المدونون والتدوين في سوريا ولبنان: المعاني والفعاليات

بقلم: مهى تقي

ترجمة: حسين غرير

تدقيق علمي: مهى تقي

دأبتُ في السنوات الثلاثة الماضية على دراسة الأشكال المختلفة والفريدة التي تم من خلالها إدراك وتقييم التدوين في سوريا ولبنان من قبل جميع الأطراف المعنية. منذ عام 2005 ظهرت المئات من المقالات المتحمسة في الصحافة الغربية والعربية حول التدوين في العالم العربي، ولاقى هذا الحماس صدىً كبيراً في المنطقة، بسبب الشعور العام بعدم الرضى تجاه أداء وسائل الإعلام التقليدية المحلية. فوسائل الإعلام العربية عموماً إما رسمية أو شبه رسمية (تتبع السياسات الإعلامية الرسمية) أو مراقبة أو تعاني من استقطاب شديد بين مختلف الإيديولوجيات السياسية أو ممولة من قبل السياسيين. تقدم المدونات، و بتناقض حاد مع وسائل الإعلام الرئيسية في العالم العربي، مساحة حرة لأصحابها تمكنهم من تخطي حدود (وإيديولوجيات) المنظومة الاجتماعية والثقافية والسياسية السائدة، مما يؤدي إلى سماع بعض الأصوات وظهور بعض الآراء المكبوتة إلى السطح، مثل الأقليات الدينية والمثليين جنسياً والمعارضة. وبدلاً من القيام بتحليل الأسباب التي تدفع المدونين للتدوين يقدم الخطاب العام افتراضات لا أساس لها عند الحديث عنهم.

يهدف مشروع البحث هذا إلى الولوج بعمق أكبر إلى عالم المدونين ليستطيع تفسير ماهية إحساسهم بالتدوين وماذا يعني لهم وكيف يفهمونه، من خلال استكشاف ومقارنة عملية التدوين في كل من لبنان وسوريا. في حين يعتمد هذا البحث على المعرفة المباشرة (المستقاة من أصحاب العلاقة مباشرة) [1] لدقائق [2] عملية التدوين، إلا أنه لا يقتصر على ذلك وحسب، بل يذهب أبعد من ذلك ويفحص تموضع المدونين (كيف يقيّم الآخروين موقعهم وكيف يقيّمون هم موقعهم) داخل الفضاء الاجتماعي الأوسع الذي ينتمون إليه، مع الأخذ بعين الاعتبار القضايا التي تؤثر على قدرتهم ونشاطهم التدويني مثل التفاوت الطبقي والاجتماعي و الرقابة والرقابة الذاتية ودور المؤسسات ودور الحكومة والمجتمع. ستكشف الدراسة عن العوامل البنيوية والثقافية التي سمحت للمدونين بتطويع هذه التكنولوجيا بطرقهم الفريدة، من خلال المقابلات الشخصية الإثنوغرافية [3] مع المدونين، والرصد المشارك [4] على شبكة الانترنت، واستخدام استبيان على الانترنت، والمقابلات الشخصية الشبه قياسية [5] مع مزودي خدمة الانترنت ومع أطراف أخرى ذات صلة بمشاريع تطويرالانترنت.

سوف يتم اتباع أسلوب التحليل المقارن أثناء دراسة التدوين في لبنان وسوريا مع الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الوطنية المتبادلة بين البلدين. كان كلاً من لبنان وسوريا جزءً من سوريا الكبرى ويتشاركان الكثير من الثقافة والمتغيرات التاريخية، فلم يكن قد انفصل كلاً منهما عن الآخر وتمتع بحكم مستقل حتى عام 1920، عندما قامت عصبة الأمم المتحدة بتقسيم بعض أقاليم الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا. منذ ذلك الحين أصبح لبنان دولة رأسمالية تعاني من عدم الاستقرار، المذهبي المنشأ، حيث كان هناك عدة محاولات فاشلة لإيجاد صيغ لتقاسم السلطة من أجل حل مشكلة التنافس على النفوذ بين الجماعات الدينية الرئيسية، أما سوريا فقد كانت تحكم من قبل نظام علماني، اشتراكي(كما يصف نفسه)، ثيوقراطي ومستقر نسبياً. واستمرت المعركة (الدموية أحياناً) والنزاعات من داخل الحكومة والجماعات في البلدين حول علاقة البلدين بعضهما ببعض. البحث المقارن سو ف يستلهم من نفس الأسئلة والأدوات المتبعة لرصد الاقتسام الهش ولكن الكبير للسلطة والثقافة في كلا البلدين، مصاغة اعتماداً على المعلومات الميدانية والرصد على شبكة الانترنت والبيانات التاريخية.

يشكل التدوين في هذين المجتمعين تجربة معقدة ومتناقضة حداثياً. وحيث أن الانترنت والأطر التي من خلالها يتواصل المستخدمين تسمح بأنواع جديدة من التخاطب، فإن أسئلة بحثي هذا تدور حول: كيف يتعاطى المدونون مع التفاعلات الاجتماعية على شبكة الانترنت؟ وكيف يعبرون عن هوياتهم؟ ولماذا يدونون؟  وماذا تخبرنا تجاربهم التي يطرحونها على شبكة الانترنت عن حياتهم الواقعية؟ وهل تتطابق الانتماءات التي يفصحون عنها على الانترنت بتلك التي يعيشونها حقيقة على أرض الواقع؟ وكيف يستخدم التخفي [6] ولماذا؟

التحدي الذي واجهته في العمل في مثل هذه البيئة تمثل في ندرة الأعمال أو المصادر التي تنمذج [7] أو حتى تصف دقائق الحياة اليومية لأولئك الذين يعشيون في لبنان وسوريا المعاصرين. وقلة هم الباحثون الذين حاولوا التنظير ووضع المفاهيم المجردة حول معنى أن يكون المرء سورياً أو لبنانياً بعيداً عن التصنيفات القومية والمذهبية والقبلية، وغالباً ما استخدموا مصطلحات مبسطة أو شعبوية على أنها تصنيفات بهدف التحليل. هذه الدراسات لم تذكر شيئاً عن كيفية تأثير البنى الكلّيانيّة [8] على الأحداث الجزئية والعكس بالعكس. ماهي الأساليب التي يمكن للباحث اتباعها، في مثل هذا السياق، للتعامل مع وللتعويض عن ندرة وتناثر الدراسات في مجال العلوم الاجتماعية والإنثروبولوجيا؟

علاوة على ذلك، ومع هذه الندرة في الأعمال، كيف يمكن للمرء أن يختبر المستوى الكلي بإمعان النظر في الحياة اليومية/المنظور الدقيق من خلال الإثنوغرافيا؟ هل هناك إمكانية للنمذجة وصياغة المفاهيم اعتماداً على التفاصيل اليومية الصغيرة في قصص المدونين التي أخبروني بها؟

المصدر: Material World

———————————————————

الهوامش:

[1]. وردت في النص الأصلي First Hand Study

[2]. وردت في النص الأصلي Microscopic Perspective أي المنظور الدقيق. حيث يدخل الباحث إلى دقائق موضوع بحثه دون النظر إلى التأثيرات الخارجية الناتجة عن المحيط حيث يسمى المنظور عندها بالمنظور الواسع أو الشمولي Macroscopic Perspective. وهنا يجب أن نذكر بالعلاقة الجدلية بين الكلي والجزئي حتى يتضح معنى هذين المفهومين تماماً.

[3]. الإثنوغرافيا Ethnography وهي تعني استراتيجية منهجية تستخدم لوصف المجتمعات الإنسانية، وهي كمنج بحث لا ترتبط بأسلوب محدد للاسقصاء (مثل الملاحظة المباشرة أو المقابلات أو الاستبيانات) بل هي تعبر عن طبيعة البحث بحد ذاته، أي وصف المجتمعات الإنسانية بشكل سردي.

[4]. وردت في النص الأصلي Participant Observation وهي منهج في البحث يستخدم على نطاق واسع في عدة حقول ومنها على وجه التخصيص الانثروبولوجيا الثقافية (علم الإنسان الثقافي)، علم الاجتماع، وأبحاث الاتصال وعلم النفس الاجتماعي. ويتضمن هذا المنهج عدة أساليب: المقابلات الغير رسمية، الملاحظة المباشرة، المشاركة في حياة الجماعة موضوع الدراسة، المناقشات الجماعية، تحليل الوثائق الشخصية المنتجة ضمن الجماعة موضوع الدراسة، التحليل الشخصي.

[5]. وردت في النص الأصلي semi-Structured Interviews وهو أسلوب في البحث يستخدم في العلوم الاجتماعية. فبخلاف المقابلات القياسية structured interviews التي تستخدم مجموعة محددة ومنظمة من الأسئلة، فإن المقابلات الشبه قياسية طريقة مرنة تسمح بظهور أسئلة جديدة خلال المقابلة اعتماداً على ما قاله الشخص الذي تجرى معه المقابلة.

[6]. وردت في النص الأصلي Anonymity وهو مصطلح معروف إلى حد ما لمستخدمي الانترنت كما هو باللغة الانكليزية، ولكن ليس له معنىً معتمداً في اللغة العربية، لذلك اخترت كلمة التخفي للتعبير عنه، لأنه لا يعبر فقط عن استخدام الأسماء المستعارة بل يتجاوزها إلى إخفاء هوية المستخدم ومكان الاتصال بالانترنت وكل معلومة يمكن أن تؤدي إلى الوصول إليه.

[7]. وردت في النص الأصلي Conceptualize وفي الحقيقة ليس من الدقة استخدام كلمة نمذجة للدلالة على معناها الفعلي، بل الأفضل استخدام مصطلح مفهمةالمشتقة من مفهوم. حيث أنه من المعروف في مجال التحليل دراسة الواقع ومحاولة وضع المفاهيم المترابطة التي تمثل مفردات الواقع قيد الدراسة.

ملاحظة(المترجم): اعتمدت تعاريف المصطلحات الواردة في الهوامش بعد مقارنة عدة مصادر علمية ولغوية (غالباً باللغة الإنلكيزية) ومحاولة اختيار الأشمل والأبسط منها.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *