في معنى القضية الفلسطينية والثورة السورية

يمكن الاستماع للمقال هنا

تحتل القدس مكان الصدارة في وجدان المسلم في كل أنحاء العالم..

– وماذا عن غير المسلم الرافض لقرار ترامب؟

تعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للإنسان العربي..

– وماذا عن غير العربي الذي يناضل من أجل فلسطين؟

لا شك أن القضية الفلسطينية لها ما لها في وجدان إنسان هذه المنطقة- يمكن لكل مناصر لها أن يحدد هويته بنفسه- ينساها حيناً تحت وطأة ضغوط الحياة ويحتج حيناً عند كل نازلة حادثة، مثل قرار ترامب الأخير مثلاً، ويوجعه عجزه أحياناً كثيرة.

كنا نفهم، أو بالأحرى نشعر، بقضية فلسطين بداهةً قبل ٢٠١١: كيان صهيوني إحلالي، يحتل أرض أخوتنا العرب/المسلمين في فلسطين، والأهم أن كل من يقاتل، أو يدعي قتال، هذا العدو صديقنا.

هناك الكثير مما يمكن أن يقال حول الخضة التي أصابت فهم القضية الفلسطينية بداهةً بعد الثورة السورية خصوصاً، لكن هذا بحاجة إلى بحث معمق، لذلك سأكتفي بما كشفته ردود الأفعال التي تلت قرار ترامب الأخير حول القدس من تناقض جوهري في هذا النوع من الفهم.
شارك الآلاف في مظاهرات حول العالم احتجاجاً على قرار ترامب، وأغلبهم فلسطينيون بطبيعة الحال. وكثير من الفلسطينيين يؤيدون الأسد في حملته لإبادة السوريين- أيضاً كثير من الفلسطينيين أبادهم الأسد لأنهم أيدوا الثورة السورية. كما شارك بهذه المظاهرات إسلاميون ويساريون، وسوريون مع الثورة وسوريون مع النظام، وأيضاً أنصار لحزب الله وإيران وأنصار لجبهة النصرة. ناهيك عن بيانات وخطابات من أطراف جرى بينها أنهار من الدماء. ماذا يجمع هؤلاء؟ القضية الفلسطينية؟
الفهم البدْهي نفسه سوف يفرح بوجود قضية “عليا” تؤلف بين الأضداد، بل ويطالب بأن يتناسى الأطراف خلافاتهم الشخصية والسياسية في حضرة هذا العلو، عسى أن تكون فرصة لجمع الكلمة والجهد لمواجهة العدو المشترك، وربما الوحيد. هذا ما طالبت به إحدى المحاورات الفلسطينيات تعليقاً على منشور للصديق الفلسطيني رامي العاشق عندما أبدى فرحه برفع علم الثورة السورية في مظاهرة احتجاجية على قرار ترامب في برلين. بمعنى آخر، أن القضية الفلسطينية هي المعيار الذي يجب أن يقاس عليه كل قضية أخرى.
ربما نبدأ بفهم الإشكالية من خلال السؤال التالي المشروع: لماذا أثار قرار دونالد ترامب بإسرائيلية القدس ونقل السفارة إليها كل هذا الغضب بينما استقر الأمر للصهيونية في يافا وحيفا وعكا ولم توفر حتى الحمص الفلسطيني؟

باب العامود-القدس

باب العامود-القدس. المصدر: شبكة هنا القدس

 

من المفهوم، بل من البديهي أن للقدس مكانة خاصة لدى كل الأديان، وفوق ذلك فإن التبعات السياسية لهذا القرار خطيرة كون الأمر يتعلق بعاصمة دولة مصطنعة ودولة مأمولٍ بها: سقوطُ العواصم سقوطً للدول، والعكس بالعكس. والقدس لها أهمية إضافية: محور التزوير التاريخي الذي حاكت الصهيونية على أساسه “قضيتها”.
أعتقد أن الشق الأول من الإجابة على هذا السؤال نجده في الخطاب الرائج والذي عبر عنه حسن نصر الله في تعليقه على قرار ترامب: القدس هي جوهر القضية الفلسطينية وهي أقدس المقدسات. على هذا النحو يتم استبعاد الإنسان الفلسطيني من قضيته، أو وضعه في موقع هامشي بالنسبة لها، من خلال فصل القضية عنه بوصفه إنساناً يتعرض للطرد من أرضه وذاكرته وهويته لإحلال آخرين مكانهم. هناك فرق بين ارتباط الإنسان بالأرض والذاكرة والرمز، وبين اختزال كل كذلك في رمز شديد التجريد، لا يحكي قصة صاحب القضية وعذاباته. هذا ضروري لاستخدام الرمز شعاراً للاستثمار في معاناة الإنسان وحقوقه. لكن هل إن تركت إسرائيل القدس، فرضاً، أي تحرر الرمز الذي تكثفت فيه القضية فقدت القضية جوهرها وأصبحت بلا معنى؟ من هنا يمكن تفكيك الخطاب الأيديولوجي وتبيان تهافت منطقه الاستثماري.

أما الشق الثاني من الإجابة فيتمثل في المطالبة بالتوحد في مواجهة عدو مشترك. هذا مطلوب أكيد، نظرياً على الأقل. لكنه يمنع السؤال عن أسباب العداوة وكأنه يقول: لا وجاهة لعداوة بين الأطراف في سوريا، وغيرها، بوجود العدو الصهيوني. هذا قول خطير. فمن جهة هو يساوي بين قاتل ومقتول ويطالب المقتول بالاستسلام من أجل القتال مع القاتل في جبهة واحدة ضد الـ عدو. ومن جهة ثانية يرد أساس الصراع إلى حرب أهلية خدمة لمصالح زعمائها أو لمصالح داعميها الخارجيين السعودية- إيران، الولايات المتحدة- روسيا..الخ. وبذلك يحرم السوريين من وجاهة قضيتهم ومطالبهم في امتلاك حياتهم العامة والخاصة.

الصراع في سوريا وجوديً، أي لا يمكن تهميشه لصالح صراع آخر ومطالبة أطرافه بالتوحد ضد الـ عدو، تماماً مثل الصراع الوجودي بين الصهيونية والفلسطينيين أيضاً حيث لا يمكن مطالبة أطرافه التوحد ضد عدو ما. -من المفيد هنا ملاحظة أنه في الحالتين السورية والفلسطينية لا يوجد طرفين للصراع فقد، بل عدة أطراف، لكن هذا لا ينفي وجود قضية في كلتا الحالتين. وكما أنه سيكون تناقضاً فجاً أن نجد الفلسطينيين والصهاينة في مظاهرة واحدة ضد عدو ما، فإنه لمن التناقض الفج أن يوجد أنصار الأسد وأنصار الثورة السورية في مظاهرة واحدة ضد إسرائيل! إنه ليس بالأمر التافه ويشير حتماً لوجود خطئٍ ما فادح!
الخطأ وبشكل مباشر هو في الفهم البدْهي، أو بالأحرى الساذج والأيديولوجي للقضية الفلسطينية بوصفها رمزاً ما وعدواً ما غير معرَف الماهية والسلوك، بدل أن يتم فهمها بوصفها قضية تحرر الإنسان الفلسطيني مع كل ما يرتبط به من أرض وذاكرة وهوية ومستقبل من احتلال إباديّ لا يكتفي بعدم قبول الآخر، بل يريد ويعمل على فنائه فيزيائياً ومعنوياً.
بهذا الفهم يمكن تصحيح المعيار من كونه الرمز أو هوية العدو العيانية إلى كونه السلوك والقيم الإنسانية. فإن اتفقنا على هذه المعايير، فمن السهل تبصر الترابط الوثيق بين القضيتين السورية والفلسطينية، معنىً ومستقبلاً، لكون الثورة السورية هي قضية تحرر الإنسان السوري من نظام إبادي لا يكتفي أيضاً بعدم قبوله بالآخر، بل يعمل على فنائه فيزيائياً ومعنوياً ويستخدم نفس أدوات إسرائيل: الاعتقال والتدمير والقتل المعمم باستخدام الطائرات وحتى أسلحة الدمار الشامل. وكلا العدوان محميان دولياً من قبل قوى إمبريالية توسعية لا تتوانى عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن لمنع مجرد الاعتراف بارتكابهما الجرائم ضد المظلومين.
وإن كانت القضية الفلسطينية لا يضرها من حيث هي قضية تحرر، شذوذ، وأحياناً إجرام، بعضٍ أو كثيرٍ من المنتسبين إليها، حماس بالنسبة لخصومها وفتح بالنسبة لخصومها، فإن القضية السورية أيضاً بوصفها قضية تحرر لا يضيرها شذوذ وإجرام بعضٍ أو كثيرٍ من المنتسبين إليها. الضرر بالنتائج ولا يصيب التعريف.
ومن الجدير هنا ذكر أن خطأ مشتركاً ارتكبه الفلسطينيون والسوريون في طرح قضيتهم: كلاً منهما همش المعنى لصالح المبنى، ولم يعقد الصلة المناسبة والفعالة بينهما.
خلاصة القول أن لا تناقض بين القضيتين الفلسطينية والسورية، ولا يجب أن تهمش إحداها لحساب الأخرى. فواحدة من أهم العقبات في وجه تحرر السوريين هو مصالح إسرائيل ويجب أن يتعامل السوريون مع هذه الحقيقة بالوجه الأنسب رغم صعوبته البالغة، وواحدة من أهم عقبات تحرر الفلسطينيين تتمثل في كبت إمكانات الشعوب المحيطة من قبل أنظمتها الديكتاتورية، تلك الشعوب التي ستمثل سنداً حقيقياً للفلسطينيين في قضيتهم، وتلك الأنظمة التي تحيا على وجود الـ عدو، أو تلك الأنظمة التي تحيا برضاه. وكل التناقض بوجود عدو في نفس الخندق ضد عدو من نفس الطينة.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *