المصالحة الفخ

جاءت المصالحة العربيةالعربية في قمة الكويت الاقتصادية حدثاً غير متوقعاً لأحد دون استثناء، فلم تكن في حساب احتمالات السياسيين أو المحللين على السواء، هذا الاحتمال كان يساوي احتمال أن تنحاز الإدارة المنصرمة في اللحظات الأخير لمصلحة الفلسطينيين.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد علل البعض بأن أحد أسباب اتجاه المملكة السعودية، ومعها محور الاعتدال العربي إلى المصالحة، هو الاتجاه الجديد الذي من المحتمل أن تأخذه الإدارة الأمريكية الجديدة، بقيادة أبو حسين أوباما، من مشاكل الشرق الأوسط والذي لن ترى فيه محور اعتدال ومحور ممانعة كما كانت تصنفه الإدارة السابقة. وبالتالي فلن يكون من المفيد للدول العربية وخاصة المعتدلة منها أن تبقي على الاستقطاب القائم. لكن ألم تكن تعلم تلك الدول أساساً أن أوباما سوف يتسلم رأس السلطة في العشرين من شهر المجزرة؟ أولا يعرف حكامنا أن السلطة في أمريكا لا تختصر في شخص الرئيس، وبالتالي لا يستطيع هذا الأخير مهما كان مختلفاً أن يغير اتجاه المركب بين ليلة وضحاها؟. كما أن البعض عزى هذا الاتجاه التصالحي الشديد النعومة إلى فشل العدوان الصهيوني على غزة في تحقيق أهدافه، وإلى الصفعتين على ذات اليمين وذات الشمال اللتان وجهتا إلى الرئيس حسني مبارك والمتمثلتان باتفاق ليفنيرايس الأمني وبإيقاف العدوان دون أي الأخذ بعين الاعتبار الجهود التي بذلها الرئيس في سبيل تركيع المقاومة الفلسطينية وخاصة حماس.

كان من الممكن في الواقع التنبؤ بهذه المصالحة وحتى قبل قمة الكويت، في قمة قطر أو حتى قبل ذلك في حرب تموز على لبنان، لو أننا فقط كنا نتكلم عن أنظمة تمثل شعوبها حقيقة، أي عن سلطة في دولة وطنية. لكن للأسف نحن أمام حكام اختصروا الدول في أشخاصهم الكريمة، فأصبحت الخلافات شخصية ويمكن حلها بمجرد تقبيل الشوارب العربية. إن ما يجعل هذا الاستعراض الذي رأيناه في قمة الكويت مدعاة للشك العميق، هو أن الخلافات الكثيرة والكبيرة، من حزب الله-14 آذار وفتححماس إلى العراق مروراً بـ فلسطينإسرائيل و إيرانأمريكا، لا يمكن حلها في ساعات قليلة هكذا. ونحن الشعوب العربية أول المعنيين بعدم بتصديق هذه الظواهر الماوراءطبيعية، لأنها فخ نصب لنا وللمقاومة أولاً وأخيراً. لأنه وببساطة يحاول احتواء وتطويق غضب الشارع العربي وتعطيل قدرة المقاومة على حصد نتائج نجاحها في إفشال تحقيق أهداف العدوان الصهيوني.

كان فشل الحرب على  غزة مرجحاً بعد اليوم الخامس من القصف الجوي ونفاذ بنك الأهداف وبدء طائرات العدو بتكرار قصف نفس الأهداف عدة مرات، وأخذ هذا الفشل يتأكد أكثر مع اضطرار جيش الاحتلال إلى البدء بغزو بري، وزاد احتمال الفشل إلى درجة اليقين مع دخول الحرب يومها الثاني عشر والقوات البرية الصهيونية ما تزال تراوح في مكانها في المناطق الغير مأهولة وتكتفي بالقصف والتدمير وقتل الشعب الأعزل فقط. وأصبح واضحاً أن خيار المقاومة ليس مراهقة سياسية أو طيشاً صبيانياً بقدر ما هو فعل استراتيجي يجب دعمه والعمل على تطويره. فإما أن قادة محور الاعتدال أغبياء إلى درجة عدم قدرتهم على قراءة هذا الفشل، أو أن مشكلتهم مع المقاومة لم تكن مجرد اختلاف في وجهات النظر من حيث اختيار الطريق الأمثل للتعامل مع الاحتلال الصهيوني، بل كانت المشكلة مع فكرة المقاومة ذاتها. وفي الحقيقة معهم كل الحق في ذلك، لأن هذه الفكرة هي بالضبط من سوف يسقط هذه الأنظمة ويستبدلها بأنظمة ديمقراطية تمثل تطلعات شعوبها. لذلك كانوا يحاولون كسر حماس سياسياً، تعويضاً عن ما لم يستطع الجيش المحتل فعله عسكرياً. حيث أنهم ومع بدء الحملة الجوية بدؤوا حملتهم التشهيرية بالمقاومة الفلسطينية من خلال تحميلها ذنب العدوان وأخذ الحديث عن طيشها واسترخاصها للدم الفلسطيني يملأ الصحف والفضائيات. كما أنهم حاولوا منح المزيد والمزيد من الوقت لجيش الاحتلال ليستطيع تحقيق مهمته في القضاء على المقاومة ممثلة بحماس، من خلال تعطيل أي طرح لقمة عربية طارئة ولأي قرار يمكن أن يتخذ في سبيل تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني في غزة. حتى أنهم ألغوا في اجتماعهم الوزاري أي دور يمكن أن تقوم به الدول العربية من خلال إلقاء مهمة اتخاذ القرارات والإجراءات على مجلس الأمن. حتى أنهم شكلوا لجنة (ذهبت في اليوم الحادي عشر للعدوان!) إلى مجلس الأمن حاملة قراراً تعلم الدول العربية بشكل مسبق أنه لن يتم الموافقة عليه إطلاقاً لأنه يحمل إدانة صريحة وقاسية لإسرائيل، أي أنهم ذهبوا بقرار حق أريد به باطل. كما أن النظام المصري ومن ورائه بعض الأنظمة العربية استمر في حصار غزة من خلال الإغلاق شبه التام لمعبر رفح ورفض كل المطالبات والمناشدات بفتحه. فأصبح سكان غزة كما لو أنهم وضعوا في قفص مغلق ثم فتحت النار عليهم ليستسلموا. ثم كانت المحاولة الأخيرة، بعد أن فشلت المحاولات بالقضاء عليها، لجعل حماس تكف عن إطلاق الصواريخ مقابل وقف العدوان والوعد بمناقشة فتح المعابر من خلال المبادرة التي طرحها الرئيس المصري حسين مبارك، والتي تم رفضها عملياً من قبل حماس التي كان موقفها السياسي والعسكري يصبح أقوى يوماً بعد يوم. ومن أهم المؤشرات على ازدياد قوة المقاومة هو تزايد التأييد الشعبي العربي لها، بل ترافق هذا التأييد بغضب عارم اجتاح العواصم العربية إلى الدرجة التي جعلت البعض يتوقع سقوط النظام المصري (لقد سقط سياسياً بالفعل). أظهر هذا الغضب مدى احتقان الشارع العربي ومساحة الهوة التي تفصل بين النظام العربي الرسمي وبين الشعوب العربية، وكشف المقدار الحقيقي لتمثيل الأنظمة لشعوبها ومدى رضى هذه الأخيرة. لقد بدأت عجلة التغيير، فهل لهذا دور في المصالحة؟

لم يتغير أي شيء على الإطلاق بين قمة غزة في قطر وبين القمة الاقتصادية في الكويت سوى أن أولمرت أعلن وقفاً أحادياً لإطلاق النار، معلناً بشكل ضمني فشل العدوان في تحقيق أهدافه. مسوقاً إنجازاته استناداً على اتفاق أمني بين ليفني ورايس وعلى ضمانات كلامية من بعض القادة الأوروبيين. بين قمة لم يكتمل نصابها العربي وتعرضت لكل أشكال القذف والتشهير والتزوير منعاً لانعقادها وقمة تمت خلالها المصالحة، لم يحدث أي أمر سوى الفشل في قطع رأس المقاومة. وبالتالي فإنه من الوضوح بمكان اعتبار أن تحقق الفشل على الأرض وتعثر كل المحاولات هو سبب المصالحة. ولهذا فقط يجب الحذر من هكذا مصالحة.

لنتخيل الصورة معاً: عرض مصالحة شكلية لا يمكن أن تتحول إلى فعلية بسبب كم الحساسيات الشخصية قبل السياسية. تهدئة الأجواء واحتواء نصر المقاومة والالتفاف على حماس تحضيراً لجولة سياسية جديدة كاسحة ضدها. وبنفس الوقت تنفيس غضب الشارع العربي وصرف نظره عن الجولة القادمة حتى لا يشاكسهم كما فعل وساهم في فشل الجولة العسكرية.

إن أولى بشائر فخ المصالحة، هو الطريقة التي يراد بها ترجمة المصالحة العربية – العربية إلى مصالحة فلسطينية – فلسطينية. فقد تم أولاً التبرع بمبلغ هائل من المال ثم ربط مباشرة بين المصالحة وبين فتح معبر رفح، وبطبيعة الحال لن يتمكن المتبرعون من تقديم المال فعلياً إلى غزة إلا إذا تم فتح هذا المعبر. بكلام آخر، يراد هنا فرض شروط لا تناسب المقاومة وكانت رافضة لها من قبل وكانت تلك الشروط هي المسبب الرئيسي للمجزرة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني. وبالتالي توضع حماس بين خيارين: إما أن توافق على شروط المصالحة وبالتالي شروط فك الحصار، أي سوف يحقق العرب ما فشل الصهاينة بتحقيقه. أو أن يبقى المعبر مغلقاً بحجة عدم إنجاز المصالحة التي تعرقلها حماس بشروط لا يجب أن تكون لها الأولوية على إنقاذ الشعب الفلسطيني في غزة. وهكذا يتم تدريجياً سحب الشرعية التي كان يضفيها الشارع الفلسطيني والعربي على حماس لأنها تعيق دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. وفي الواقع هذا وارد لأن من طبيعة الإنسان أن يصبر على الموت وقت الحرب أكثر من صبره على شظف العيش بعد توقف الحرب ووقت السلم.

وأرى أن هذا الفخ معضلة سياسية يجب على كل فصائل المقاومة ومن يدعمها وخاصة من المفكرين والمثقفين العرب الانتباه لها والعمل على إيجاد المخارج المناسبة لها. ومن أهم دعائم تلك المخارج هو كشف حقيقة أن فتح معبر رفح لا يجب أن يرتبط بالمصالحة، لأن إدخال المساعدات ومواد إعادة الإعمار لا يجب أن يخضع لاعتبارات سياسية ويمكن إدارتها من قبل عدة منظمات إنسانية متواجدة في القطاع ومنها الأونروا والهلال الأحمر. بالإضافة إلى الاستمرار في إشعال روح المقاومة لدى الشعوب العربية والحفاظ على التفافها حول هذا الفكر وتذكيرها بما ارتكبته الآلة العسكرية الصهيونية من مجازر بحق الغزيين العزل بتعاون وتواطؤ وعجز الأنظمة العربية التي هي نفسها تتصالح الآن.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *