العبودية الجديدة

لأنك تستحق، لأنك لست أي أحد، إنها للنخبة، إنها جزء منك“… ليست مجرد كلمات براقة تنتهي بها إعلانات عن منتجات تجارية، بل هي عناوين المنظومة القيمية للمجتمع الاستهلاكي التي تعيد إنتاج النظام الطبقي مرة أخرى لكن بشكل آخر، إنها من صلب خطاب غير معلن يدعو إلى تسليع الإنسان، يرسخ في نفوسنا عبودية جديدة لا يؤيدها صراحة، بل على العكس، يروج لها من باب حرية الاختيار.

تجاوزت الرأسمالية العالمية مرحلة المحاولة وحققت الانتصار تلو الآخر على الإنسان واستطاعت، من خلال ربط سياسات الدول الكبرى بأهدافها وبإطلاق آلتها الإعلامية الضخمة، ربط الإنسان بالشيء إلى أن جعلت الإنسان شيئاً، لا معنى له بذاته، فبدأ يعيها من خلال الأشياء، فهو نوع السيارة التي يمتلكها والمطعم الذي يرتاده والماركة التي يلبس منها والماركة التي يطلب منها الوجبة السريعة إلى منزله، والقائمة تطول. لم يعد هو هو، بل أصبح هو ما يمتلك، فقد تجاوز الاستهلاك من أجل الحاجة إلى الأشياء وتجاوز الاستهلاك من أجل الرفاهية إلى الاستهلاك لتحديد هويته، ليعرف الأنا التي هو عليها، فأصبح خارج ذاته، غريباً عنها، ومن ثم فقدها، ليستمر بحثه عنها، لكن هذه المرة بين الأشياء ومن خلالها، ليعمق تجربة اغترابه مرة أخرى بتدميره كل ما يتصل بالإنتاج الإنساني من أدب وموسيقى وسينما وسياسة، فلم تعد تعبر عن أسئلته الكبرى ومعنى وجوده ورغبته في الخلود ولا عن اجتماعه وقلقه وخلجات نفسه، بل غدت إنتاجاً للاستهلاك السريع الذي يهضم، غالباً بسهولة، ولا تبقى منه سوى الفضلات دون أثر يذكر. كانت تلبية حاجات الإنسان بمختلف تنويعاتها إحدى نتائج عصر النهضة ومن سمات الثورة الصناعة، ثم أعلن عصر الحداثة حق الإنسان في الترفيه كمكافأة له على جهوده في الإبداع والإنتاج، لكن عصر ما بعد الحداثة قلب الموازين وجعل الأشياء أولاً ومن ثم تأتي القيم لاحقاً، معتمداً في عمقه الفكري على ما أنتجه عصر النهضة من فلسفات كبرى رأت الإنسان كبعد وحيد، فنجد أنها في العناوين العريضة إما مثالية (وغالباً ذات خلفية مسيحية بفهمها للكون والإنسان) أو مادية طبيعية، وغني عن القول أن الثورة الصناعية مهدت لانتصارات كبيرة للمادية على المثالية مدعمة بالعلمانية، من حيث هي التفكير العلمي بكل ما يمس شؤون الإنسان، والبراغماتية وحرية التعبير والاعتقاد والتفكير والحريات الفردية ليبدأ الإنسان بطرح أسئلته عن معنى المطلق والقيم العليا والعمل فأصبحت كلها مفاهيم نسبية بين الأفراد والمجتمعات كتعبير عن سمو وعي الإنسان بحق الآخر بالاختلاف، إلا أن تلك النسبية ما لبثت أن تحولت إلى نسبية داخل الفرد نفسه لتميْع القيم وتتسطح وتفقد كل معنى منحها إياه الإنسان من ذاته على مر آلاف السنين، فلم يعد الإنسان مبالياً بتجاوز عالمه المادي إلى عوالم أرحب بحثاً عن ذاته.

لكن، هل ينسحب هذا على الإنسان في المجتمعات العربية؟

من الطبيعي أن لكل مجتمع خصوصيته وتجربته في سياقه التاريخ والتي تختلف عن المجتمعات الأخرى، وكل ما تقدم يمكن أن يقال في معظمه على الغرب، بل وأبعد من ذلك يمكننا التمييز بين تجربة الغرب الأمريكي والغرب الأوروبي وبين أوروبا الغربية والشرقيةالخ.  وعودة إلى السؤال، تصبح الإجابة بالتأكيد لا، لكن هذا من حيث الأسباب فقط، أما بالنسبة للنتيجة نلاحظ أن الإنسان العربي جسد أسوأ أشكال العبودية والتشيوء لأنه ببساطة لم يساهم في إنتاج الحضارة الفكرية التي ساهمت بدورها في إنتاج الحضارة المادية الوهمية التي يعيشها، والتي لم يكن ليستطيع مجرد أن يحلم بها، في هذا الظرف التاريخي، لولا فورة النفط وغنى أراضيه بالموارد الطبيعية التي استولى الغرب على جزء كبير منها وترك الباقي ليكون أداة الفرز الطبقي بين أقلية سياسية، أصبحت لاحقاً برجوازية، فاسدة مسيطرة وأكثرية فقيرة مسحوقة لا تتحصل سوى على الفتات. فهو إذاً يعيش حالة من الاغتراب عن الذات لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، لأنها ترافقت مع انفصام في شخصية معلقة بين الماضي والحاضر، فتارة يدعي المدنية والتحضر بتقليد الغرب في أنماط استهلاكه، وساعد على ذلك العولمة (أو بالأحرى الأمركة) الثقافية والاقتصادية وثورة تكنولوجيا المعلومات، وتارة أخرى يدعي الأصالة والتفرد من خلال استذكار الماضي والحنين إليه دون محاولة فهمه ونقده. هنا نجد الفرق الأساسي بين الإنسان الغربي والإنسان العربي، فالأول يعيش امتداده التاريخي الفعلي ولم يستعبد كلياً بعد من قبل الأشياء، لأنه من ناحية هو المنتج والمستهلك بآن معا، أي ما يزال يضع بعضاً من ذاته فيما يستهلكه، ومن ناحية أخرى مازال إلى حد ما منسجماً مع نفسه يحاول تصحيح مساراته وخياراته، وربما ينجح في ذلك ويعيد إنتاج حضارته على أسس جديدة متلافياً أخطاء الماضي، أو يفشل وتنتهي حالة تفوقه ويبقى له الفخر بأن أنتج حضارة سوف يكون لها الأثر الكبير على امتداد قرون طويلة كما هي حال العرب الآن، الذين انقطعوا وخرجوا من دائرة التاريخ ووجدوا أنفسهم فجأة يعيشون تاريخ الآخر وبتعبير أدق: يعيشون إرهاصات تاريخ الآخر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *