الإخوان المسلمون: بين البرنامج السياسي والأهداف

وردت بعض التعليقات حول مقالي الأخير “في المعارضة السورية“، منها كانت مؤيدة ومنها ناقدة. في أي عمل نقوم به نحن بحاجة للتأييد لتغذية الدافع الداخلي لدينا لتقديم المزيد لأنفسنا وللآخرين، كما نحن بحاجة للنقد أيضاً وبنفس الدرجة كمحرض لإعادة التقييم والمراجعة الذاتية. وهذا فعلاً ما حدث معي عندما استفزني فكرياً أحد المعلقين، مشكوراً، طالباً مني قراءة البرنامج السياسي للأخوان المسلمين وفعلاً حفزني ذلك على إعادة قراءة البرنامج السياسي للإخوان المسلمين وبعضاً من أدبياتهم. لكن قبل الخوض في الرد، أريد أن أسجل هنا اعتراضي على طريقة نقد البعض. فإما يتهمك بجهل الآخر أو بأنك تحتكر الوطنية لنفسك وتمنعها عن الآخرين.

ورد في مقالي عن الإخوان المسلمين: ورغم تأكيدات جماعة الإخوان المسلمين المتكررة على تبنيهم الديمقراطية كخيار وطني، إلا أننا لم نلاحظ اعترافاً واضحاً من قبلهم بأخطاء الماضي ولم نلاحظ أيضاً في أدبياتهم المختلفة أن الديمقراطية والمواطنة أصبحت من صلب بنيتهم الثقافية والأيديولوجية.

أريد هنا أن أميز بين البرنامج السياسي والأدبيات، أي البنية الثقافية. حيث أني أفهم أن البرنامج السياسي هو مجموعة من الخطوات التكتيكية التي سوف يتم اتباعها خلال مرحلة معينة للوصول إلى هدف محدد. أما الأدبيات فهي تعبر عن الأهداف والحقيقية وعن المعتقدات أو الأيديولوجية.

يركز البرنامج السياسي للإخوان المسلمين على الديمقراطية والحقوق المدنية…الخ. ولا أعتقد أن ذلك يخرج عن كونه خطوة في برنامج سياسي لتحقيق الغاية النهائية التي نراها بوضوح في أدبيات الإخوان المسلمين والتي جاءت دون مواربة في مجموعة الحلقات المخصصة للتعريف بجماعة الإخوان المسلمين.

المهم لدينا هنا هو فكر الإخوان المسلمون، والذي نجده مختصراً على موقعهم الرسمي:

وتعرّض المسلمون بعدها إلى هجمات متتالية سياسية وعسكرية وثقافية، وظهرت فيهم دعوات غريبة علمانية، تأخذ صوراً شتّى، تتصادم مع الإسلام، وقد تلتقي معه التقاء عَرَضياً، كدعوات القوميات العربية والطورانية والفرعونية، ودعوات تحرير المرأة والتحدث بالعاميّة، والكتابة بالحرف اللاتيني، ونبذ القيم والعادات المرتبطة بالإسلام، وإتاحة الفرصة للعلمانيين والمتحلّلين لكي يبلغوا أعلى المناصب السياسية والعسكرية والاقتصاديّة، والتضييق على المسلمين المتمسّكين واضطهادهم، ونشر الموبقات وحمايتها كالرّبا والزّنى.. (1)

هل وصف العلمانيين (أو أياً من شرائح المجتمع) بالمتحللين أو وضعهم في نفس الخانة دليل على أن الديمقراطية خيار حقيقي يسعون لتحقيقه، أم أنه مجرد وسيلة؟

إن الإخوان سيستخدمون القوة حيث لا يُجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدّة الإيمان والوحدة، وسيكونون شرفاء وصرحاء وسينذرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك ثم يُقدمون في عزّة وكرامة، ويتحمّلون نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.

قد يكون مفهوماً أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله، وتنفيذاً لأحكامه. أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد، والتشريع الفعلي في واد، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفّرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف.
والإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمّة من يستعد لحمل هذا العبء والحكم بمنهاج قرآني فهُمْ جنوده وأنصاره، وإن لم يجدوا فالحكم من مناهجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفّذ أوامر الله. وإنه لابدّ من أن يسبق إقامة الحكم نشر لمبادئ الإسلام…(2)

أين الديمقراطية والمواطنة والحقوق المدنية في ذلك؟ فإما أن يكون الحكم وفق التشريع الإسلامي وإلا فاستخدام القوة مباح بل هو واجب لاستخلاص قوة التنفيذ من الحاكم. وكل حكومة لا تكون على مقاسهم فسوف ينقلبون عليها بقوة السلاح، ولا يمنعهم عن ذلك في أي مرحلة من المراحل سوى استكمال العدة.

لست أناقش هنا موضوع الدولة الدينية أو المدنية، ولكن يجب أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: لو افترضنا أننا قبلنا بدولة دينية إسلامية تحكم وفق الشريعة، فأي شريعة بالضبط؟ ألا نتفق أن لكل مذهب أو جماعة فهمها وتفسيرها الخاص حول الإسلام وتشريعاته حتى لو كانت تنتمي إلى نفس الطائفة؟ تصوروا معي أن كلاً منها سوف تستخلص الحكم بالقوة إن لم تجد أن الحاكم يحكم وفق الشريعة، وبالتالي وفق فهمها هي لتلك الشريعة! لن نجد أنفسنا إلا ونحن نخوض غمار حروب أهلية لا تنتهي تتنافس فيها الجماعات الإسلامية على استلام زمام الحكم لتحقيق غايات خلافة الإنسان لله على الأرض (كل وفق مفهومه مرة أخرى لهذه الخلافة ولأساليب تحقيقها)

أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدّم الصحابة رضوان الله عليهم النّظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم.
والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. والإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم ـ مع ذلك ـ يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية…(2)

إذاً الخلافة هي الهدف الأساسي وفي رأس المنهاج، وليست الديمقراطية المذكورة في البرنامج السياسي سوى وسيلة ليصلوا بها إلى السلطة، وعندها لكل حادث حديث.

ومن الخطوات التمهيدية لتحقيق أهداف الإخوان المسلمين:

4- وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي.
5-
وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، منفّذة لأحكام الإسلام وتعاليمه.
6-
وإعادة الكيان الدولي للأمّة الإسلامية: بتحرير أوطانها وإحياء مجدها، وتقريب ثقافتها، وجمع كلمتها، حتّى يؤدّي ذلك كلها إلى إعادة الخلافة المفقودة، والوحدة المنشودة..(2)

لندقق هنا في البند الرابع. لو أن الجملة انتهت عن كلمة أجبني لاحترمت هذا البند. لكن إتباعها بـ “غير إسلامي” ما هي إلا إعادة تعريف لما يقصدونه بالأجنبي، أي هو من منظورهم كل غير مسلم! أي أنهم يعتبروني أجنبي لأني غير مسلم، وهذا بالنتيجة انتزاع المواطنة السورية مني، وهذا ما لا يقبل به أحد على الإطلاق ولن نسمح به أن يحدث. فإما أن يقبلوا بأننا جميعاً مواطنون سوريون متساوون في الحقوق والواجبات في ظل قانون لا يفرق بين مسلم وآخر غير مسلم حتى لو كان ملحداً، وإما فليبحثوا لأنفسهم عن مكان آخر يجدون فيه مواطنين على مقاسهم. لنكن جميعاً مواطنون تحت سقف هذا الوطن ولا يحاول أحدنا فرض قوانينه على الآخرين. ليكن قانوننا الأول هو احترام حرية الآخر في الاعتقاد والتعبير، ليس في الشكل والقول فقط بل في المضمون والعمل أيضاً. أي في ظل قانون يضع الجميع في ميزان واحد دون النظر إلى دين أو عرق جنس. لا يمكن أن نكون أمة يوماً ما طالما نسمح حلولاً شعاراتية من مثل: الإسلام هو الحل، العلمانية هي الحل، الليبرالية هي الحل. لن نكون أمة حتى نحترم التعددية والاختلاف ونعمق قناعاتنا بأن احترام الآخر هو مفتاح لحريتنا.

لست ضد الإخوان المسلمين بذاتهم، لكن ضد هذا الانفصام الذي يعانون منه بين القول والممارسة، بين النظرية والبرنامج السياسي. لا أمانع بأن يصل حزب إسلامي أو ذو خلفية إسلامية إلى السلطة (بعد احترام مبدأ تداول السلطة) ويحاول تطبيق رؤيته للحياة والعلاقات الاجتماعية والأخلاق من منظور إسلامي. ولكن لن أقبل أن يتم فرض الشرائع علي كما جاء في تعريفهم هم بجماعتهم.

1) التعريف بجماعة الأخوان المسلمينالحلقة الأولى.

2) التعريف بجماعة الأخوان المسلمينالحلقة الثانية.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *