الثورة السورية: فتنتان تطلان برأسيهما

انطلق قطار الحرية ولا مجال لإيقافه مهما تمترسنا خلف منطق العقلانية والوسطية، وهذا القطار للجميع وبالجميع. فإما نلحق به جميعاً ونحدد مساره معاً بما يخدم مصالحنا المشتركة والتي هي مصلحة الوطن أو نتخلف عنه ونترك يسير ويحدد الآخرون وجهته

لم أعتقد يوماً أن اضطر للحديث بهذه الصراحة الفجة عن الفتنة الطائفية في سوريا أو أن أتحدث بمنطق المكونات والطوائف عوضاً عن منطق المواطنة الذي طالما تحدثت به. لكن الأحداث في اليومين الأخيرين بدأت تأخذ منحى خطيراً ما عاد التغاضي عنه مقبولاً.

إعلان المجابهة

التقى الرئيس الأسد وفداً من وجهاء درعا قبيل جمعة الإصرار الماضية ووعدهم أن يتظاهروا ويهتفوا بما شاؤوا ولن يحتك معهم الأمن. وهذا ما تم فعلاً يوم الجمعة بكافة أنحاء سوريا، سارت المظاهرات بشكل طبيعي ولم تسجل حالات عنف وإطلاق نار إلا في حالتين بسيطيتني لم يسقط نتيجتهما أي شهيد. وهكذا وبعد وعد الرئيس اختفت فجأة العصابات المسلحة والتزمت وعد الرئيس في هذا اليوم، أو ربما رغبت بأخذ يوم عطلة بعد عناء شهر، لا أعلم!

ألقى الرئيس خطابه التوجيهي أمام الحكومة الجديدة يوم السبت الماضي، وحدد أسس ما أراد تسويقه إلى الشعب على أنه إصلاح. سوف أتحدث في مقال لاحق عن وعود الإصلاح هذه. ما يعنينا هنا هو الوعيد الذي أطلقه الرئيس للمتظاهرين “عندما تصدر هذه الحزمة لا يعود هناك حجة لتنظيم المظاهرات في سوريا”. كانت هناك دعوات للتظاهر يوم الأحد في عيد الجلاء، واستيقظنا في هذا اليوم على خبر ضبط شاحنة محملة بالأسلحة قادمة من العراق، وأول ما قلته “الله يستر” إنهم يهيئون الشعب نفسياً لتقبل مجزرة جديدة. وهذا ما تم فعلاً ليلة الأحد بسقوط عشرات الشهداء في حمص واللاذقية وأكثر من 150 جريحاً فيما بات يعرف بالإعلام السوري على أنه مواجهات بين الأمن والجيش من جهة وبين العصابات المسلحة من جهة أخرى.

فتنة الحرية والأمن

الحق يقال أن النظام نجح، حتى هذه اللحظة على الأقل وخاصة بعد وعود الإصلاح، بتقسيم السوريين بين راغب بالحرية مهما كلفه ذلك من ثمن وبين راغب بالأمان مهما كلف ذلك من ثمن. أتابع النقاشات على الفيس بوك ووسائل الإعلام المختلفة حول ضرورة العودة إلى المنازل وترك الشارع والانتظاهر بضعة أشهر لنتبين النية بالحقيقية بالإصلاح. وبدا الانقسام واضحاً بين هاتين الفئتين. وهذا ما كنت قد حذرت منه في مقالين سابقين. ولم يعد عند دعاة الأمان والعقلانية أي قيمة لدماء الشهداء الذين سقطوا ونسوا أولئك الذين أهينت كرامتهم أشد إهانة من قبل عناصر الأمن والشبيحة في قرية البيضا، بل يريدون الخروج من الأزمة بأمان بغض النظر عما قدمه الآخرون من تضحيات، ونسوا أن وعود الإصلاح هذه ما كانوا ليحلموا بها لولا الدماء الشريفة الطاهرة التي أنارت طريق الحرية. قال لي أحدهم أن حديثي هذا هو بحد ذاته فتنة بين الطرفين وأقول لهم: إن من يقوم بالفعل هو الذي يحدث الفتنة وليس من يصف هذا الفعل! إن كنتم لا تصدقون رواية العصابات المسلحة فعار عليكم أن تتركوا إخوانكم تهدر دماءهم وتدعون العقلانية وترجيح المصلحة العامة وتتغافلوا أن الذي يرتكب هذه الجرائم هو النظام وليس المتظاهرين. كم تشدقتم وسخرتم من محور الاعتدال العربي عندما كان يصيح بالمقاومة الفلسطينية واللبناينة بأن لا تعطي ذريعة للعدو الصهيوني ليشن حربه هنا وهناك على أصحاب الحق. وها أنتم أنفسكم تلعبون دور محور الاعتدال في مواجهة آلة القتل التابعة للنظام وتتركون مواطنيكم يواجهون الرصاص بصدورهم العارية وحيدين، ولا تكتفون بذلك فقط بل تدعونهم إلى العودة إلى المنازل وكأن الدماء التي سالت هي ليست دماء أبناءهم وأطفالهم. عجبي منكم. أما أنتم الذين صدقتكم رواية العصابات المسلحة التي اختفت فجأة يوم الجمعة السابقة، فأنتم أشد نفاقاً أعزائي وأقولها لكم بكل فجاجة وصراحة لأن هذا الوقت لا يحتمل غير الصراحة. أنتم أنفسكم الذين صرختم واحتفلتم وملأت ضحكاتكم أرجاء الأرض أثناء الثورتين التونسية والمصرية وامتلأت صفحاتكم ومنازلكم وقلوبكم بأعلام هذين البلدين. أيها المنافقون، أنتم أنفسكم ضحكتم من غباء الإعلام الرسمي هناك عندما ساق قصص المؤامرات الخارجية والكنتاكي والأموال التي وزعت على المتظاهرين والمسلحين وغيرها. أنتم أنفسكم تصدقون نفس الروايات اليوم أو على الأقل تقولون لا نستطيع تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. كفاكم كذباً على أنفسهكم بالله عليكم. والحق يقال أن هذا الانقسام لا يتبع قاعدة معينة من حيث توزعه الطائفي، بل دعاة العقلانية والتروي ومصدقوا رواية العصابات المسلحة أو المشككون هم من كل الطوائف والمكونات.

الفتنة الطائفية

يتخوف الكثيرون من البعد الإسلامي الأصولي لهذه الحركة المطالبة بالحرية، ويحددون ملامح هذا البعد بانطلاق المظاهرات من المساجد أيام الجمعة، واقتصارها حتى الآن على مدن ومناطق ذات طبيعة محافظة أو حتى متشددة دينية. عمل النظام على مدى خمسة عقود على تهميش وإعدام أي اجتماع مدني سياسي، وبالتالي أصبح من شبه المستحيل أن تستطيع القوى الديمقراطية المدنية تنظيم مظاهرة ما في ساحة ما. وقام العديد من الشباب بعدة محاولات وفشلوا بذلك، لأن عناصر الأمن كانت تجهض عملية التجمع بشكل مسبق وقبل أن يستطيعوا تشكيل عدد مقبول لإطلاق أي شعار أو هتاف. فلم يعد هناك من إمكانية سوى الانطلاق من المساجد أيام الجمعة التي تتواجد فيها الحشود بشكل مسبق ولا تستطيع الأجهزة الأمنية منع هذه التجمعات أساساً. بل كل ما عليها فعله هو محاولة فضها بعد انطلاق المظاهرة. حتى اللادينيين وغيرهم اضطروا للانخراط بهذه المظاهرات لأنه لا بديل أمامهم غيرها. ولم يكن اقتصار المظاهرات على المناطق المحافظة والمعروفة بتشددها الديني سوى نتيجة لاعتكاف المتمترسين وراء مثل هذه الحجج، فغدت حجة أضافية لهم. فلو أنهم انضموا إلى هذه التجمعات التي تخرج من المساجد لرأينا أن الحركة تنتشر في مختلف المناطق ولم تقتصر على بعضها فقط. فلا تتذرعوا بحجة أنتم السبب المباشر بحصولها.

ولا ننكر، على مبدأ النعامة، أن معظم الطوائف وخاصة العلويين والمسحيين يخشون من سيطرة الإسلام الأصولي على الحكم أو تخشى من دخول المتطرفين على خط الأحداث وفتح جبهة حرب ضد هذه الطوائف، ويشمل هذا الخوف شريحة واسعة من الطائفة السنية أيضاً. ولا ننكر أيضاً أن هناك من يحاول جاهداً العبث بهذا الحراك وتجييره لمصالحه كما ذكرت عدة مرات قبل اليوم.

وفي هذا السياق، سمعنا عن ورقة وجدت في كنيسة السيدة بدمشق تهدد بتفجير الكنيسة، وسمعت من أحد الأصدقاء أن بعض الشبان في حمص مروا من منطقة الحميدية ذات الأغلبية المسيحية وهتفوا بـ “هي إلى الجهاد” و “أين النخوة ياشباب” على اعتبار أنها رسالة موجهة للمسيحيين الذين لم ينضموا إلى المظاهرات بعد. وقام النظام بدمشق بفرز عناصر من الشرطة لحراسة بعض الكنائس (ولا أعلم إن كان هذا الإجراء عاماً في المدن السورية) ويريد النظام بذلك أن يوحي أنه يقوم بحماية المسيحيين وأنهم سوف يضيعون بدونه. وهذا ما يفعله عادة في حلب أثناء احتفالات الكنيسة هناك، حتى زرعت هذه الفكرة في لا وعي المسيحيين دون وجود أي مبرر لذلك. فلم يسبق أن تم الاعتداء على الكنائس في سوريا!

ولا أخفي أن بعض العلويين انتابهم الخوف بعد انتشار الفيديو الذي يظهر عناصر الأمن والشبيحة تقوم بإهانة سكان قرية البيضا وخاصة أن اللهجة التي ظهرت هي لهجتهم. وخوفهم انطلق أن يعتقد الآخرون أن العلويين كطائفة موالون للنظام ومؤيدون لهذا القمع الوحشي وأنهم جزء منه. لكن معظم الناس تعلم أن هؤلاء لا يمثلون سوى أنفسهم، ويعلمون أن كل فئة من الناس يوجد بها من هو قابل للتجييش والتجنيد للقتل المأجور، ولكنا يعلم طبيعة هؤلاء الشبيحة الذين عانى منهم أهلهم قبل أن يعاني منهم الآخرين. ولا أشك لحظة واحدة أن النظام يتعمد أن يأتي بهؤلاء من الطائفية العلوية حصرياً ليحاول بث الفتنة بين الناس.

ظهرت بعض الأصوات الطائفية هنا وهناك ولا مجال للاختباء وراء الإصبع، لكن المتابع لحركة المظاهرات يستطيع التأكد أنها سلمية، وتنادي بالوحدة الوطنية، ولا تفرق بين مسلم ومسيحي ولا بين طائفة وأخرى. ولم نعهد طيلة السينين التي عشناها معاً مثل هذا التفريق والخوف من الآخر هنا في سوريا. تاريخنا أكبر من ذلك بكثير، وهذا الوعي نجده واضحاً عند الشباب خاصة. وربما (أقول ربما) هتاف ذلك الشاب بالجهاد لا يكون له أي معنى ديني جهادي بالمعنى الضيق للكلمة، بل ربما تكون دعوى للكفاح في سبيل الحرية ولغته لم تساعده إلا بإطلاق هذه الكلمة. وربما يكون متطرفاً أيضاً لكنه لا يمثل سوى نفسه وشريحة قليلة جداً في هذا الحراك الكبير.

كل هذه المخاوف مفهومة ولا يلام عليها أحد حتى هذه اللحظة. لكن المهم في هذه النقطة أن نذكر الجميع أن الاتكاء على وعي الناس لا يكفي، بل يجب تحصين هذا الوعي بوحدة وطنية حقيقية تركب قطار الحرية. الاستمرار بالانطواء والخوف والنأي بالنفس عن حركة التحرر سوف يسمح للمتطرفين فعلاً بإقناع المتظاهرين بأن الجميع ترككم وحدكم في مواجهة آلة القتل. فإن كان كل واحد منكم مقتنع حقاً بمطالب الحرية والكرامة فلا يجب أن يتأخر عن الانضمام قبل فوات الأوان. وسوف يكون الجميع حينها ودون استثناء مسؤولاً عن أي انحراف في مسار الثورة باتجاه لا يسر أحداً.

كلمة لا بد منها في الختام: ليس النظام هو من حافظ على الوحدة الوطنية، إن لم نقل أنه عمل جاهداً على بث الفرقة بين المواطنين فهو على الأقل ليس له الفضل بما نحن عليه. هذا هو تاريخنا،لم يكن النظام موجوداً عندما حرر رموز الثورة السورية من كل الطوائف وطننا من الاستعمار الفرنسي. ولم يكن النظام موجوداً عندما كان فارس خوري رئيساً للوزراء ولم يفكر السوريون أنه مسيحي بل فكروا أنه وطني يخدم وطنه. نحن السوريين هكذا فلا منة للنظام علينا بذلك. فليكف عن الإيحاء لنا “إما أنا أو الفتنة” أو الإيحاء لنا “إما أنا أو القمع” وليكف أيضاً بعض أقطاب المعارضة الذين يقولون “إما سقوط النظام أو الفوضى”.

نشرت هذا المقال أساساً على موقع المندسة

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *