2006، ضربة موجعة للإعلان بعد أن قدم هذا الأخير لتلك الجماعة هدية مجانية تتمثل بفقرة الإسلام سعياً منه لاسترضائها للانضمام إليه. لكن خدام لا يحظى بالاحترام في أوساط المجتمع السوري بمختلف اتجاهاته وطبقاته الاجتماعية. بما له من تاريخ طويل في الفساد وفي خدمة النظام بإخلاص قل له نظير لأكثر من ثلاثين عاماً وانتهى به المطاف للانشقاق عنه وإعلان العصيان عليه. هذا التحالف شكل خسارة لجماعة الإخوان بما كانت تحظى به من تعاطف نسبي من قبل المسلمين المتدينين في سوريا، وهذه الخسارة انسحبت على الإعلان ذاته. بل والأكثر من ذلك أربك هذا التحالف قوى الإعلان فلم تعد تدري ما الموقف الذي يجب أن تتخذه من هذه الجماعة، إلى أن استقر بهم الأمر على الابتعاد عن الجماعة منعاً لإثارة الشكوك حول شرعية الوسائل التي تستخدمها قوى الإعلان في سبيل تحقيق أهدافها المعلنة. كما أن توقيع بعض شخصيات الإعلان على إعلان دمشقبيروت، كان ضربة قاسية أخرى تلقاها إعلان دمشق لما نتج عنها من اعتقالات وأحكاماً بالسجن على تلك الشخصيات بالإضافة إلى هز مصداقيته أمام المواطن السوري الذي سمع للتو بما يدعى بمعارضة سورية.

ذكرت سابقاً في هذا النص أن أحد أهم نقاط ضعف الإعلان هي فقدانه لروح المبادرة والمراهنة بشكل كامل على المتغيرات الإقليمية والدولية بانتظار سقوط النظام، وكان باعتقاده أن مهمته الأساسية تحضير البدائل المقبولة لهذا النظام بعض سقوطه. إلا أن الرياح لم تجر بما تشتهي السفن، فقد كان عامي 2006 و 2007 حافلان بالأحداث التي خففت الضغوط على النظام السوري وساعدته على تدعيم موقفه والخروج من الأزمة بل وزادته صلابة ولو حتى بشكل مؤقت. من هذه الظروف نجاح المقاومة اللبنانية (حزب الله) في منع إسرائيل من تحقيق هدفها بالقضاء عليها، مما عزز ثقة النظام السوري بنفسه مقابل الضربة التي وجهت إلى أسطورة قوة الردع للجيش الإسرائيلي. كما أن فوز حماس أكبر حليف لسورية في فلسطين المحتلة في الانتخابات التشريعية والتحالف الرباعي الذي تكون بين دمشق وطهران وحماس وحزب الله زاد من قدرة النظام السوري على المناورة السياسية ضد الضغوط الغربية والعربية. أضف إلى ذلك التدهور الأمني في العراق الذي زاد الضغوط، الداخلية خصوصاً، على واشنطن حول جدوى احتلال العراق وجدوى البقاء فيه، كما أن الخسارة النسبية التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس زاد الطين بلة، كل ذلك شتت تركيز إدارة البيت الأبيض مما خفف كثيراً الضغوط على النظام السوري. والنتيجة كانت استعادة النظام جزءً من عافيته والانتقام من المعارضة السورية وضربها بيد من حديد.

أسباب ذاتية

تحدد خصائص التكوين الذاتي لأي مركب مادي أو عضوي أو اجتماعي أو سياسي…الخ شكل تأثير الأفعال أو الأحداث الخارجية في هذا المركب، ورد الفعل الذي يقوم به تجاه تلك العوامل والمؤثرات إن كان على المستوى الداخلي أو الخارجي. فالأثر الناتج عن ضرب قطعة زجاج بالمطرقة يختلف كثيراً عن الأثر الناتج عن ضرب قطعة حديد بذات المطرقة، وإن لعبت المطرقة كمؤثر خارج دوراً مهماً في هذا الأثر حيث أنها تشكل الفعل. أي أن الفعل له أثر ما، يحدده خصائص الشيء بذاته. وكذلك الأمر بالنسبة لإعلان دمشق، فما كان لكل الظروف التي مرت عليه والضربات التي تعرض لها أن يكون لها هذا الأثر الذي نراه الآن لو أن خصائصه الذاتية كانت قادرة على استيعاب تلك الأحداث التي مرت عليه خلال الفترة الفاصلة بين صدوره وبين انعقاد المجلس الوطني. ليس العيب في اختلاف مكونات المركب، بل هو ضرورة عقلية بما ينطوي عليه من جدل موافق لطبيعة العقل، لكن العيب في طريقة التقاء تلك المكونات والأسس التي استند عليها هذا المركب، أي الإعلان. فقد كانت نقطة الالتقاء الوحيدة  عملياً بين أطراف إعلان دمشق هي ضرورة التحول الديمقراطي وتغيير النظام، وماعدا ذلك كان محل اختلاف وخلاف أو أنه لم يكن واضحاً في ذهن أطراف الإعلان، بغض النظر عن كل العبارات الإنشائية التي يطلقها هذا الطرف أو ذاك.

تألف الإعلان من تيارين رئيسيين هما التيار اليساري القومي الاشتراكي مركز ثقله الأحزاب القديمة وخاصة أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي وبعض المثقفين المستقلين، والاتجاه الثاني ليبرالي الهوى وغالبيته من المثقفين المستقلين. يمكننا تحسس نقاط الاختلاف بين هذين التيارين من خلال نص الإعلان بحد ذاته بما حفل به من تناقضات عديدة وغموض متعمد في الكثير من فقراته والتي تم توضيحها في فقرات سابقة من هذا النص. لكن يمكننا تلخيص تلك النقاط وبسرعة بالموقف حول هوية سوريا وعلاقتها مع محيطها العربي، وأولية التغيير الديمقراطي كهدف بذاته وعلاقته بمقاومة المشاريع الأمريكية والصهيونية، والموقف من الدول الأخرى التي تعارض وبشدة كافة تصرفات النظام أي الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والعربية التي تدور في فلكها، بالإضافة إلى الموقف من التعويل على المتغيرات الإقليمية والدولية أو بالأحرى على دعم تلك الدول لعملية التحول الديمقراطي، بالإضافة الموقف من الليبرالية وعلاقتها بالتنمية الاجتماعية والوضع المعاشي للمواطن السوري. ولا أدل على كل هذه الخلافات من السجال الإعلامي الذي دار بين هذين التيارين بعد انعقاد المجلس الوطني. لا يعنى هذا النص بتقييم موقف هذا الطرف أو ذلك، ولكن البحث عن أسباب الخلل والضعف في إدارة الاختلاف هو الهدف المنشود هنا:

o       لست ضليعاً في الأحزاب الموجودة على الساحة السياسية السورية، المبتورة، منذ عشرات السنين، إلا أني، ومن خلال البحث والاستقصاء حول مبادئها الفكرية وأسسها الفلسفية، أستطيع أن أؤكد أن خطابها لم يتغير منذ تأسيسها إلى الآن وهي على نسختين فقط، قومية عربية اشتراكية أو شيوعية ولا يخفى التشابه في بعض الأوجه فيما بينها. حدث التغيير فقط في بعض مقدمات الخطاب والتي تعود إلى تغير الظروف الداخلية وخاصة الأوضاع المعيشية للمواطن، لكن النتيجة التي يجب أن تبنى على المقدمات لم تتغير. لأني أعتقد أن هذه الأحزاب غير قادرة على القيام بعملية مراجعة لخطابها ومواقفها الفكرية فهي مجرد نسخ معربة من الفكر القومي الذي ساد في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر(2) والفكر الشيوعي الذي ساد في بعض مناطق العالم بعد انتصار الثورة البلشفية في روسيا(3).

o       كما هو حال المثقفين السوريين والمصريين خلال القرن العشرين، ركب الكثير من المثقفين المعاصرين الموجة العالمية السائدة هذه الأيام، أي الليبرالية، والمفارقة المضحكة أننا نسمع عن ليبراليين وليبراليين جدد! هل كان لدينا ليبراليين حتى يكون لدينا ليبراليين جدد؟ أين الفكر وأين تجديده؟! ببساطة لا يوجد سوى (حوار) أيديولوجي بين ليبراليين من جهة واشتراكيين وإسلاميين من جهة أخرى. كل طرف يطرح البعض القليل الذي يمتلكه على أنه حقائق غير قابلة للنقاش وكأنه يمسك الحل بين يديه. إن بحثنا في مواقع الانترنت وفي المكتبات العربية لوجدنا الكثير الكثير من المقالات مقارنة مع القليل القليل من الكتب التي تدور حول الليبرالية، ولكن في معظمها إما هجوم أو دفاع. إذاً لدينا هنا معطيين، الأول هو الكم الهائل من المقالات حول الليبرالية في مقابل النذر اليسير من الكتب والذي يدل على ضعف البنية الفكرية لليبراليين لأنهم غير قادرين سوى على كتابة بضع أسطر فقط لا غير (على شكل مقالة) لأنهم بالأساس لا يمتلكون سوى القليل، والمعطى الثاني، أن معظم ما يكتب هو للدفاع أو للهجوم، أي أنه خطاب مؤدلج لا يسمن ولا يغني من جوع لأنه لا يشرح ولا ينقد ولا يفيد من تجربة أو فكرة للتأسيس لبناء جديد. أي وباختصار، يعاب على التيار الليبرالي عدم قدرته على التأسيس المعرفي لفلسفته ناهيك عن اختبارها على أرض الواقع في سياق جدلي للوصول إلى المشروع الأكثر قابلية للحياة ضمن معطيات الواقع والآن التاريخي، أضف على ذلك عدم الرغبة أو القدرة على التعلم من تجارب الآخرين في مجال تطبيق الفلسفة الليبرالية التي أصبحت عملياً فلسفات عدة باختلاف المكان والزمان.

o       مجمل النقطتين السابقتين هو غياب البنية الفكرية التي يمكن التأسيس عليها لإحداث التغيير. أي أننا نعاني أزمة فكر بالدرجة الأولى والتي تنعكس على شكل أزمات على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى الأخلاقية. وهذا أدى إلى ظهور مقولات مبتورة مثل الوحدة هي الحل والإسلام هو الحل والليبرالية هي الحل والعلمانية هي الحل والآن بدأنا نسمع أن الديمقراطية هي الحل، وهذا الإدعاء الأخير واضح بشكل جلي في إعلان دمشق، فالارتباك والغموض والتناقض يملأ فقراته ولا يجمعها (شكلياً) سوى الدعوى إلى دمقرطة الحياة (السياسية). سوف أتحدث في فقرة لاحقة عن مفهوم الديمقراطية كما يراها ائتلاف إعلان دمشق.

o       تغلغلت الشيخوخة وطغت على مجمل الحراك السياسي المعارض في سوريا، وأخص هنا أطراف ائتلاف إعلان دمشق. وأريد أن أهمس في أذن الأحزاب السياسية التي تقول بتاريخها النضالي الطويل في سبيل الديمقراطية والحرية: لماذا مازالت القيادات هي ذاتها ولم تتغير منذ عشرات السنين؟ كيف تطالبون بالديمقراطية وهي مفقودة في عقر داركم؟ يتضح لكل مراقب حالة الابتعاد عن الكوادر الشابة في ممارسة العمل السياسي المعارض، وبالتالي غياب النشاط والإبداع الذي يجب أن يضاف إلى الخبرة الطويلة في هذا المجال. أدت هذه الشيخوخة إلى تصلب المواقف وابتعاد التيارات والأحزاب عن قواعدها التي يجب أن تساندها في حراكها، حتى أنها لا تملك كوادر مؤهلة تعمل في عدة مجالات يحتاج إليها كل تحرك في سبيل التغيير، فعلى سبيل المثال، لا الحصر، نرى أن مواقع الانترنت الخاصة بالتيارات المعارضة ضعيفة تقنياً، ومنها لا يتم تحديث محتواه إلا على فترات طويلة ناهيك عن ضعف الخبرات الإعلامية التي يحتاجها هذه الحراك من أجل الوصول إلى شرائح أكبر من الجمهور. ماذا يمكن أن يفعل 200 عضو في ائتلاف دمشق؟ وحتى وإن احتسبنا المنتمين للأحزاب المختلفة وعلى فرض عدم وجود الخلافات التي نراها الآن بين تيارات الإعلان المختلفة، فكم يصبح لدينا، 10000 عضو؟ هل نستطيع أن نعول على هذا العدد، مع ضعف الخبرات المطلوبة في مجالات عدة، على إحداث التغيير المطلوب؟

o       حتى نتحدث عن تغيير حقيقي قادر على الحياة، لا بد من وجود حامل لهذه العملية، وهذا الحامل هو المواطن صاحب المصلحة الأولى بالتغيير. لكن كيف يمكن أن نقنع هذا المواطن بذلك؟ أن يكون المواطن حاملاً للتغيير يرتب عليه مسؤولية المواجهة أولاً، ثم مسؤولية التغيير، ثم مسؤولية نتائج التغيير. هذا يعني أننا إذا أردنا أن يكون المواطن هذا الحامل يجب أن نقدم له مشروعاً يحقق مصالح جميع شرائح المجتمع دون استثناء. وهذا يقتضي بدوره بناء جسور التواصل معه من خلال توجيه مزيد من العمل والتركيز على همومه اليومية والمعاشية والإنسانية، مما يؤدي أولاً إلى دراسة الواقع ووضع الحلول وثانياً ربط المسألة الديمقراطية بهذه الحلول لينتج لدينا مشروعاً متكاملاً للتغيير وثالثاً كسب ثقة هذا الموطن الذي سيكون المستفيد الأول أو المتضرر الأول من التغيير، ويجب التنويه أن المواطن ليس غبياً، بل يدرك أين مصلحته تماماً ومستعد للتضحية بالكثير في سبيل تحقيق تلك المصلحة، لكن القصور في فقر المشاريع المطروحة إلى الآن التي لم تستطيع إقناعه بالتخلي عن استقالته ولا مبالاته.

إذاً، تعددت الأسباب والنتيجة واحدة، عطالة وضعف وهشاشة. فماذا كانت أطياف المعارضة المنضوية تحت إعلان دمشق تفعل خلال هذين العامين؟ كانت منفعلة وليست فاعلة كما تعود المواطن السوري أن يكون دائماً في حالة انتظار. عامان من العطالة كان من الممكن أن يحدث الكثير والكثير خلالهما. ولا يمكننا بأي شكل من الأشكال أن نعزو هذا الفشل إلى سوء الحظ، أي إلى المتغيرات الإقليمية والدولية التي جاءت لصالح النظام، لأن أول ما فشلت به المعارضة هو الوصول إلى الرأي العام السوري. لم تستطع ولم تعي بعد (حتى هذه اللحظة) كيف يمكنها بناء جسور الثقة والتفاهم والتفاعل مع المواطن الذي لن يحدث أي تغيير بالمعنى الإيجابي دون دعمه، بل وأبعد من ذلك، فإن أي تغيير دون دعم المواطن لن يكون إلا سلبياً. صحيح أن سطوة أجهزة الأمن والمخابرات تعيق كثيراً أي تقدم في هذا المجال، ولكن لا نستطيع أن نجعل منها شماعة نعلق عليها فشلنا الواحد تلو الآخر.

هوامش:

(1)   أريد أن أعبر عن احترامي للخطوة التي قام بها الإعلان بإصداره بياناً توضيحياً بعد حوالي أربعة أشهر من صدور الإعلان، حاول فيه إعادة صياغة بعض الفقرات التي أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد، مثل الفقرة الخاصة بالإسلام وبالقومية العربية بالإضافة إلى عدم عنايته بأزمات المجتمع السوري بما فيه الكفاية. رغم أنه كان على الإعلان بذل جهد إضافي لتوضيح الالتباسات وتغطية نقاط الضعف التي عانى منها، بالإضافة إلى الحاجة لمراجعة ذاتية لكل طرف من الأطراف الموقعة عليه، إلا أن مجرد المراجعة الذاتية كانت خطوة مهمة افتقرنا إليها في سوريا كثيراً على مدى أربعة عقود.

(2)   لم يفهم القوميون في سياق البحث عن هوية ما لتلك الجموع البشرية التي تعيش في المجتمعات العربية سوى أنه يجب أن نجد قواسم مشتركة فيما بينها لنشكل منها أمة، في محاولة للالتفاف على مشكلة تعدد الأديان والطوائف والمذاهب الدينية، حتى ولو اضطررنا لحشرها في قوالب جاهزة ليست على مقاسها. أي أنهم يحاولون إيجاد التبريرات تلو الأخرى، للمضي قدماً في شعار الأمة العربية. ربما تكون تلك المبررات حقيقية، ولكن الأكثر وضوحاً وحقيقة أن تلك الجموع البشرية لم تستطع إلى الآن أن تعيش تجربة اجتماعية وسياسية صحية لتستطيع أن تحسم حقيقة هذه التبريرات أو زيفها، وبالتالي فإن الإجابات التي تبدو يقينية حول الهوية، ليست كذلك في الحقيقة لأننا نحاول تشكيل أمة على الورق ونجعلها هوية متمايزة ثم نجبر الناس على تقمصها. وبمعنىً آخر، يجب أن نعمل على تطوير الحياة الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا وعندما يصبح المواطن مواطناً في دولته لا بد أنه سوف يكون قادراً على بلورة هويته، فالقومية، إن كانت عربية أو إسلامية أو كردية…الخ، ليست تابوهاً لا يمكن مراجعتها وإعادة تشكيلها عبر التاريخ، بل يمكن لمجموع تلك القوميات، أو الانتماءات، أن تكون قادرة على تشكيل هوية غنية مرنة قادرة على الحياة في عالم تضيق فيه المسافات وتتعاظم فيه التحديات.

(3)   لم يفهم الشيوعيون معنى اغتراب الإنسان عند كارل ماركس وجذور هذا المعنى عند هيغل، بل كل ما فهموه هو تقسيم المجتمع إلى طبقة كادحة مظلومة وطبقة مستغِلة ظالمة لا بد من التناطح فيما بينها حتى الوصول إلى مرحلة ثورة الأولى على الثانية لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال مشاعية  وسائل الإنتاج. وما أدل على ذلك من أن الأحزاب الشيوعية في العالم وفي سوريا أيضاً لم ترى من كل النظرية الشيوعية سوى تجربة الاتحاد السوفيتي، حتى أن تلك الأحزاب كانت عبارة عن ظلال للحزب الشيوعي الحاكم في الاتحاد السوفيتي وتجتمع في مؤتمرات عالمية. لا أستطيع هنا سوى أن أشبه هؤلاء الشيوعيين بالإسلاميين، فلهم نفس المنطق في فهم النص، فغالبية الإسلاميين لا يحاولون قراءة النص، بل كل ما يفعلوه هو إعادة نقل تفسيرات النص التي سبقهم إليها أوائل علمائهم، وفي أحسن الأحوال إعادة إنتاج تلك التفسيرات في حلة عصرية. وهذا ما فعله الشيوعيون السوريون، فلم يبذلوا جهداً في محاولة نقد فلسفة ماركس والوقوف على حقيقة نظريته وتطويرها.ولا أدل على ذلك من ما قاله الكاتب أبي حسن حول الأحزاب الشيوعية العربية في مقاله المنشور في 9/4/2008 على موقع كلنا شركاء: ..فليس سراً القول أنه هذه الأحزاب أخذت بمفهوم الطبقة العاملة في بلدان لا توجد فيها طبقة عاملة.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *