الفلسطينيون بين مطرقة السلطة وسندان حماس وأنياب إسرائيل

قبل ستة عشر عاماً وقعت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات اتفاقية أوسلو “للسلام” مع الإسرائيليين، وتلاها اتفاقيتا كامب ديفيد وطابا. وكنتيجة لهذا الاتفاق تم ابتكار السلطة الفلسطينية التي كان من أولى مهامها الحفاظ على أمن إسرائيل من تهديدات المقاومة الفلسطينية، كما تحملت عبء إدارة شؤون السكان في الضفة الغربية التي مازال الإسرائيليون يحتلون 97% منها وحتى الباقي تخضع لسيطرتهم المباشرة. لم يجن الفلسطينيون شيئاً من تلك الاتفاقيات سوى مزيد من الفقر وتدني مستواهم المعيشي وسلب أراضيهم من قبل الجيش والحكومة والمستوطنين الإسرائيليين ليصبحوا معزولين في كانتونات مخنوقة بمئات الحواجز والمستوطنات والطرق الموصلة إليها التي لا يحق لهم عبورها ناهيك عن جدار الفصل. ومما زاد الطين بلة الفساد الضارب جذوره في السلطة واحتكار التجارة والاقتصاد الهشين أساساً من قبل ثلة من المتنفذين وأعوانهم. والثمن الذي دفع ويدفع إلى الآن ثمن البقاء في السلطة هو “فلسطين” وحياة الفلسطينيين.

وقبل ثلاثة أعوام تسلقت حماس سلطة أوسلو التي طالما رفضتها وما زالت ترفضها إلى الآن لتصل إلى الحكم عبر انتخابات وضع قانوها أوسلوياً أيضاً، وركبت على موجة تحرير الأرض من الاحتلال والسلطة من الفاسدين. ثم حصل ما نعرفه جميعاً من نزاع أدى إلى سيطرة حماس على غزة. تعاطفنا إلى حد ما مع حماس في هذا الصراع رغم كل التجاوزات التي ارتكبتها ورغم رفضنا مجرد فكرة دخول انتخابات أسست على اتفاقات استسلامية ورغم (وهنا مربط الفرس) تخوفنا وقلقنا من نهج الحركات السياسية الإسلامية، ثم شددنا على يد حماس التي قادت المقاومة في عدوان غزة أواخر كانون الأول من العام الماضي وانتصرنا لها قلباً وقالباً. لكن أهذا جزاء الشعب الفلسطيني المقاوم في غزة الذي صبر وكابد كل المآسي خلال كل السنين الماضية وخاصة خلال الحصار والعدوان، أن يفرض عليه لون معين للحفاظ على “الفضيلة”؟ هذه القرارات الرعناء مرفوضة تحت أي مسمى ومهما كان تاريخ صاحبها حافلاً بالتضحيات والمآثر، لا يجوز قبول فرض الحجاب واللباس الإسلامي على طالبات المدارس والمحاميات، كما لم نقبل يوماً فرض خلع الحجاب من قبل علمانيي تركيا. الحرية الشخصية وحرية القناعة والاعتقاد حق مقدس لا نقبل أبداً بالمساس به ولا نقبل أن يحتكر أحد الفضيلة لنفسه ويفرض رؤيته لها على الآخرين.

ألا يوجد بين الفلسطينيين (مثلهم في ذلك مثل معظم الشعوب العربية) تيار ثالث؟ فإما انبطاحيون استسلاميون وديكتاتوريون أو إسلاميون مقاومون يصادرون الحريات الفردية؟ من قال لحماس أنها هي التي اخترعت المقاومة؟ اسمحو لنا بهذه، لقد قام الشيوعيون والقوميون والناصريون شأنهم في ذلك شأن الاسكتلنديون والجنوب إفريقيون والهنود وكل شعوب العالم بمقاومة الاحتلال بمختلف أنواعه وبذلوا التضحيات الجسام، ولولا تآمر المتآمرين عليهم ولولا فشل الأنظمة العربية وخاصة الثورية منها لما احتكرت الحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين وجنوب لبنان، ولكنا رأينا الجميع جنباً إلى جنب مع الإسلاميين في جبهة واحدة في مواجهة الاحتلال.

لا ننكر ما قدمته فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بل نقدره ونحني له الرؤوس، لكنهما في مكان آخر الآن لم ولن نقبل به، كما نبجل كل روح استشهدت من حماس في سبيل تحرير الأرض والإنسان لكنها تذهب إلى مكان آخر أيضاً لا نستطيع أن نقبل به. رفضنا كل تطرف فكري، فلم نقبل أن تطعن حماس وحزب الله لصالح أنظمة الاعتدال العربي بحجة أنهما يسعيان لإقامة الإمارات الإسلامية لأننا نعرف تماماً من يقوم بهذا ولصالح من وندرك أنه لا يقوم بذلك لمصلحة الشعوب بل لمصلحة تلك الأنظمة، كما ولم نقبل أن ينحى العلمانيون جانباً بحجة أن الأنظمة العربية الديكتاتورية الثورجية هي علمانية، لأننا أيضاً نفهم تماماً كيف ولماذا يقال ذلك ونرى بأم أعيننا ديكتاتورية الأنظمة الإسلامية الرسمية مثل السعودية. دافعنا عن حزب الله وحماس لأنهما قاوما الاحتلال في زمن عز فيه العمل النضالي، وساندنا العلمانيون في زمن لحق العار بهم من جراء سياسات الأنظمة العربية والغربية. يبدو أننا أخطأنا في حساباتنا، ولم نتعلم الدرس جيداً ووقعنا في نفس الخطأ الذي وقعت فيه الشعوب العربية سابقاً عندما هللت لأنظمتها وسامحتها على كل أخطائها عندما كانت تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، فماذا كانت النتيجة؟ هل هي بحاجة لشرح؟

ما يجب أن نعمل عليه الآن هو خط وطني جديد بعيد عن كل ايديولوجيا تدعي أنها تملك الحقيقة المطلقة إن كانت إسلامية أو علمانية أو حجرية لايهم (آمن بالحجر إن شئت لكن لا تضربني به). لقد تجاوزنا التاريخ بمئات السنين، وحان الوقت لمراجعة نقدية حقيقية وجذرية لجميع تجاربنا السابقة والممتدة إلى الآن في النضال في مواجهة الاحتلال والظلم الداخلي وكل أشكال عبوديتنا.

وأخيراً وكما نقول نحن السوريون “من وين بدو يلاقيها” الفلسطيني؟ من سلطة فاسدة خائنة، أم من محتل متجبر متوحش لا إنساني أم من آيديولوجي محتكر للفضيلة؟

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *