إنجاز فريق راديو روزنة لمصلحة الجميع

دخل فريق عمل راديو روزنة في غازي عنتاب إضراباً عن العمل غير معلن عند الساعة الثالثة بعد ظهر الثلاثاء ١٠-كانون الأول، وذلك على إثر تلقيهم إخطاراً من إدارة الراديو بتحويل رواتبهم إلى العملة التركية بدلاً من الدولار وبأثر رجعي، ما يسبب بخفض الرواتب فعلياً. وبحسب المؤتمر الصحفي الذي عقده فريق العمل في اليوم التالي فإن خفض الرواتب غير المباشر كان بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، خاصة بعد تكرار مطالباتهم بقوننة عملمهم وبمزيد من الشفافية والوضوح فيما يتعلق بحقوق وواجبات كل طرف. إلا أن إدارة روزنة أرسلت من خلال البريد الإلكتروني قراراً يعتبر كل من لا يلتحق بالعمل فوراً بحكم المفصول، الأمر الذي نفته إدارة الراديو لاحقاً في بيانها. بعد هذه الرسالة قرر الفريق إخراج إضرابهم عن العمل إلى العلن وعدم إبقائه داخل غرف المؤسسة.

في ١٥-كانون الأول عقد فريق العمل مع إدارة روزنة بحضور السيد محمد الهاني ممثلاً عن مجلس أمناء روزنة والسيد ابراهيم حسين مثلاً عن المركز السوري للحريات الصحفية التابع لرابطة الصحفيين السوريين. انتهت المفاوضات في نفس اليوم وأعلن الفريقين في بيان نشر على موقع روزنة توصلهما لاتفاق يرضي الطرفين. وكان من أهم ما تم الاتفاق عليه هو تنظيم عقود عمل قانونية لكل الموظفين في غازي عنتاب توضح فيها حقوق وواجبات كل طرف، وتوثيق مهام الموظفين بشكل واضح، ووضع مدونة سلوك. كما تضمن الاتفاق العديد من البنود الأخرى منها العودة عن قرار خفض رواتب الموظفين.

كشف إضراب فريق روزنة العديد من المشكلات التي تكتنف عمل المنظمات السورية وخاصة الإعلامية منها. تلك المشكلات لم تكن بجديدة، فقد كانت محور العديد من أحاديث النشطاء خلال السنوات الماضية. إلا أن الفارق اليوم أنها تكثفت جميعها في حالة واحدة عيانية وظهرت على الفضاء العام في زمن نعاني منه من الإنكسارات على مختلف المستويات.

أبدأ أولاً من تفاعل السوريين المؤيدين للثورة مع المسألة، فقد تضامن قسم منهم مع الفريق المضرب، وآخرون رفضوا التضامن لأن الفريق جزء من الخط غير الثوري أو الرمادي الذي ينتهجه راديو روزنة. إن المعايير التي استخدمت للحكم على القضية إن كانت محقة أو لا ارتبطت بالشخصيات نفسها وليس بسياق الصراع/القضية. قد يكون مهماً في كثير من الأحيان التدقيق في أطراف القضية للبحث في تاريخ كل منها واحتمالية صدقه أو كذبه فيما يدعيه، إلا أن الحكم المسبق بناءً على اتجاهات صاحب القضية فهي مسألة أخرى. إن كنا لا نساند، في قضايا المطالبة في الحقوق، إلا من يشبهنا فكيف يحق لنا مطالبة من لا يشبهنا بمساندة حقنا؟

لقد أصبح الخطاب المعادي أو المشكك أو المهمل لمصالح الـ “رماديين” ممجوجاً فعلاً، وكأننا لم نتعلم الدروس بعد ست سنوات. لقد دأبنا منذ ست سنوات، بل منذ عقود، على الخسارة المجانية. نخسر دائماً لبنات كان بإمكاننا، وبكلفة بسيطة، المساهمة في وضعها في مكانها ضمن هذا البناء/الحلم الكبير الذي نكرس أنفسنا من أجله. راديو روزنة واحد من تلك اللبنات، اتفق لونها مع لوننا أم لم يتفق، شأنه شأن معظم المنظمات. ليس لأنه أو لأن غيره يقدم خدمة للسوريين، فهذا نقاش آخر، بل لأن ثقافة العمل وثقافة المؤسسة وثقافة الحقوق والشفافية والحرية هي ما تعنينا بالدرجة الأولى. فعندما نساعد هذه الثقافة على النمو في المؤسسات فإنها على الأرجح سوف تثمر خدمات حقيقية للسوريين بيد السوريين.

ثانياً، بغض النظر عن النتائج الإيجابية التي تم التوصل إليها في المفاوضات، تفتح ملف حماية الصحفيين/المواطنين الصحفيين. تحت ضغط الحاجة لإيصال صوت الثورة إلى العالم في بداية الثورة السورية، وتحت ضغط الحاجة إلى العمل لاحقاً، اضطر عشرات الصحفيين والمواطنين الصحفيين للعمل بشروط مجحفة. ففي الغالب هم محرومون من كافة حقوقهم ما عدا ما تمنحه الوسيلة الإعلامية التي يعملون لصالحها. يعمل غالبهم دون عقود عمل، وبالتالي هم معرضون لانتهاك أبسط حقوقهم بدءً من الطرد التعسفي مروراً بالأوامر التعسفية الخارجة عن توصيفهم المهني، الذي يكون شفهياً غالباً، وصولاً إلى إنكار حقوقهم المالية كما يحدث لبعض صحفيي وسيلة إعلامية سورية منذ عام تقريباً. ومن هذه الناحية فإن هذه الإشكالية يتساوى الصحفيون مع بقية موظفي المنظمات السورية إلى حد بعيد.

لكن الأخطر من ذلك، فإن عدم قوننة عمل الصحفيين ينزع عنهم القدرة على المطالبة بحماية إضافية من قبل السلطات أو إدارة المؤسسات التي يعملون لديها. فمن بين كل السوريين في تركيا، على سبيل المثال، اغتال تنظيم داعش الإرهابي كلاً من الصحفي ناجي الجرف والناشط الإعلامي ابراهيم عبد القادر وصديقه فارس حمادي. ونحن نعلم أن الصحفيين من بين الأهداف المفضلة للنظام، حتى الفصائل المقاتلة لم تتوان عن تهديد الصحفيين وخطفهم، بالإضافة إلى الإعتداء على المؤسسات الإعلامية مثل راديو فريش في كفرنبل وراديو آرتا في الحسكة. قد تكون إمكانية تأمين حماية كاملة للصحفيين مهمة مستحيلة، لكن يقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والمعنية بالإعلام مساعدة الصحفيين على التخفيف من احتمال تعرضهم للخطر، وحشد الرأي العام، على أقل تقدير، عند تعرضهم للأخطار. وكل ذلك لا يمكن تحقيقه إلا إن تحولت العلاقة بين المؤسسة الإعلامية والصحفي إلى علاقة قانونية معترف بها، وتالياً زيادة فاعلية الصحفيين في مناصرة قضايا زملائهم.

ثالثاً، في دور مجلس الأمناء في المنظمات.ببحث بسيط عن مهام مجلس الأمناء أو  Board of Trustees في المنظمات غير الربحية أو في أي نوع من المؤسسات، نجد أن أولى مهامه صياغة رسالة المنظمة وأهدافها ومبادئها ومراقبة العمل فيها من كل النواحي الإدارية والمالية وغيرها. كما يعين أو ينتخب المجلس المدير التنفيذي للمنظمة. باختصار شديد، ولمن يريد الاستزادة فليبحث في غوغل عن “role of board of trustees in ngos”.  قال فريق روزنة المضرب عن العمل في مؤتمره الصحفي أنهم لا يعلمون من هم أعضاء مجلس الأمناء في المؤسسة، قد يكون هذا تقصيراً من الفريق نفسه، أو تقصيراً من المجلس نفسه أو كليهما معاً لكن لا يلغي حقيقة أن دور مجلس الأمناء معطل. والحقيقة أن هذه هي حال معظم المنظمات السورية. غالباً ما يقوم صاحب مشروع المنظمة، كذا، بالحصول على موافقة بعض الأسماء المعروفة من معارفه الشخصيين ليشكلوا معاً مجلس الأمناء، لأن وجود هذا المجلس شرط للحصول على التمويل ليس إلا. والوضع مقلوب في المنظمات السورية، حيث إن المدير التنفيذي هو من يعين فعلياً مجلس الأمناء، ولا دور لهم في سير عمل المؤسسة وقد لا يعلمون ما يحدث فيها. وللتعمق في الحقائق أكثر، فإن الممولين يعلمون أن مجلس الأمناء شكلي على الورق فقط!

بكل الأحوال، فقد كان الاتفاق إنجازاً، على عدة مستويات، رغم اختلافي مع الخط العام لراديو روزنة. أولاً كان إنجاز لفريق عمل غازي عنتاب الذي أثبت انضباطه وتماسكه وحكمته في التعاطي مع القضية. وحقيقة فقد تعامل مع القضية ليست بوصفها قضية خاصة بالفريق فقط، بل وضع بعين الاعتبار أيضاً أنها قضية تمس كل الصحفيين السوريين وكل موظفي المنظمات السورية. كذلك لا نستطيع أن نبخس الإدارة حقها، فهي لم تماطل ولم تناور في إقرار حقوق الفريق. كما أن مجلس الأمناء اضطلع بدوره ولم ينحز إلى طرف على حساب الآخر. رغم أن المطلوب دائماً أكثر، إلا أن هذا يؤهل روزنة لتخطو خطواتها الواثقة تجاه العمل المؤسسي النابع من إرادتها. ولا يجب أن نغفل دور المركز السوري للحريات التابع لرابطة الصحفيين السوريين، الذي أرسل مندوباً عنه لحضور المفاوضات وكان وسيطاً نزيهاً ومؤهلاً.

إنه إنجاز في زمن الانكسارات، لكنه ليس بالإنجاز الصغير إن بني عليه وتعلم الجميع الدروس منه، موظفين وإدارات في المنظمات، عسى أن تتحول إلى مؤسسات لتدوم طويلاً.

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *