الثورة السورية قامت..حقاً قامت

إنه منتصف الليل، لكن الصور القادمة من سوريا لا تغادر رأسي، لكن عبثاً حاولت المقاومة. إنها الثورة السورية تقوم من تحت الرماد. الثورة قامت، حقاً قامت. اعتدت أن أشارك في المظاهرات وأكتب عن الثورة، أما اليوم..! على الأرجح، سوف يعود الروس لقصف السوريين، وسوف يستمر الأمريكيون بادعاء التردد، وسوف يستمر الأوروبيون بالعجز، لكن السوريين أرسلوا رسالتهم التي لم يستطيع أحد أن يسمعها قبلاً، أو لم يشأ أن يسمعها: الثورة السورية مستمرة. سوف تلاحقكم لعنة دماء السوريين، ليس مجازياً، بل واقعياً.

السنون تمضي والثورة مستمرةلا نعلم لماذا قام الروس والأمريكيون بالاتفاق على هدنة مؤقتة في سوريا، ولا نعلم لماذا يدفعون باتجاه مفاوضات بين الثورة ونظام الأسد. هناك الكثير من التحليلات حول هذه المسائل، لكن المؤكد بالنسبة لنا، أن كلاً منهما لا يسعى إلى حل سياسي مستدام في سوريا، ولا يأبه للمآسي الإنسانية التي يعاني منها السوريون، وأن كلاً منهما يريد الحصول على مكاسب عسكرية أو سياسية. استغل السوريون وقف إطلاق النار (الذي خرقه النظام عشرات المرات) وخرجوا في مظاهرات في كل المناطق المحررة من سوريا. لقد أبدعوا باستثمار الهدوء النسبي وقلبوا الطاولة على الجميع وأعادوهم إلى أساس الثورة: الحرية والسلام من خلال إسقاط نظام الأسد المجرم. حاول الجميع الالتفاف عليها بادعاء أن القضية هي قضية إرهاب، فلطمتهم الثورة على وجوههم.

منذ أن كنت في المعتقل وبعدما خرجت منه، لم أكف عن الحديث عن روح الثورة السورية التي لن تموت. وأنها تتنظر اللحظة المناسبة لتعبر عن نفسها. أدعي أني أفهم السوريين والثورة السورية بشكل جيد، وكنت محظوظاً أني اعتقلت! كان لي شرف اللقاء بمئات المعتقلين الذين كانت تبرق عيونهم عند الحديث عن الثورة، وعن مستقبل سوريا. كانوا ينتظرون إطلاق سراحهم للعودة إلى الثورة. كنا نخوض ثورتنا فعلياً في المعتقلات. فهمت أن من تذوق طعم الحرية في المظاهرات أو في المناطق المحررة لا يمكنه أن يعود إلى العبودية مرة أخرى. فهمت أن الثورة ليست مظاهرة عابرة، ولا هي صراع على مكاسب هنا وهناك، إنها مسألة وجود، إما نحن أو الأسدية، لا يوجد خيارات أخرى، لأن الأسدية أعلنت: الأسد أو نحرق البلد. وها هي أحرقت البلد، لكننا عزمنا أن لا نبقيه، فلم يعد لدينا ما نخسره فلماذا نتوقف؟

عندما يتوقف القصف يترك الثوار السلاح

من صفحة فؤاد حلاق: المهندس ملهم العكيدي، قائد في الجيش الحر ترك السلاح ونزل إلى المظاهرات مع رفاقه

قابلت في المعتقل العديد من الثوار الذين حملوا السلاح. لم يكونوا يتحدثون كثيراً عن ذكرياتهم في زمن السلاح، بل غالباً كانت متعة الحديث والتفاخر في أيام المظاهرات السلمية. الثورة والمقاومة ضد الظلم حق أصيل للبشر. السلاح وسيلة وليس غاية، إنه وسيلة عند أغلب الذين حملوا السلاح عندما أغلقت كل السبل في وجههم. ابتسمت عندما رأيت أحد القادة الميدانيين في إحدى صور المظاهرات اليوم، لقد ألقى سلاحه وخرج وغنى مع المتظاهرين وهتف للحرية. هذا حدث ببساطة عندما توقف إطلاق النار نسبياً، فلا حاجة للسلاح عندما يتوقف النظام السوري وحلفاؤه عن قتل السوريين. بالتأكيد لن يلقي الجميع السلاح في حال الاتفاق على حل ما، لكن الحل العادل الذي يبدأ بوقف قتل السوريين وإطلاق سراح المعتقلين هو نصف الطريق.

قبل بضعة أيام، سألني رجل ألماني خمسيني عن سوريا. كان منفتحاً ويسأل بغرض المعرفة على خلاف من يسأل ليواجهك في النهاية بمجموعة من الأفكار النمطية حول الثورة السورية والإرهاب والمسلمين. قال لي أن الإعلام يقول ما يريدنا أن نصدقه، وسألني عن البديل عن النظام. أخبرته عن بذور الإدارات المدنية في المناطق المحررة، وعن التجارب الديمقراطية الناشئة في أكثر من منطقة. وسألته: برأيك كيف يعيش الناس في تلك المناطق تحت القصف والبراميل المتفجرة؟ كيف يستطيعون تأمين الخدمات الأساسية ومن يدير المدارس؟ أخبرته بمدى فخري بالسوريين وبهذه الثورة، لأن ما يفعله السوريون الآن بحد ذاته معجزة ولك أن تتخيل ما يمكن أن يفعلونه لو توقف القصف. اليوم يمكنني أن أريه ما يمكن أن يفعلوه!

الثورة مستمرة

جوبر- ريف دمشق، 4-آذار-2016

إن السؤال عن بديل لنظام الأسد، إن كان بحسن نية، فهو يستبطن تعالياً ومواقف مسبقة تشكك بقدرة السوريين على إنتاج نظام حكم يناسبهم. كما أنه لا أخلاقي بطبيعة الحال. فهو، من حيث النتيجة على الأقل، يقبل مضطراً باستمرار قتل السوريين لعدم وجود البديل. وقد يكون السؤال عن البديل هو عديم الرغبة بتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن المأساة السورية التي يسببها نظام الأسد. أما إن كان بخبث كما يفعل معظم السياسيون، وكثير من الصحفيين، فالهدف منه استمرار الصراع بذريعة عدم وجود البديل. طرح بشار الأسد السؤال على الصحفيين مراراً: ماذا سنستفيد إن قصفنا المستشفيات والمدارس؟ لقد أدرك النظام السوري هذه الحقيقة منذ الأيام الأولى للثورة، فاعتقل الناشطين المدنيين الفاعلين في الثورة حتى منتصف عام 2012. وبعد أن تسلحت الثورة، كان همه عدم السماح لنضوج أي فعل مدني قد يشكل بديلاً عنه أمام المجتمع الدولي. ومن البديهي أن أي إدارة مدنية بديلة قد تنضج لتتحول إلى بديل سياسي حقيقي، سوف تبدأ بتأمين الخدمات الصحية والتعليم والشؤون المدنية للسكان.

هذه الثورة لا تشبه شيئاً، إنها ملحمة، بل هي التجسيد التاريخي لأسطورة طائر الفينيق الذي عاد من تحت الرماد. لا نعلم مما تخفيه لنا الأيام القادمة. ربما تكون، وعلى الأرجح ستكون، أسوأ مما شهدناه حتى الآن. لكن ما تعلمناه اليوم أن الثورة ستستمر. قد لا تستطيع تحقيق أهدافها، لكن ما أنا متأكد منه أن في انتصارها مصلحة لكل العالم، بل هدية له مثلما كانت الثورة الفرنسية قبل أكثر من قرنين. وأنه لن ينجو أحد من التمادي في خراب سوريا. فعلى الجميع أن يفعل شيئاً لمستقبله!

قد يعجبك أيضاً...

3 تعليقات

  1. ميادة غرير قال:

    ياريت هالحكي كمان يترجم بالانكليزي وينتشر

    • حسين غرير قال:

      المقال مترجم ميدو، انقري على رابط اللغة على اليسار بيطلع النص باللغة الإنكليزية

  1. 18 مارس، 2016

    […] في الأسبوعين السابقين، وأهمها إعلان السوريين استمرار الثورة بعد أن اعتقد العالم أنها انتهت وتحولت إلى حرب أهلية […]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *