المعارضة السورية: إعلان دمشق-ج2

تابع فقرة نقد إعلان دمشق…

معالجة الأزمات الداخلية

عندما قرأت الإعلان لأول مرة، تساءلت كمواطن سوري: أين أنا في هذا الإعلان؟

جاء ذكر الإعلان للأزمات التي يعاني منها المواطن السوري باهتاً، لا يعطي أي مؤشرات حول كيفية فهم الإعلان لهذه الأزمات من حيث علاقتها مع النظام الشمولي والاستبدادي وعلاقتها  بغياب المواطنة وحكم القانون والديمقراطية، بالإضافة إلى كيفية التعاطي معها بعد التغيير.

إني من الذين يعتقدون بأن التغيير السياسي مدخلاً أساسياً لحل الأزمات الداخلية والخارجية في آن معاً. لكن هذا المدخل بحاجة لمقدمات ولطريق نسلكه لتحقيقه، كما وأن هذا التغيير ليس غايةً بذاته، بل هو وسيلة لغاية أسمى وهي المواطن، هو وسيلة للانتقال بالإنسان من واقع بائس إلى واقع يعني العيش بحرية وبكرامة وبمستوى مادي وعلمي وثقافي يليق بإنسانيته. إن كان هدف التغيير هو تغيير السلطة فقط فهو مرفوض، وإن كان هدفه الانتقام من الذين وضعونا في السجون سنوات وسنوات وحولوا الوطن إلى سجن كبير فهو مرفوض أيضاً، أما إن كان هدفه المواطن، فنرحب به ونريد أن نرى المقدمات الصحيحة لذلك، وأن يجاب على سؤالنا: ماذا بعد التغيير؟

لا أتكلم هنا بالطبع عن برنامج سياسي مفصل حول آلية الحكم والنظام الاقتصادي ونظام التعليم والصحة…الخ. إلا أني كنت أتوقع من الإعلان العناية بتشخيص المرض حتى يخبرنا الإعلان على الأقل أنه إعلان المواطن وليس إعلان النخب. كما أني كنت أتوقع ربط الحلول بمدخلها السياسي أيضاً بشكل أكثر تفصيلاً ووضوحاً كما فعل في إحدى فقراته عندما تحدث عن “تحرير المنظمات الشعبية والاتحادات والنقابات وغرف التجارة والصناعة والزراعة من وصاية الدولة والهيمنة الحزبية والأمنية. وتوفير شروط  العمل الحر لها كمنظمات مجتمع مدني”.

الإعلان والإسلام

أكد الإعلان في إحدى فقراته على “نبذ الفكر الشمولي والقطع مع جميع المشاريع الإقصائية والوصائية والاستئصالية، تحت أي ذريعة كانت تاريخية أو واقعية“، لكنه لا يلبث أن يوجه ضربة قاضية على تأكيده هذا في الفقرة التالية لها مباشرة والتي تتحدث عن الإسلام كدين الأكثرية. هذه الفقرة كانت خارجة تماماً عن السياق ولا تحمل أي معنى، سوى أنها هدية للتيار الإسلامي وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين لاستجدائهم للانضمام إلى الإعلان، وهذا ما حدث فعلاً عندما أعلنت الجماعة انضمامها إليه فور صدوره.

إن كان هدف الإعلان من حشر هذه الفقرة حشراً أن يقوم بذكر الواقع كما هو، فلماذا لم يفرد فقرة لكل دين وكل طائفة وكل مجموعة إثنية يتحدث عن مساهمتها في تشكيل الثقافة السورية؟ هذا إن كان لمثل هذه العملية الإحصائية مكان في مثل هكذا وثيقة سياسية.

ويتابع الإعلان تراكم الأخطاء والتراجع عن كل خطوة إيجابية يخطوها عندما يعبر عن “الحرص الشديد على احترام عقائد الآخرين وثقافتهم وخصوصيتهم…”. من هم المتحدثين ومن هم الآخرين؟ وكأن الإعلان يؤسس إلى حالة انقسام في المجتمع السوري بناءً على اعتبارات دينية. لأنه لا مبرر لذكر “مكون ما” و”آخرين” في سياق الحديث عن وطن ومواطن وتساوٍ في الحقوق والواجبات. الحديث عن “آخر” يستبطن الحديث عن جماعة مفارقة لجماعة أخرى، ويؤكد على تعين هوية ما تتربع على عرش الوطن، ويصبح مدعاة للمديح عندما تتسامح مع هذا الآخر وتحترم عقيدته.

الإعلان والقومية العربية

كان الخلاف واضحاً بين أطراف الإعلان حول مسألة القومية العربية، والذي تجلى في غموض بعض التعابير المتعلقة بها، مثل “المتحد الوطني السوري الراهن” لأنهم غير قادرين على الإجابة على السؤال التالي: هل سوريا دولة عربية وجزء من الأمة العربية أم لا؟ وأعتقد أنهم كانوا حينها مختلفين على الاسم بين “جمهورية سوريا” و”الجمهورية العربية السورية”. وبهدف التوافق بين التيار القومي والتيارات الأخرى كان واجباً “التأكيد على انتماء سورية إلى المنظومة العربية….التي تؤدي بالأمة إلى طريق التوحد”. فلماذا لم يذكر منذ البداية أن سوريا جزء من الأمة العربية ثم جاء على ذكر الأمة مرة أخرى؟ ولم يوضح أيضاً ماذا يقصد بالتوحد! وكأن التيار القومي العربي كان يريد أن يضع كلمة الوحدة لكن بعض التيارات الأخرى رفضت ذلك فانتهى بهم المطاف أن حوروا الكلمة لتدل على أمر ما غير واضح المعالم، ليكون لديهم هامش حرية أكبر في المستقبل لتأويلها حسب الحاجة وحسب مقتضيات الظروف.

هذا يحيلنا مرة أخرى وليست أخيرة إلى الخطأ الذي وقع فيه الإعلان منذ البداية وهو عدم توضيح فهمه للوطن وللمواطنة. فلو أنه فعل ذلك لكان من السهل عليه تجنب الوقوع المتعمد في التعميم والغموض وبالتالي تحديد موقفه من مسألة القومية العربية ومن الإسلام السياسي أيضاً.

الإعلان والجولان

كانت خيبة أمل كبيرة لي وللعديد من الذين نقدوا الإعلان والذين ناقشته معهم عندما لم يفرد بنداً خاصاً للجولان المحتل. رغم أن الشعب السوري صامت إلى حد ما تجاه أرضه المحتلة وذلك بسبب القهر اليومي الذي يعيشه، إلا أنه يتحرق شوقاً لتحرير تلك الأرض، فقد كانت على مدار أربعة عقود وإلى الآن غصة في قلب كل سوري وطعنة في كرامته. الجولان ليس مسألة عابرة حتى يتم ذكره في سياق فقرة تتحدث عن سلامة المتحد الوطني الراهن وحل مشكلاته..الخ. إنه أزمة وطن، أزمة كرامة شعب بأكمله. إن لم يكن تحرير الجولان في قلب أهداف أي تغيير وأولوية من أولوياته، حتى لو لم يكن أولولوية بالمعنى الزمني، فبئس هذا التغيير، وسيرفضه كل مواطن حر معني بسلامة كل شبر من وطنه وليس فقط الأرض التي يعيش عليها.

التغيير الإنقاذي وآلية العمل

في ختام نقدي لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، أود أن أثير نقطة أخيرة وقع الإعلان فيها في تناقض. حيث اقترح في نهايته آلية عمل لإحداث التغيير الديمقراطي الذي تحدث عنه. ولست هنا بصدد نقد آلية العمل تلك لأن الهدف بحد ذاته من هذا الإعلان غير واضح المعالم. إلا أن إلقاء نظرة على تلك الخطوات المقترحة تكشف عن تناقض مع ما ورد في مقدمة الإعلان عند حديثه عن مهمة تغيير إنقاذية. فتحقيق تلك الخطوات يحتاج إلى زمن ليس بالقليل، فكيف ينسجم ذلك مع تغيير يوصف بالإنقاذي؟

يتبع…

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *