أحيا من جديد

في هذه اللحظة وأنا أكتب لأول مرة في مدونتي بعد غياب دام أكثر من أربع سنوات أشعر بأصابعي ترتجف على لوحة المفاتيح وتعاند صياغة مشاعري وأفكاري. شكراً للصديق فراس الحايك الذي أتاح لي أن أعود إلى التدوين ليس من نقطة الصفر. أشعر أني أعود إلى الحياة مرة، ففي التدوين حياة بالنسبة لي. إنها المساحة الشخصية جداً والعامة جداً، حيث أكون بكامل حريتي، وأنا متمسك بحريتي حتى أقصى الحدود.

حسين غرير

بعدسة: ديفيد غيس-ستراسبورغ-فرنسا

عند اعتقالي في 16 شباط 2012 كنت قد بدأت لتوي بنقل المدونة من مخدم إلى آخر يديره صديقي فراس الحايك. فكرت كثيراً بعائلتي، وفكرت كثيراً بمدونتي. لكني فقدت الأمل باستعادة المدونة في شهر نيسان، موعد تجديد الحجز. قررت بعدها أني سوف أنشئ مدونة جديدة بعد خروجي الذي تأخر كثيراً، وحزنت على كل ما كتبت، ليس لأهميته، بل لأن به عثراتي التي تعلمت منها.

جاءني الخبر السعيد الأول بعد حوالي شهرين من خروجي من المعتقل. أرسل فراس رسالة لي يقول فيها أن عنوان المدونة مازال محجوزاً لي. تلعثمت ولم أعرف كيف أشكره، ليس فقط لأن عنوان المدونة عاد إلي، بل لأن معرفتي لهذا الشخص كانت عبارة عن شهرين من العمل في شركة واحدة قبل اثنتي عشر سنة، ولم أره خلال هذه المدة سوى مرة أو مرتين، يا إلهي! أما الخبر الأروع كان في شهر كانون الأول من العام الماضي. كنت في باريس لبعض الأعمال، وبينما كنت في طريقي لأرى صديق الثورة عاصم حمشو لأول مرة بعد سنوات، وصلتني رسالة جديدة من فراس يقول فيها: ادخل http://ghrer.net. توقعت ما كان يقصده فراس بهذه الكلمة. ترددت بالضغط على الرابط، كاد قلبي يتوقف، هل يعقل أن المدونة عادت كاملة؟ هل عادت أجزاء منها؟ يا إلهي، المدونة كما هي وكأني تركتها لتوي! لقد احتفظ فراس بنسخة احتياطية كاملة عن المدونة. شكراً مرة أخرى فراس، وشكراً دائماً، وشكراً مع كل تدوينة ومقال جديد!

بدأت التدوين في شهر تموز 2007 مباشرة بعد التجديد للقاتل بشار الأسد لولاية جديدة. كان الأمر محسوماً بالطبع، لكني اختنقت في تلك الأيام. يجب على كل سوري أن يفعل شيئاً. يجب ألا تبقى سوريا مزرعة لآل الأسد وعصابتهم. اخترت أن يكون التدوين مدخلي لتلمس طريقي في العمل. بدأت بالتدوين باسم مستعار بلقب الرجل الحر، وكانت أولى مقالاتي عن تجديد البيعة للقاتل. ورغم أن مشكلتي مع نظام الأسد، إلا أني ركزت في كتاباتي على نقد المعارضة لأن الأمل ليس في النظام، لكن في العمل للتخلص من الاستبداد. لم يكن هذا عملاً صائباً بطبيعة الحال، لأنه أبعدني عن فهم بنية النظام وديناميات عمله. حلمت بالتغيير وتحدثت عنه، كان التغيير بالنسبة لي حتمية تاريخية، إلا أن اتجاهاته ليست حتمية ولا بديهية، وتحدده إرادات البشر. وكنت متخوفاً من لعبة النظام في تشجيع الاجتماع الديني من أجل احتكار الاجتماع السياسي.

دعا مجموعة من المدونين السوريين لتنظيم حملة للتذكير بالجولان المحتل. كنت من بين الذين لبوا الدعوة. واستضافة قناة الجزيرة بعض المدونين للحديث عن الحملة. كنت بينهم، وظهرت باسمي الحقيقي. وكانت المفارقة أن تساءل العديد من المدونين عن المدون الذي لم يسمعوا به قبلاً، وكيف يتحدث للإعلام بصفة مدون! كان قليل من الأصدقاء يعرفون اسمي الحقيقي. عندها قررت إنشاء مدونة باسمي. كانت الفكرة قد خطرت ببالي قبل ذلك، رغم أن مدونتي الأولى بدأت تنتشر أكثر وحصلت على لقب موقع الأسبوع في صفحات سوريا. كنت قد ابتعدت قليلاً عن الكتابة في السياسية، فقد رأيت أن المعارضة مشلولة، غير قادرة على الفعل ومشغولة بمقاعد لا يعرف عنها سوى بضع مئات من الناس. معارضة نخبوية تدور حول ذاتها، وتتحرك في نفس الدوائر التي لم تنتج تغييراً. كنت أبحث عن الفهم أكثر، وعن العمل مع الناس مباشرة. فالخبز في قلب السياسة.

الثورة تستمر

29-2-2016 مظاهرات في حلب تعلن استمرار الثورة والحلم

هبت رياح التغيير مع ثورة تونس ثم ثورة مصر. دفعني الحلم إلى المشاركة وتقديم شيء من المساعدة للمصرين في الأيام الأولى لثورتهم عندما كانت قناة الجزيرة تنتظر القرار السياسي من أمير قطر. وأشعر أن هذا كان أفضل ما فعلته على صفحات مدونتي حتى الآن، وما زلت أفخر به، فقد عملت لأكثر من ثلاثين ساعة متواصلة لنقل الأخبار الميدانية إلى المصريين. وحانت اللحظة في سوريا أخيراً، لحظة حلمت بها كثيراً، واكتشفت أن معظم السوريين كانوا يحلمون بها أيضاً. آمنت بالثورة، وبقدرتها على التغيير الجذري. كنت أتطلع إلى أن تنتصر الثورة وتنقل السوريين من رعايا إلى مواطنين. لم يكن لدي وهم الانتصار الحتمي رغم تفاؤلي المعتاد، لأن المواطنة فعل بناء وليس حتمية تاريخية. وهذا ما فشلنا في بنائه حتى الساعة. وأحد أسباب الفشل، بعد وحشية النظام التي فاقت الخيال، هو عدم قدرة المعارضة على الارتقاء إلى مستوى الملحمة السورية. وكلي أمل وعمل حتى ننجز هذا البناء الذي سوف يكون هدية من سوريا إلى كل العالم ولو بعد عقود! وأعتز أن يكون المقال الأخير الذي كتبته قبل اعتقالي الأخير كلمة في طريق هذا العمل.

كان التدوين هاجساً بالنسبة لي، وما زال. لدي قناعة أن التدوين أسٌ لحرية التعبير، وحرية التعبير أسٌ لبناء المواطنة وبناء المشروع الذي يستحقه السوريون ويستحقه كل إنسان. ومن أجل هذا عملت كمدرب في أكاديمية آراء. وبسبب هذا العمل اعتقلت في المرة الأولى حيث كانت التهمتين الرئيسيتين هما: تدريب الناشطين على تقنيات إعلام المواطن والكتابة ضد الفساد! لكن، وبكل الأحوال، لا يكفي للتعبير أن يكون حراً، بل يجب أن يكون مسموعاً أيضاً. وهذا مشروع بدأت أفكر فيه سجن عدرا، وأعمل الآن على إنضاجه. وللحديث تتمة حول التدوين.

قد يعجبك أيضاً...

1 Response

  1. ميادة غرير قال:

    حسين انا دائما فخورة فيك بس اليوم فخورة وفرحانة لانك رجعت ورجعت من مكان ما تركت
    نحنا كلنا نحيا من جديد برجعتك النا ..منور

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *