إذا السوريون أرادوا الحياة يوماً

هي الحياة هكذا، أخطاء وهموم واختلاف وخلاف وصراعات ونضالات من أجل غد أفضل يحيى فيه الإنسان بكرامة وحرية. المهم دائماً في سعينا للقاء هذا الغد أن نتعلم الدروس من أخطائنا ونجاحاتنا وانتصاراتنا مهما كانت صغيرة، فالكأس تُملأ قطرة بعد قطرة.

ليس لدينا أوهام أن إلغاء مشروع قانون الأحوال الشخصية الظلامي* هو انتصار ما بعده انتصار لهذا الحراك الاجتماعي لسوريات وسوريين قرروا أخيراً أن يقول أحد ما “لا” حقيقية.
رغم كل منظمات حقوق الإنسان وأحلاف المعارضة وأحزابها ومستقليها الموجودين في سوريا، لا نستطيع أن نقول أنه كان لدينا مجتمع مدني، أما الآن وبكل فخر نقول أن هذا المجتمع المدني قد ولد قبل شهرين وحقق أولى انتصاراته الصغيرة على هذا الطريق الشاق نحو سوريا دولة القانون دولة مواطنيها. فلم نشهد قبل الآن أي حملة مدنية سلمية حقيقية ضد قرارات حكوماتنا السورية التي تعاقبت على قهر المواطن لمدة تزيد عن خمس وأربعين عاماً!

مازال هناك الكثير من التساؤلات والشكوك حول الهدف من إلغاء مشروع القانون وقبل ذلك حول اللجنة التي وضعته وما هو الهدف من إسناد مثل هذه المهمة “السرية جداً” إلى أصحاب مثل هذا الفكر الإلغائي التكفيري في سوريا! لذلك يجب ألا نستكين ونكون على يقين أنه سوف يكون هناك محاولات للالتفاف حول هذا الحراك واستيعابه لمترير مشروع القانون رغماً عن السوريين. أو ربما وراء الأكمة ما وراءها وجميع الاحتمالات مفتوحة. ولكن، وبغض النظر عما سيحدث وما هو مخطط له وما هي الخطوة التالية، يجب أن نهدأ قليلاً ونتأمل فيما حدث ونستخلص العبر، إن كنا موالين للنظام أو معارضين أو مثقفين أو مواطنين عاديين.

النظام

يجب أن يبدأ النظام منذ الآن بإعادة حساباته كلها، وأن يصل إلى قناعة أن ما من شعب على وجه الأرض رضي بالظلم والقهر إلى ما لا نهاية. يجب أن يصحو اليوم من غفلته ويعلم أنه مع بزوغ كل فجر جديد يولد مشروع تغيير في مجال ما، وأن الحلقة بدأت تكسر، وإن لم تكسر بعد، لكن العملية بدأت حقاً ولن يستطيع النظام بكل قوته وبطشه أن يقف في وجه كرة الثلج هذه. يجب أن يتعلم من دروس التاريخ أن إرادة الشعب فوق كل شيء، وأن الفرصة مواتية في هذه اللحظة ليقوم هو بالذات بقيادة ثورة حقيقية على نفسه فربما يسامحه الشعب والتاريخ.

أعلم أن هذه الكلمات تحمل من الأحلام أكثر بكثير من واقع النظام وعلاقاته البينية المؤسسة على الديكتاتورية والفساد والقمع. فلن يسمح الكثير (إن لم نشأ التعميم) من ركائر النظام ومن المتنفعين من وجوده بأي تغيير يسحب من بين أيديهم احتكار الاقتصاد والسياسية والحكم وقبل ذلك الإنسان. لكن من واجبنا أن نحذر ونسلط الضوء على الوقائع عسى أن يوجد هنا أو هناك أذن تصغي وعقل يدرك أن في هذا مصلحة الجميع ويوفر على الجميع آلاماً لا أحد يرغب باختبارها.

المعارضة

لا أعتقد أن تيارات المعارضة الحالية يمكنها أن تستفيد من هذا الحدث شيئاً، فقد فقدت الثقة في قدرتها على التعلم والفعل وقبل ذلك في أغراضها الحقيقية. لكن طبيعة الأشياء تفترض أن تياراً مثقفاً ونشيطاً، يحمل مشروعاً حقيقياً للتغيير، في طريقه إلى التشكل في السنوات القليلة القادمة، لذلك فهو المعني هنا بالتأمل في ما حدث في الأسابيع القليلة الماضية.

يجب مناقشة مداخل التغيير المختلفة وفحص إمكانية مواءمتهما مع الواقع السوري في ظل التغييرات على مستوى السياسي والاجتماعي وتكنولوجيا المعلومات والإعلام، رغم كل الحظر والمضايقات المختلفة، ويجب أن نتعلم من الحراك الاجتماعي الأخير.

إن التغيير، وخاصة السياسي، يحمل إما على أكف المواطنين أو على ظهور الدبابات الداخلية أو الخارجية، ولا خيار رابع! ومن نافل القول أن فكرة الدبابة مرفوضة إن كانت داخلية أو خارجية، وفي الوقت نفسه فالمواطن الذي لا يحلم بحياة أفضل ويجهد من أجلها فلن يستطيع الحفاظ عليها، بل سوف تضيع عند أول اختبار حقيقي. كما أنه ومهما علا كعب المفكرين والمثقفين فلن يستطيعوا فهم حاجات المواطن العملية بمختلف تنوعياتها من خلال النظريات والتنظير دون النزول من أبراجهم العاجية ولنجعل من الدكتور عبد الوهاب المسيري وغاندي ومانديلا معلمين لنا. لذلك كله يجب إشراك المواطن في كل عمل مهما كان صغيراً في سبيل تحصيل حقوقه ليس السياسية فقط بل الاجتماعية والقانونية والاقتصادية وحتى الثقافية. ويجب ألا يسوقنا هذا إلى النظر بفوقية إلى المواطن من خلال اعتقادنا أننا نأخذ بيده إلى بر الأمان، أي يجب يكف المعارضون عن النظر إلى أنفسهم على أنهم قادة والباقي أتباعاً لهم، بل على العكس، من يريد أن يعمل في الشأن العام يجب أن يؤمن حقيقة أنه يخدم قضية وطن ومواطن.

لقد ابتكر النظام منذ حوالي العشر سنوات مقولة الإصلاح الاقتصادي والإداري كمدخل للتغيير في سوريا الذي أطلقوا عليه “مسيرة التطوير والتحديث”، وغني عن القول أن أي نظام ديكتاتوري بحاجة لتجديد بعض شعاراته لمواكبة العصر، إلا أن هذه المقولة مخادعة ولا تهدف سوى إلى التضليل وتوجيه الأنظار بعديداً عن الحقيقة، فبدون إصلاحات سياسية حقيقية لن تؤدي الإصلاحات الاقتصادية سوى إلى مزيد من الفساد والاحتكار والسرقة وهذا ما نلمسه عملياً في السنوات الأخيرة. لكن ماذا عن المدخل السياسي في التغيير؟ إن الدخول من باب السياسة صحيح من الناحية النظرية، ولكن ماذا عن الناحية العملية؟ من سوف يقوم بالإصلاح السياسي هذا؟ إن أي معارضة غير قادرة على اختراق النظام السياسي لوحدها، فلا بد لها لأن تلجأ إلى قوى داخلية أو خارجية، ولأنه وكما ذكرنا أن التغيير المحمول من الخارج مرفوض جملة وتفصيلاً مهما كانت المبررات (البراغماتية) فلا يبقى أمام المعارضة سوى الاعتماد على القوى الداخلية. وهذه القوى ليست سوى قوة المواطنين مجتمعة عندما يقررون المطالبة بحقوقهم المسلوبة منهم. ولكن، هل سوف يأتي المواطنون هكذا ليقولوا لقوى المعارضة تعالوا لنقم في التغيير معاً؟ طبعاً لا، ولم تحدث في تاريخ سقوط الديكتاتوريات أبداً ولن تحدث. وبذلك يسقط المدخل السياسي في التغيير من الناحية العملية، إلا اللهم إن رغب النظام في الإصلاح الحقيقي وبدأ بالسياسية عندها يكون هذا المدخل عملياً، ولأن النظام لن يقوم بذلك (أتمنى العكس) فلا بد من إيجاد البدائل العملية وإن كانت تحتاج إلى وقت أطول وجهد وتضحيات أكبر. والبديل أولاً وأخيراً هو المواطن مرة أخرى وقوة الشعوب هي التي تحدث التغييرات الحقيقة المستدامة، لكن ألا يعيدنا هذا إلى المربع الأول وهو كيف يستجمع الشعب قوته الذاتية لتحصيل حقوقه؟ لو كان هذا يعيدنا إلى المربع الأول لما سقطت أي ديكتاتورية في العالم، ولكنا في عصر الإمبراطوريات والسادة والعبيد إلى الآن! إن  السبيل العملي هو المساهمة في كسر حاجز الخوف واليأس والتعب واللامبالاة لدى المواطن من خلال العمل على القضايات التي تهمه بشكل مباشر وتؤثر في تفاصيل حياته، كمشكلة البطالة والفقر وسوء نظام التعليم والصحة والسكن العشوائي الغير صحي وكل أزمة يخلقها فساد النظام السياسي، وبذلك يتم خلق حركة مجتمع مدني فعالة تستطيع مع الوقت تشكيل مجموعات ضغط تجبر النظام على إحداث بعض الإصلاحات الحقيقة لأنه سوف يجد أمامه قوى حية متحركة راغبة وقادرة على الفعل، وما إن يتحقق مطلب حتى يظهر مطلب آخر أكبر منه وأعمق حتى يصل الجميع إلى الجذور وهو طبيعة النظام السياسي بحد ذاته.

إن الصورة الكبيرة عبارة عن أجزاء صغيرة تشكلها، وفهم الجزء يساعد على فهم الكل والعكس بالعكس، أي يجب عدم التخلي عن المطلب السياسي في الوقت الذي يعمل المجتمع المدني على تحقيق المطالب الاجتماعية والقانونية والاقتصادية. لأن النظام السياسي هو الصورة الكبيرة التي تعكس النتيجة النهائية للأجزاء.

أي باختصار يجب أن تحمل اليد القلم وعلى الأرجل النزول إلى الشارع لنستطيع بناء حياة كريمة نستحقها ويستحقها كل مواطن وإنسان بما هو كذلك.

المثقفين

للأسف يدعي كل من يحمل قلماً وكتاباً أنه مثقفاً، لكن معظمهم ينسى أن يضيف صفة جوهرية إلى جانب لقبه هذا وهي إما “مستقيل” أو “منتهي الصلاحية” أو “انتهازي”…الخ، لأن الغالبية الساحقة من مثقفينا أو ممن يدعون الثقافة تركوا أهم مكون من الثقافة وهو الموقف الناقد الذي لايرضى سوى بالكمال، وذلك إما خوفاً أو لامبالاةً أو طمعاً في مال وسلطة أو لانعدام قدرتهم على الإبداع والتجديد وعلى فهم الواقع المتغير والمتجدد مهما كان ظاهره جامداً كعقولهم. إن التغيير قادم لا محالة مهما طال الزمن وهذا هو التاريخ ماثل أمام كل متعقل، فإما أن يلعبوا فيه الدور المفترض لهم أو لن يكون لهم مكان سوى العدم.

المواطن

علمنا ابن خلدون، المؤسس الأول لعلم الاجتماع، أن الإنسان هو الصانع الحقيقي للتاريخ، والحاضر ليس قدراً ميتافيزيقياً مفروضاً بل هو من صنع الآباء والأجداد وكذلك المستقبل نحن من نصنعه لأبنائنا. وعلمنا الفلاسفة الجدليون أن الواقع يتم تجاوزه (يتغير) من خلال صراع مصالح الأطراف المختلفة (المتناقضة أحياناً)، ولا بد أن يكون يكون الواقع الناتج مركباً جديداً تتمثل فيه مصالح بعض أو كل تلك الأطراف. ورغم أن التغيير حتمية تاريخة إلا أن اتجاه التغيير ليس بحتمي، بل يخضع لإراردة الإنسان الفاعل، أي كل من يريد أن يكون له نصيب في الواقع الجديد يجب أن يكون إنساناً فاعلاً بإرداته. إن المصالح تتداخل وتتعارض وتتصادم في كثير من الأحيان بين الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية بالنسبة لسوريا (ولكل دولة في الحقيقة)، فإن لم يدخل المواطن طرفاً في الصراع هذا فلن يحظى باهتمام أحد ولن يمثل أحد مصالحه الحقيقية ولن يكون اتجاه التغيير فيه مصلحة له حتماً. كما ذكرت آنفاً فإن عجلة التغيير، وإن بدت بطيئة في البداية فقد انطلقت ولن تتوقف وأصبحت الضرورة ملحة للمشاركة في صناعة تاريخنا وإلا لن تكون العواقب حميدة أبداً وسوف نؤخذ إلى مكان لا نريده بالتأكيد.

* يكفي أن اللجنة التي ابتدعت هذا القانون عملت في الظلام مختبئة من نور المساواة والعدل، ومازلنا لا نعرف عنها شيئاً

قد يعجبك أيضاً...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *