الثورة السورية:حوارية حول الانحياز للوطن

أريد هنا فتح نقاش جدي حول معنى  مقولة “الانحياز للوطن” التي رددها العديد من المدونين وأصحاب الرأي. وأتساءل هنا عما تقتضيه هذه المقولة  من مواقف وأفعال تعد تطبيقاً عملياً لها. تحدثت مدونة ندفة ثلج عن الانقسامات التي حصلت بين من تعرفهم، وعددتها في ثلاث فئات: مع النظام، وضد النظام، والذين وقفوا على الحياد واختاروا الوطن فوق كل اعتبار. وأعلن بعد ذلك باسل ميهوب في مدونة خارج الزمكان انضمامه إلى الفئة الثالثة ووضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة. قبل الخوض في مقولة “الانحياز للوطن”، أريد أن أستوضح من ندفة ثلج عن الفئة الثانية. إن كانت تعني بها المعارضة السورية التقليدية، فأعتقد أن هناك شرائح واسعة من الشعب السوري لا تقف بصفها ولا تستمع لها. وكانت مدونتي هذه من بين المنابر التي وقفت ضد أسلوب عملها أو ضد بعض مرتاتديها. فمنهم المتسلق طالب السلطة الذي يريد التسلق على آمال الشعب ومنهم من أثبت عجزه عن الفعل. وقد قال لي أحد المفكرين السوريين قبل فترة أن اليوم هو دوركم أنتم الشباب، فنحن لانستطيع تقديم شيء لكم، فجيلنا مليء بالعقد الآيديولوجية والإقصائية ناهيك عن ما سببته أعوام طويلة من السجن. أنتم اختاروا الطريق وسيروا به، الوطن يعتمد عليكم الآن. أما إن كانت الفئة الثانية تعني من يرفض ممارسات النظام قبل بدء المظاهرات أو بعدها. فلا أدري ما العيب في ذلك. وهل إن رفض أحدنا هذه الممارسات لا يكون قد “انحاز للوطن”؟ وخاصة بعد سقوط الشهداء عندما خرجوا إلى الشارع ليطالبوا بمطالبهم المشروعة!

أيضاً أعرج إلى مسألة قدسية حياة الإنسان التي أثارها باسل في مقدمة مقاله. وأقول أن هناك مستويين لقدسية حياة الإنسان، فمن وجهة نظر الآخر يجب أن تكون في أعلى المراتب، أي لا يجوز إزهاق روح بريئة مهما كانت الأسباب والحجج. أما المستوى الثاني فهو الوعي الذاتي للإنسان، أي موقع هذه القدسية أمام مبادئ الإنسان ذاتها. فمن وجهة نظر كل من خرج وما زال يخرج في المظاهرات حتى هذه اللحظة وهو يعلم أنه مرشح ليكون الشهيد التالي لا يتفق مع باسل في الرأي. أعتقد أن هذا الشخص قد وضع حريته في مرتبة أعلى قدسية من حياته، وربما اعتبر (كما أعتبر أنا شخصياً) أن قدسية مستقبل ابني هي أعلى مرتبة من قدسية حياتي التي أنا مستعد لبذلها في سبيل تأمين حياة كريمة ومستقبل حر لطفلي في وطنه لا في المغتربات.

أدخل الآن في صلب الموضوع وهو مقولة “الانحياز للوطن”. هذه المقولة فضفاضة جداً ولا تحمل في طياتها شيئاً جديداً. يمكن لأي كان أن يتبناها بكل بساطة ويكون موقفه مختلفاً تماماً عن موقف الآخر. عندما قام النظام بخطف الشأن العام طيلة عقود وزج في سجونه كل من سولت له نفسه إبداء رأيه من كافة التيارات الفكرية والسياسية، كان يدعي أنه ينحاز للوطن. من يلعب على حبال الطائفية ويريد أن يظهر أن مشكلتنا هي إيران يدعي أيضاً انحيازه للوطن. من يستقوي بالجهات الخارجية يدعي أنه يتحالف مع الشيطات في سبيل الوطن. ومن يقوم  باعتقال وضرب المتظاهرين (رأيت ذلك بعيني) وقتلهم بالرصاص الحي،  يقول أيضاً أنه ينحاز للوطن. كلنا نقول ببساطة أننا ننحاز للوطن.

لكن السؤال الأهم، ما هي نتيجة هذا الإنحياز؟ وماذا يترتب على هذا الانحياز؟ الشيطان يكمن عادة في التفاصيل، فما هو تعريف كل أحد منا للانحياز للوطن، وما هي المواقف (برأي كل منحاز للوطن) التي تعبر عن معنى انحيازه الذي يراه صحيحاً برأيه؟

لا أعتقد أن مناشدة  الأصدقاء بضبط النفس ومناشدة السلطة بتحقيق الإصلاحات خلال فترة معينة يعبر عن موقف يشرح معنى الانحياز للوطن. لا أقول أنه ليس انحياز للوطن، بل أكرر لا يشرح معنى هذا الانحياز. فهذا الموقف غير متوازن، لأن الطلب هنا موجه إلى طرفين غير متكافئين في القوة وتحملهما نفس المسؤولية في نتيجة الأحداث المؤسفة التي تجري الآن. السلطة هي التي دفعت المتظاهرين إلى الخروج بعد أن رفضت الاستماع والانصات إلى شعبها وإلى كافة الإشارات التي أرسلت لها. والسلطة هي صاحبة القوة مقابل شعب أعزل. لا أفهم معنى مناشدة المتظاهرين بضبط النفس! طبعاً من واجبنا أن نشدد ونكرر دائماً أن العنف مرفوض من قبل المتظاهرين. لكن أن نحملهم جزء من المسؤولية فهذا ظلم كبير لهم بعد أن تعرضوا لكل أنواع القمع الوحشي خلال الأيام القليلة الماضية. إن كانت هناك مناشدة فيجب أن توجه إلى السلطة والسلطة فقط، لأنها هي التي تمسك بزمام الأمور حتى هذه اللحظة ويمكنها (نظرياً على الأقل) الإقدام على إصلاحات حقيقية تلاقي مطالب الشعب.

أخالف باسل الرأي تماماً في مسألة هشاشة التوازنات الطائفية. صحيح أن هذه التوازنات موجودة منذ فجر الاستقلال، إلا أن النظام لم يكتف فقط بعدم تعزيزي الهوية الوطنية، بل عمل جاهداً على تعزيز التفرقة بين الطوائف والقبائل والأعراق، على مبدأ فرق تسد ببساطة. ومن الظلم مرة أخرى أن نحمل الشعب المسؤولية بقولنا بأنه غير مستعد. ومثالك عن القرضاوي هو مأخذ على السلطة وليس على الشعب. فعندما تمنع كل أشكال التفكير وتتحالف مع الطبقة الدينية فلا بد أن ينكفأ المواطن على نفسه ويتمترس خلف انتماءات خاصة. ومن البديهي أن ما نراه من تجييش طائفي وقبلي على امتداد العالم العربي ما هو سوى نتيجة مباشرة لفشل مشروع الدولة الوطنية على أيدي الأنظمة الديكتاتورية.

أما بالنسبة للحقيقة فهي لا تضيع أبداً ولا تكون ضحية إلا إن لم نشأ أن نراه، أو امتلكنا الذعر وأربكنا ولم نعد نستطيع الرؤيا جيداً. هناك ثلاث روايات للقصة وليست روايتان. الأولى هي الرواية الرسمية، وهي ليست مجرد رواية بل هي محاولة إخراج فيلم كامل. هل أذكركم بأن العادلي وزير الداخلية المصري السابق كان مسؤولاً عن تفجير كنيسة الإسكندرية لبث الفتنة الطائفية؟ أم أذكركم بنهب وحرق المتحف الوطني في مصر أثناء الثورة من قبل بلطجية النظام؟ أم أذكركم بخطة العادلي لإجهاد الثورة المصرية من خلال إثارة الفوضى وجعل الشعب ينقلب على المتظاهرين؟ أما الرواية الثانية فهي رواية العديد من الجهات التي تأخذ الحقيقية وتضيف وتنقص منها ما تشاء بحسب رؤيتها أو أجندتها الخاصة. أما الرواية الثالثة فهي الحقيقة، هي رواية الشارع، هي ما نشاهده من فيديوها كل ساعة عن المتظاهرين وعن قتلهم بالرصاص الحي. سوف يشوب ما يصلنا الكثير من الشوائب بكل تأكيد، لكن باستطاعتنا تمييز ما هو حقيقي وما هو مزيف وما هو أقرب إلى الحقيقية.

هذا ما تريده السلطة تماماً، كما فعلوا في تونس ومصر سابقاً، أن يثيروا الفوضى والرعب في قلوب المواطنين ليبثوا الشكوك فيما بينهم. فيتهم بعضهم بعضاً بالتسبب بكل هذا، وننسى أن السلطة هي من فعل. أرجو أن نكون قد تعلمنا من درسي تونس ومصر. آخر ما كنت أتوقعه أن يشكك المدونون وأصحاب الرأي بنية السلطة وقدرتها على إحداث الفوضى لبث الفرقة بين الناس كما فعل غيرها قبل فترة مازلنا قادرين على تذكر تفاصيلها.

الإنحياز لا يكون بمساواة الجلاد بالضحية، ولا يكون برفضهما معاً، فهذه أسهل الحلول والتي لا تنتج سوى كلمات وفقط كلمات. مع كل الاحترام بكل تأكيد

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *