الثورة السورية والدولة المدنية

دارت نقاشات كثيرة في الأسابيع الأولى من عمر الثورة السورية حول شكل الدولة المستقبلية، وأقر الجميع بمبدأ مدنيةالدولة، ولم تتح للسوريين الفرصة الكافية للاختلاف على تفاصيل معنى هذه المدنية بسبب غزارة الدم المراق على أيدي أجهزة النظام الأمنية. وفي غمرة هذا الدم المسفوك انصب جل اهتمام السوريين على كيفية الخلاص من هذا النظام بأسرع وقت ممكن حقناً لمزيد من الدماء.

الدولة المدنية عادت النقاشات مؤخراً لتفرض نفسها على المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذه المرة بعمق أكبر وجدية أكبر، بعدما اكتشف جزء من السوريين أن معظم القوى السياسية والثورية تتعمد إضفاء الغموض على ما تقصده كلاً منها بمدنية الدولة، وذلك منعاً للاحراج ومن أجل التوحد خلف هدف إسقاط النظام، وهذا ما أطلق عليه بعض الناشطين الـ “التكاذب”. فالعلمانيون يستخدمون مصطلح مدنية الدولة للتخفيف من وطئة كلمة العلمانية على المتدينيين، والإسلاميون يقصدون به الدولة اللاعسكرية أو دولة المؤسسات ولا يصرحون بمقصدهم هذا، خوفاً من معاداة العلمانيين والطوائف ذات الأقلية العددية بسبب الشكل الديني للدولة التي يطمحون لها. وبهذه الطريقة استخدم نفس المصطلح بدلالات متعددة لأهداف متناقضة، لنكتشف أن الجميع كانوا يخفون ما يفكرون به عن الآخرين، متسرتين بمبدأ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!

 نواجه هنا ثلاثة إشكاليات على المستوى العملي فيما يخص ماهية مستقبل الدولة السورية، الأولى تكمن في أن النظام السوري وضع نفسه عائقاً أمام بلوغ هدف بناء دولة جديد تحقق كرامة الإنسان وحريته وتقطع مع الماضي الاستبدادي وسياسات النهب والإفقار المعمم، ومارس كل أشكال الإجرام بحق الشعب السوري الأعزل مما دفع هذا الأخير للتفكير بالوسائل الكفيلة بحماية نفسه والخلاص بأسرع وقت وبأي شكل إلى أن احتل هذا الموضوع معظم الفعل الثوري وتحول إلى ردود أفعال على سلوك النظام، فأصبح إسقاط النظام هدفاً رئيسياً ووحيداً على أجندة الثورة بدلاً عن هدف بناء الدولة التي يرغب بها السوريون. والإشكالية الثانية هي الغموض المتعمد الذي لف الخطاب السياسي حول مفهوم المدنية. وعندما بدأ البعض بإحياء الجدل حولها اصطدموا بتناقض الرؤى فيما بينهم، فكل طرف يرى أن رؤية الآخر لشكل الدولة تقصيه وتنقصه بعضاً من حقوقه. ولأن الشكل المدنيلسوريا المستقبل كان القاعدة المشتركة (على المستوى اللفظي فقط) بين كل التيارات والقوى الثورية والمعارضة، وبعد تبين الاختلاف في معنى المدنيةنفسه غدت المساحات المشتركة أقل وترك الجميع أمر مناقشة مستقبل سوريا ليضاف عامل آخر في اختزال أهداف الثورة بإسقاط النظام فقط. أما الثالثة فتعود إلى أننا كسوريين، وكعرب عموماً، ورثنا عادة سيئة من أنظمتنا الديكتاتورية وهي استخدام المصطلحات على شكل شعارات دون تدقيق ونقد مدلولاتها. فاكتفينا بإلقائها في أوجه بعضنا البعض، دون الاستناد إلى قاعدة مشتركة يمكن أن نتفق عليها جميعاً.

الإسلاميون والمتدينون عموماً يقولون أن العلمانيين يريدون إقصاءهم عن السياسية من مبدأ فصل السياسة عن الدين، ويتهمونهم أنهم معادون للدين ويسوقون أمثلة لدول لائيكية مثل تركيا الأتاتوركية وتونس أيام بن علي وفرنسا في اضطهادها للمنقبات. أما العلمانيين فيتهمون الإسلاميين بأنهم يريدون أن يحكموا كافة المواطنين وفق شريعتهم هم ضاربين بعرض الحائط حقوق باقي أبناء الوطن الواحد، تماماً كما حدث مع التيار الإسلامي في مصر الذي رفع شعار الدولة المدنية أثناء الثورة ثم كفر كل من يقول لاعلى التعديلات الدستورية حفاظاً على المادة التي تحدد رئيس الدولة بالإسلام، في إشارة إلى عدم قناعة هذا التيار بالمساواة الحقيقية مع باقي أبناء الوطن.

 جوهر المسألة في عدم صياغة مطالب الثوار بلغة سياسية، فالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية عناوين واسعة وفضفاضة جداً غير قادرة على جذب فئات جديدة من المجتمع السوري شديد التنوع، وغير قادرة بالدرجة الأولى على تشكيل قاعدة اتفاق صلبة يقف عليها الجميع في مواجهة تعنت النظام في الاستجابة لمطالب الثورة. وإن كانت الثورة، بغض النظر عن عناوينها ومسمياتها، اندلعت لاسترداد الحقوق المسلوبة، إن كانت هذه الحقوق سياسية أم اقتصادية أم ثقافية أم مدنية، فيبدو أنه من الطبيعي أن تكون هذه الحقوق هي الأساس لبلورة الصيغة السياسية لمطالب الثوار، وهذا ما ابتعدت عنه القوى السياسية لأسباب كثيرة منها الموضوعي ومنها الذاتي.

من البديهي القول أن الدولة المدنية لا يحكمها العسكر فهي ليست عسكرية، ولا يحكمها رجال الدين فهي ليست دولة ثيوقراطية دينية بالمعنى الضيق للكلمة، وهي دولة تقوم على المؤسسات الحديثة في إدارة شؤون البلد، إلا أن باقي التفاصيل لم تعد بديهية وبحاجة لتوسيع النقاش حولها. وإن بدأنا بوضع قائمة بالحقوق والواجبات لنا نحن كمواطنين سوريين على قاعدة أقبل لغيري ما أراه حقاً ليأو بحسب الرؤية الإسلامية لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أي على قاعدة المساواة بين الجميع، عندها ربما نتمكن من وضع لبنات البناء الجديد واحدة تلو الأخرى والوصول إلى رؤية مشتركة للدولة المدنية والمواطنة التي تحقق مصالح كل شرائح المجتمع السوري.

آن الأوان لوضع كل شيء على الطاولة اليوم قبل غد، وتناول موضوعة الدولة المدنية بكل تفاصيلها وشجونها بجدية، وفتح الأبواب على مصراعيها لمناقشة الأفكار بصورة علنية وغير ملتبسة لنصل إلى هذا المشترك الذي يقينا أي انزلاقات مستقبلية لا أحد يرغب بها

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *